المحاضرة بعنوان الشهادتان علم وعمل، المجلس الأول من برنامج مهمات الدين الأول والذي كان بمسجد ابن عباس بزغفة يوم السبت 4 صفر 1448هـ الموافق 18 يوليو 2026م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح هذا المحور المعنى الصحيح لشهادة التوحيد بأنها نفي الألوهية عما سوى الله وإثباتها له وحده، مبيناً إعراب الكلمة ودلالة لفظ الجلالة «الإله» على المعبود بحق. كما يردّ على ثلاثة تأويلات فاسدة شائعة هي: نفي وجود الآلهة، أو قصر المعنى على الخالقية، أو على الحاكمية، مستدلاً بموقف المشركين الذين فهموا المعنى الحقيقي فأبوا النطق بها.
يستعرض هذا المحور الشروط السبعة الواجبة لصحة الكلمة ونفعها وهي: العلم، اليقين، الإخلاص، الصدق، المحبة، الانقياد، والقبول، مع الاستدلال لكل شرط من القرآن الكريم والسنة. ويؤكد أن الحاكمية جزء من مقتضى الشهادة وليست 전부 معناها، مستعرضاً قصة أبي طالب دليلاً على أن مجرد المعرفة دون تحقيق الشروط لا تنفع.
يفصل هذا المحور في الشرط الثامن وهو الكفر بالطاغوت، مبيناً أن مجرد النطق بالشهادة لا يعصم من الكفر إذا وجد شرك أو جحد لأركان الإسلام، ويرد على من يتمسك بحديث أسامة بن زيد زعماً لعصمة من نطق بها ثم أشرك. كما يستدل بقتال الصحابة للخوارج ومانعي الزكاة على أن جحد معلوم من الدين بالضرورة ينقض الشهادة ويخرج من الملة إجماعاً.
يبيّن هذا المحور أن الشهادة مفتاح دخول الإسلام، وأن من جحد شيئاً من شرائعها بعد النطق بها كفر، ثم يستعرض فضائلها العظيمة: كونها سبباً لدخول الجنة، وأفضل الذكر، وحطاً للخطايا، وثقلاً في الميزان، ونجاة من الخلود في النار. ويختتم بآثارها الدنيوية في تحقيق الوحدة والأخوة بين القلوب المتفرقة، وإيجاب الطمأنينة والسكينة للموحد بعبادة إله واحد، بخلاف المشرك المتخبط بين آلهة متنازعة.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، وصلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. نحمد الله جل وعلا الذي يسر لنا اللقاء بكم في هذا المسجد المبارك، جامع ابن عباس في منطقة زغفة، في هذا البرنامج الطيب: مهمات الدين، التي يحتاج لها المسلم، بل هي من أساس أمور دينه التي ينبغي أن يتعلمها وأن يتفقه فيها، فجزى الله خيرًا من قام هذا البرنامج وسعى إلى إقامته وإلى تحصيله، وكذلك أيضًا إلى تحقيقه، ومقدمة أولئك أخونا أو أخانا الفاضل مصطفى بافقيل، حفظه الله، وشكر الله عز وجل سعيه، وأعظم جل وعلا له الأجر والثواب، ومن أعانه على ذلك، وجزى الله جل وعلا الجميع خيرًا. وعنوان مجلسنا كما سمعتم أو علمتم: الشهادتان علم وعمل، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. هاتان الشهادتان اللتان يرفع بهما أهل الإسلام أذانهما: الأذان والإقامة، وهذا لعظم شأنهما ولجلالة قدرهما. كيف لا، وربنا عز وجل ما خلق السماوات والأرض، ولا خلق الخلائق جميعًا، وما أنزل الكتب وأرسل الرسل، وما قام ميدان الجهاد والقتال، وما خلق الله الجنة والنار إلا لتحقيق هذه الشهادة العظيمة، فهي مفتاح الإسلام أو كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام، فلا يدخل الجنة إلا من حقق هاتين الشهادتين العظيمتين، وعنهما يسأل المرء يوم القيامة: ماذا كنتم تعبدون، وماذا أجبتم المرسلين؟ وجواب الأول بتحقيق شهادة أن لا إله إلا الله قولًا وعملًا، وجواب الثاني بتحقيق شهادة أن محمدًا رسول الله قولًا وانقيادًا واتباعًا. فشهادة أن لا إله إلا الله معناها: أن تقول بلسانك معتقدًا بقلبك أنه لا معبود بحق إلا الله. هذه الكلمة العظيمة وهي كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، أفضل الكلمات وأعظم الذكر الذي يذكر به العبد ربه. قد قال عليه الصلاة والسلام: «أفضل الذكر لا إله إلا الله، أفضل الذكر لا إله إلا الله». هذه الكلمة العظيمة هي الفارق بين المسلم والكافر، وبين المؤمن والمشرك، بها يدخل العبد إلى دين الإسلام، وبها يكون الكافر مسلمًا بتحقيق هذه الكلمة العظيمة: لا إله إلا الله. هذه الكلمة: لا إله إلا الله، إعرابها: أن «لا» نافية للجنس، «إله» اسمها، والخبر محذوف تقديره: حق، و«إلا» استثناء، ولفظ الجلال مستثنى. والمعنى: لا إله حق إلا الله، لا إله حق إلا الله. ومعنى «إله»: معبود، لأن الإله بمعنى المألوه المعبود، أله يأله إلهة إذا عبد. سُئل ابن عباس: هل تعرف العرب هذا المعنى؟ قال: نعم، يدل بقول القائل: «لله در الغانيات المدة، سبحنا واسترجعنا من تأله». فـ «الإله» هو المعبود. لهذا قول الله عز وجل: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٨٤]، أي: هو معبود من في السماء ومعبود من في الأرض، يعبده من في السماء ويعبده من في الأرض. إذن معنى لا إله إلا الله: أي لا معبود بحق إلا الله، لا معبود بحق إلا الله، وكل ما عبد من دون الله فهو باطل، ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢]. هذا معنى لا إله إلا الله، وليس معناها: لا إله موجود. بعضهم يقدر أن المحذوف «موجود»، بمعنى: لا إله موجود إلا الله، هذا تقدير خاطئ وتفسير باطل، لأن وجود آلهة غير الله سبحانه وتعالى هذا أمر واقع، أمر واقع أن من الآلهة هناك من اتخذ آلهة دون الله، من عبد الأصنام والأشجار والأحجار جعلها آلهة، والله عز وجل أثبت ذلك: ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ﴾ [يس: ٧٤]، هي آلهة لكنها باطلة، لكنها باطلة. فإذا قلت: لا إله، بمعنى: لا إله موجود، هذا ينفيه القرآن، القرآن يثبت أن هناك من اتخذ آلهة دون الله وسماها الله جل وعلا آلهة، لكنها آلهة باطلة، آلهة باطلة. إذن هذا التفسير غير صحيح. ومنهم من يفسر كلمة التوحيد بأنه: لا خالق إلا الله، يفسر الإله بمعنى الخالق والمخترع، فلا إله إلا الله أي: لا خالق إلا الله. وهذا تفسير خاطئ كذلك، تفسير كلمة التوحيد بالربوبية هذا ليس بصحيح، ولو كان تفسيرها كذلك لم ينكر ذلك مشركو العرب، لأنهم يقرون بربوبية الله سبحانه وتعالى، ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥، الزخرف: ٨٧]، هم ما يعتقدون أن آلهتهم تخلق وترزق وتحيي وتميت إلى آخره، وإنما يقرون أن المتفرد بذلك هو الله، وإنما يعبدونها لأجل أن تقربهم إلى الله وأن تشفع لهم عند الله، ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ﴾ [يس: ٧٤]، ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ﴾ [الزمر: ٣]. ما عبدوا هذه الآلهة إلا لتقربهم إلى الله، واسطة بينهم وبين الله، ما يعتقدون أنها تخلق وترزق إلى آخره، ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]، يشفعون لنا. هذا كان مقصدهم ومرادهم من عبادة غير الله: أنها تقربهم إلى الله وأنها تشفع لهم عند الله، أما اعتقاد الخلق والرزق والإحياء والإماتة إلى آخره فهم يعتقدون أن المتفرد بذلك هو الله. ولو كان هذا معنى لا إله إلا الله لأجاب النبي عليه الصلاة والسلام لما قال لهم: «قولوا لا إله إلا الله تفلحوا»، لقالوا مباشرة: لا إله إلا الله، هم يقرون أن الله عز وجل الخالق، لكن كانوا يعلمون أن معناها: لا معبود بحق إلا الله، ولهذا أبوا أن يقروا بها، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٥-٣٦]، فأبوا أن يتلفظوا بها لأنهم عرفوا معناها، عرفوا معنى لا إله إلا الله. وقال الله جل وعلا مخبرًا عنهم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥]، شيء عجيب، نترك آلهتنا كلها: اللات والعزى ومناة وهبل وغيرها من الأصنام، ونعبد إلهًا واحدًا، شيء عجيب، هذا شيء ما يمكن، ولهذا أبوا ورفضوا أن ينطقوا بها لأنهم عرفوا معناها: أن معناها لا معبود بحق إلا الله. وهناك من يفسر هذه الكلمة العظيمة