المحاضرة بعنوان خلق التودد، مشاركة في برنامج مهمات الدين الأول والذي كان بمسجد ابن عباس بزغفة يوم الجمعة 3 صفر 1448هـ الموافق 17 يوليو 2026م ألقاها منوع
يُثني الخطيب على دورة علمية مباركة تعنى بالتوحيد والصلاة ومكارم الأخلاق، مؤكداً أن التمسك بها يجلب الخير. ويركز على خلق التودد للناس بوصفه من جميل الأخلاق ودليل المروءة مستشهداً بتعريف ميمون بن مهران.
يؤكد المقطع أن التودد للناس بالدعاء والتواضع يجلب المحبة وقبول النصح، مستشهداً بآية الرحمة وحكمة لقمان. ويحذر من إهمال الإخوان وسوء المعاملة الذي ينفر القلوب ويمنع قبول الخير.
يؤكد المقطع على أن الرفق واللين من أسباب قبول الناس للحق، مستشهداً بسير السلف في التودد للناس. ويوضح أن مودة الكريم غراس في القلوب، وأن الدعاء بحب المؤمنين يسهل تبليغ الدعوة.
يؤكد المتحدث على أهمية نيل القبول في قلوب الناس لنقل الحق، ويوصي بالتمسك بمكارم الأخلاق والفضائل. ويختم بالدعاء بالبركة للدورة والقائمين عليها والمدرسين.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فنحمد الله عز وجل الذي يسر لنا هذه اللقاءات وهذه الاجتماعات وهذه الدورات المباركة التي يقع فيها الخير العظيم، ولله الحمد، وقد لمست آثارها طيبة وثمارها اليانعة الحسنة، فأسأل الله عز وجل أن يجزي خير الجزاء القائمين على هذه دورة تعليماً وتدريساً وإعانة وبذلاً، أسأل الله أن يبارك في الجميع. وهي دورة مباركة تهتم بأمر التوحيد والعقيدة، وهكذا أيضاً المحافظة على الصلاة والحث على مكارم الأخلاق، والعبد إذا وفقه الله ومن عليه بهذه الأمور الثلاثة فقد حصل الخير العظيم، أن يحرص على توحيد الله عز وجل والقيام بالعبادات والطاعات والتقرب إلى الله عز وجل بالحرص على الفرائض والإكثار من النوافل وملازمة الأخلاق الحسنة، فإنه ترتفع عند الله درجته وتعظم منزلته. فنتواصى بهذا الخير، أن نحرص على الأخلاق الحسنة الفاضلة، ومن ذلك معشر الإخوة الكرام: التودد للناس، فالتودد للناس من جميل الأخلاق وحميد السجايا، ويدل على حب المرء لإخوانه المسلمين وحرصه عليهم، وهو دليل على مروءة الرجل. ميمون بن مهران فسر المروءة بقوله: «المروءة طلاقة الوجه والتودد للناس وقضاء الحوائج». انظر أخي الكريم بماذا يفسر ميمون بن مهران المروءة: طلاقة الوجه، والتودد للناس. صاحب المروءة يتودد للناس، ولهذا قال رجل لمعاوية: «المروءة إصلاح المال ولين الكف والتحبب إلى الناس». فمن المروءة معشر الإخوة الكرام: التودد للناس، مداراة لهم وحرص عليهم وإقبال عليهم، فعندما تتودد للناس يقع من وراء ذلك المحبة في قلوبهم لك، ويترتب على ذلك قبول الخير منك عندما تنصح، تعظ، توجه، أو تنبه. عليه إخوة إخوان كرام: أن التودد للناس يتحقق بأمور كثيرة، منها: الدعاء لهم، ومنها: التواضع لهم، ومنها: الإجابة لمناسباتهم من أعراس وولائم وغير ذلك، وهكذا المواساة لهم في مصائبهم عند النكبات والشدائد والموت. كل هذا يدل على تودد المرء إلى الناس: يدعو لهم، يتواضع، يجيب الدعوات إذا دعي إليهم، ويواسيهم في مصائبهم. الكلمة الطيبة، الكلمة الطيبة صدقة، والبعد عن التصرفات الموحشة الموغرة للصدور. فسبحان الله، بعض الناس هداهم الله، بل بعض طلبة العلم لا يبالي أغضب الناس أم لم يغضبوا، بحق أم بباطل، لا يبالي، أخسر قريباً أو صديقاً، وهذا ما لا يليق به. قد جاء في حكمة لقمان لما قيل له: من شر الناس؟ قال: «من يسيء ولا يبالي أن يراه الناس مسيئاً». أما صاحب المروءة فإنه يحافظ على أصحابه ومعارفه وإخوانه. قال الأصمعي: قال أعرابي: «أعجز الناس من قصر في طلب الإخوان، وأعجز منه من ضيع من ظفر به منهم». لأن بعض الناس لعدم تودده يضيع من ظفر به من إخوة، من أصحاب، من أحباب، فالله المستعان. فالذي نحث عليه معشر الإخوة الكرام: التقرب إلى الناس والملاطفة لهم. إذا كان العبد عالماً داعياً آمراً ناهياً، فإن القلوب تنقاد إليه، لأن الله يقول: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: 159]، لنت لهم بأي شيء؟ يعني: بالتودد، بالتلطف، بالرحمة. أما إذا نفر العبد عن الناس ونفروه منه، فلن يقبلوا منه. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك» [آل عمران: 159]. فالعاقل من يحث على الملاطفة. الملاطفة: الأحنف بن قيس، وهو سيد من سادات العرب من أهل المروءة، يقول: «لو جلست إلى مئة لأحببت أن ألتمس رضا كل واحد منهم، أن ألتمس رضا كل واحد منهم». الله أكبر، انظر، لأنه يعلم أن الناس سيقبلون منه الخير والعلم إذا تودد إليهم. ومن جميل تودد الأحنف: أنه كان إذا أتاه إنسان وسع له، فإن لم يجد موضعاً تحرك من أجل أن يريه أنه يوسع له. كم يسر الصديق والحبيب والأخ عندما يراك توسع لهم، ولو حركة فقط. قال الأصمعي: دخلت على الخليل وهو جالس على حصير صغير، فقال لي: «تعال واجلس»، فقلت: «أضيق عليك»، فقال: «ما، فإن الدنيا لا تسع متباغضين، وإن شبراً في شبر يسع متحابين». الله أكبر، ما أعظم من كلمة: الدنيا كلها ما تسع متباغضين، لكن شبر في شبر يسع متحابين. فإذن ما نتواصى به: الحرص على التودد للناس. يقول أبو العيناء: «مودة الكريم غراس، وشكر الشريف أحسن لباس». مودة الناس: تودد إليهم، غراس تغرسها في قلوبهم، في قلوبهم. لا إله إلا الله، نحن اليوم بحاجة إلى هذا. ما يقول: «وحدي، أنا ما أبالي بالناس، لا، أنت ما تبالي بهم إذا خالفوا الحق»، لكن أما وأن تريد أن تعرض عليهم الحق وأن تقبل لهم الحق، فاحرص أن تودد لهم. أبو هريرة يقول: «يا رسول الله، ادع الله أن يحببني وأمي إلى المؤمنين». لماذا يدعو الله أن يحببهم وأمهم إلى المؤمنين؟ هل يريد من رأيهم دنيا أو شيء؟ الجواب: لا، يريد أن يكون له قبول في قلوب الناس ليقبلوا الحق إذا دعاهم إلى الحق. فنتواصى بمكارم الأخلاق والحرص على الفضائل وما يقرب إلى الله عز وجل. أسأل الله عز وجل أن يبارك في هذه الدورة والقائمين عليها وفي المدرسين، حفظ الله الجميع، وجزاكم الله خير الجزاء.