بأنه: لا حاكم إلا الله، بمعنى أن الذي له الحكم هو الله سبحانه وتعالى وحده دون من سواه، وليس لأحد من الخلق أن يحكم بحكم يخالف حكم الله جل وعلا. هذا المعنى صحيح لكن ليس معنى لا إله إلا الله، الحاكمية هي جزء من لا إله إلا الله، أنه يجب على أهل الإسلام وعلى العباد أن يتحاكموا إلى الله، ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، وقال جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: ٦٠]، وقال: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ * أُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٤-٤٧]. صحيح أن الحكم لله لكن ليس هو معنى لا إله إلا الله. وبعض من غلا في هذا الباب، باب الحاكمية، زعم أن النبي عليه الصلاة والسلام لما قام في قريش وقال لهم: «قولوا لا إله إلا الله تفلحوا»، قال: معنى ذلك: قولوا لا حاكم إلا الله. هذا جهل عظيم، جهل عظيم بمعنى لا إله إلا الله. فإذا علمنا أن معناها: أنه لا معبود بحق إلا الله، ولا يتحقق تحقيق هذه الكلمة إلا بتحقيق ركنيها، هذه الكلمة لها ركنان أساسيان وهما: النفي والإثبات، النفي والإثبات. النفي في قولك: لا إله، هذا نفي لجميع الآلهة سوى الله سبحانه وتعالى، وإلا الله: إثبات الألوهية لله جل وعلا وحده. فلا إله إلا الله اجتمعت على نفي جميع الآلهة وإثباتها لله سبحانه وتعالى وحده، ولا يتحقق التوحيد إلا بهذين الركنين. فمن قال: لا إله، وسكت، ما أثبت الألوهية لله، بل نفاه عن الله. ومن قال: الله إله، فقط دون نفي، كذلك لم يحقق التوحيد لله، لأن قولك: الله إله، لا ينفي وجود إله آخر غير الله، لا ينفي وجود إله آخر غير الله. لكن لا إله إلا الله: فهي تنفي وجود إله مع الله سبحانه وتعالى وتثبت الألوهية لله جل وعلا وحده، وهذا هو معنى لا إله إلا الله. قال الله جل وعلا: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثقَىٰ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، هذا معنى لا إله إلا الله: النفي والإثبات. ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٦-٢٧]، نفي وإثبات. ولهذا الله عز وجل كثيرًا ما يأمر بعبادته وينهى عن الشرك: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]، في مواضع كثيرة في القرآن: الأمر بعبادة الله والنهي عن الشرك به، نفي وإثبات، ما يتحقق التوحيد إلا بذلك، إلا بذلك. إذا علمنا معنى هذه الكلمة العظيمة، علمنا أنه لا يتحقق توحيد العبد وتحقيقه لهذه الكلمة العظيمة إلا بتحقيق شروطها، هذه الكلمة لها شروط لا بد من وجودها حتى تكون صحيحة وتكون نافعة لصاحبها. وهذه الشروط: أولها: العلم، العلم بمعنى لا إله إلا الله، وهذا العلم منافي للجهل، فالذي يقول لا إله إلا الله وهو يجهل معناها ما تنفعه، كالذي يتكلم بلغة لا يعرف معناها. ولهذا تجد بعض المسلمين هداهم الله ممن يقول لا إله إلا الله وهو يخالف مقتضى هذه الكلمة بأقواله وأفعاله التي يفعلها من الشرك في عبادة الله سبحانه وتعالى، هذا معلم ما فهم معنى هذه الكلمة، معنى لا إله إلا الله وهو أنه لا معبود بحق إلا الله، ثم تجده يعبد غير الله من شجر أو حجر أو قبر أو مشهد أو ولي، يستغيث به وينذر له ويذبح له ويطوف حوله ويستنجد به ويطلب منه كشف الكربات وقضاء الحاجات إلى آخر ذلك. إذن لا بد من العلم بمعناها، ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾ [محمد: ١٩]، العلم قبل القول والعمل، لا بد. والشرط الثاني: اليقين، اليقين المنافي للشك والريب، أنك تقول لا إله إلا الله موقنًا بمعناها أنه لا معبود بحق إلا الله، ما عندك أدنى شك ولا ريب في ذلك، أن احتمال يكون هناك إله غير الله يستحق أن يعبد، لا. إذا عندك هذا الشك والريب ما حققت هذه الكلمة، لا بد أن تكون موقنًا، ما عندك شك ولا ريب، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات: ١٥]، ما عندهم ريب ولا شك بذلك. الشرط الثالث: الإخلاص، المنافي للشرك، الإخلاص المنافي للشرك، أن تكون مخلصًا في قولك لا إله إلا الله، قال عليه الصلاة والسلام: «من قال لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه دخل الجنة»، فمن قالها غير مخلص فيها ما نفعته. كذلك الشرط الرابع: الصدق، المنافي للكذب، ما تقولها كاذبًا، بلسانك تقولها وأنت كافر بها في قلبك، كحال المنافقين الذين يقولون لا إله إلا الله ولا يؤمنون بها، قال الله جل وعلا: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]، يقولونها من أجل أن تعصم دماؤهم وأموالهم ويكونوا في الظاهر من أهل الإسلام وهم في الحقيقة من أهل الكفر، ما تنفعهم هذه الكلمة إلا أن تكون صادقًا في قولك لا إله إلا الله. كذلك أيضًا المحبة، الشرط الخامس: المحبة لهذه الكلمة ولما دلت عليه ولأهلها، تكون محبًا لها لأنها تعظيم لله وإجلال لله، توحيد لله، فتحب هذه الكلمة، كلمة التوحيد، وتحب ما دلت عليه من توحيد الله سبحانه وتعالى وإفراده عز وجل بالعبادة، وتحب أهلها، أهل التوحيد المحققين لهذه الكلمة العظيمة، وهذا منافي للبغض والكراهية، إذا كنت مبغضًا لهذه الكلمة ولما دلت عليه ولأهلها ما نفعتك هذه الكلمة إذا نطقت بها وتلفظت بها بلسانك. كذلك أيضًا الشرط السادس: الانقياد، الانقياد المنافي للتمرد وترك الطاعة، وتحقيق معنى هذه الكلمة بإفراد الله عز وجل بالعبادة، فلا بد أن تكون منقادًا لـ لا إله إلا الله. والشرط السابع: القبول، المنافي للرد، القبول المنافي للرد، أن تكون قابلا لها غير راد لها، فمن رد هذه الكلمة وأبى أن يتلفظ بها فهو كافر، هو كافر، ولو كان يدين بدين أهل الإسلام أو يعتقد أن الإسلام هو الدين الحق، ما ينفعه ذلك، ما ينفعه ذلك إلا أن يتلفظ بها ويكون قابلا لما دلت عليه، قابلا لما دلت عليه. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام لما مرض عمه أبو طالب الذي كان يحوطه وينصره ويدافع عنه، كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصًا على هدايته، جاء إليه فإذا عنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، قال: «يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله»، قل تلفظ بها بلسانك، اجعلها حجة، أقول: يا رب إن عمي قال لا إله إلا الله، وأنت قلت: «من قال لا إله إلا الله دخل الجنة»، قال له: «أترغب عن ملة عبد المطلب؟ تترك دين أبائك وأجدادك؟» فأبى أن يتلفظ بهذه الكلمة العظيمة، يا عم قل لا إله إلا الله، وهما يقولان له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ حتى كان آخر كلامه أنه على ملة عبد المطلب، ومات على ذلك، فأنزل الله عز وجل قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]، الهداية بيد الله، حرص النبي صلى الله عليه وسلم على هدايته لكن الله لم يرد له ذلك، فأبى ورفض هذه الكلمة ولم يقبلها، مع أنه كان يقول: «ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا، لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحا بذاك مبينا»، هذا قول أبي طالب يمدح دين النبي عليه الصلاة والسلام الإسلام ويخبر بأنه يعلم أن دين الإسلام من خير الأديان وأفضلها وأحسنها وأكملها وأجملها، لولا الملامة أو حذار مسبة، يعني: لولا أن يلام ويعير بأنه ترك دين آبائه وأجداده لصرح بها ونطق بلا إله إلا الله، لكن قدم أمور الدنيا وخوف العار على أن ينطق بهذه الكلمة العظيمة، فما نفعه ذلك؟ ما نفعه ذلك؟ هو في النار، قال العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم: لي النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أغنيت عن عمك فإنه كان يحوطك وينصرك»، فقال: «هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار». فإذا لا بد من القبول المنافي للرد. وزيد شرط ثامن: وهو الكفر بكل ما يعبد من دون الله، لأن من قال لا إله إلا الله وهو يعتقد جواز عبادة غير الله ما نفعته هذه الكلمة، وجودها كعدمها، لم يحقق معنى هذه الكلمة، إذا قال: لا بأس بعبادة الأحجار أو الأشجار أو الأضرحة أو الأولياء، أنه لا بأس بعبادتها ودعائها والاستغاثة بها إلى آخر ذلك، هذا كفر، إقرار بالكفر، ولا يجتمع الإيمان والكفر، الإيمان والكفر الأكبر ما يجتمعان في قلب العبد، إذن لا بد من تحقيق هذا الشرط الثامن أيضًا. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثقَىٰ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، أي: لا إله إلا الله، تمسك بها وحققها، لا بد من الكفر بكل ما يعبد من دون الله. جمعت هذه الشروط في قول القائل: علم يقين وإخلاص وصدقك *** مع محبة وانقياد والقبول لها وزيد فامنها الكفران منك بما *** سوى الإله من المعبود قد أليها هذه شروط هذه الكلمة العظيمة التي لا بد من تحقيقها حتى ينتفع المتلفظ بها. هذا حكم لا إله إلا الله، وجميع الأحكام لا يترتب أحكامها إلا بوجود شروطها وانتفاء موانعها، إذا اختل شرط من الشروط لم ينتفع بها صاحبها، وإذا وجد مانع من الموانع كذلك لم ينتفع بها صاحبها. هذه الكلمة العظيمة لا إله إلا الله، علمنا الآن معناها وعرفنا شروطها، وأنها تقتضي إخلاص العبادة لله سبحانه وتعالى وحده، وأنه لا يعبد إلا الله، سواء كانت العبادة قولية أو كانت فعلية أو كانت قلبية، ظاهرة أو باطنة، فجميع العبادات لا تصرف إلا لله سبحانه وتعالى، من خشية أو رهبة أو رغبة أو إنابة أو خوف أو محبة أو رجاء أو توكل إلى آخر ذلك من أعمال القلوب، أو كذلك الدعاء والاستغاثة والذبح والنذر والسجود والركوع، وكذلك غير ذلك من العبادات، كلها لا يجوز صرفها إلا لله سبحانه وتعالى وحده، ومن صرف شيئًا من ذلك لغير الله فقد وقع فيما ينقض هذه الكلمة ويبطلها، ما ينفع قائلها أن يقول لا إله إلا الله وهو يصرف العبادة لغير الله وهو يشرك مع الله سبحانه وتعالى غيره، ما ينتفع بها. وقد يستدل البعض بحديث أسامة وقصة أسامة لما قتل ذاك المشرك لما قال لا إله إلا الله، فعاتبه النبي عليه الصلاة والسلام، قال: «أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟» قال: يا رسول الله إنما قالها خوفًا من السيف، قال: «أشققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟» وشد النبي عليه الصلاة والسلام على أسامة: «أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟ كيف تفعل بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟» يستدل بعض أهل الأهواء بهذا الحديث على أن من قال لا إله إلا الله ولو وقع في الشرك بعد ذلك أنه موحد ولا يكفر بذلك ولا يكون مشركًا، خلاص قال لا إله إلا الله لا يضره ما فعل بعد أن قال لا إله إلا الله، وهذا استدلال خاطئ، هذا استدلال خاطئ، لأن علمنا أن لا إله إلا الله لها شروط، لها شروط لا بد من توفرها، ولها نواقض تنقضها، الشرك ينقض لا إله إلا الله، الذي يقول لا إله إلا الله وهو يشرك بعبادة الله سبحانه وتعالى نقض هذه الكلمة، وما نفعه قول لا إله إلا الله. أهل الإسلام أهل العلم أجمعوا على أن من قال لا إله إلا الله وأبى أن يقول أو يشهد أن محمدًا رسول الله أنه كافر، إذا نطق بلا إله إلا الله وجحد وجوب الصلاة فهو كافر، إذا شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وجحد وجوب الصلاة قال: ما في صلاة واجبة، هذا كافر بالإجماع، وإذا أقر بالصلاة وجحد وجوب الزكاة فهو كافر، ولو أقر بوجوب الصلاة والزكاة وجحد وجوب الصيام أو الحج فهو كافر بالإجماع، لو أقر بذلك كله وجحد البعث والنشور فهو كافر، إذن لا بد من أخذ الإسلام بجميع جوانبه، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨]، ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥]، إذن من قال لا إله إلا الله وجحد شيئًا من أمور الدين، أمور الإسلام المعلومة من الدين بالضرورة، كفر بالإجماع، كفر بالإجماع. ولا إله إلا الله قد يقولها القائل ويقع في أمر آخر يوجب قتله، يوجب قتله، ولا يكون معصوم الدم إذا أتى بما يوجب ذلك، النبي عليه الصلاة والسلام أمر بقتل الخوارج وهم يقولون لا إله إلا الله، قال: «إن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد»، قال: «اقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم»، وقاتل الصحابة بني حنيفة الذين قالوا بنبوة مسيلمة وهم يقولون لا إله إلا الله ويصلون ويصومون، وقاتل أبو بكر رضي الله عنه الصحابة مانعي الزكاة وهم يقولون لا إله إلا الله، إذن ليس من قال لا إله إلا الله وفعل بعد ذلك ما ينقض هذه الكلمة أو ما يوجب قتله أنه لا يقاتل أو لا يحكم له بالكفر، لا. كذلك أيضًا قول النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة: «أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟» هذا في حق من كان كافرًا، الكافر إذا نطق بشهادة التوحيد لا إله إلا الله يكف عنه ابتداء، لأنه بهذا يكون قد دخل في الإسلام، ما يدخل المرء إلى دين الإسلام إلا بهذه الكلمة العظيمة، أن يقول لا إله إلا الله، إذا قالها وجب علينا أن نكف عنه، «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله»، حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماء وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله، إذن ابتداء نكف عن الكافر، ثم ننظر هل يأتي ببقية الشرائع وبقية الفرائض، إذا قال لا إله إلا الله ثم قال: أنا ما أؤمن ولا أشهد أن محمدًا رسول الله، يرجع إلى الكفر، دخل من باب وخرج من باب آخر، دخل بلا إله إلا الله وخرج بكفره بأن محمدًا رسول الله، إذن هذا الحديث معناه: أن الكافر إذا قال لا إله إلا الله فإننا نكف عنه، فإن أتى ببقية الشرائع والفرائض فهو مسلم، له ما لأهل الإسلام وعليه ما عليهم، وإن أبى وجحد وكفر بشيء من شرائع الإسلام بعد قوله لا إله إلا الله فقد رجع إلى الكفر. والمسلم الذي يقول لا إله إلا الله ثم يقع في أمر ينقض هذه الكلمة يحكم له بما يستحق، ولا ينفعه قول لا إله إلا الله، ما يقول: خلاص أنا قلت لا إله إلا الله ما يضرني ما فعلت، لا، تضرك، يضرك، كما سمعت إجماع العلماء على كفر من أتى بأمر ينقض هذه الكلمة، ينقض كلمة لا إله إلا الله، لا بد أن نفهم هذه المسألة العظيمة. وكذلك أيضًا هذه الكلمة العظيمة لها فضائل عظيمة، منها كما سمعتم: أنها المفتاح إلى دخول الإسلام، المفتاح إلى دخول الإسلام، فلا يدخل المرء إلى دين الإسلام إلا بقول لا إله إلا الله، ومنها كذلك أن من قالها صادقًا من قلبه دخل الجنة، كما قال عليه الصلاة والسلام: «من قال لا إله إلا الله صادقًا من قلبه دخل الجنة»، وأيضًا من قال: من كانت لا إله إلا الله آخر كلامه دخل الجنة، قال عليه الصلاة والسلام: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة»، وقال: «من قال لا إله إلا الله ختم له بها دخل الجنة»، يعني: تُقْبَضُ بها عند موته، كان آخر كلامه أن قال لا إله إلا الله ومات بعد ذلك دخل الجنة. من فضائلها أنها من أفضل الذكر، كما سمعتم، من أفضل الذكر والدعاء الذي يذكر به المرء ربه، فهي سبب لحط الخطايا والذنوب، وكذلك أيضًا لنيل الأجور العظيمة، قال عليه الصلاة والسلام: «من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة، حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر»، حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر، زبد البحر: رغوة البزالة تكون في البحر، إن كانت الذنوب كهذا الزبد غفر الله جل وعلا لصاحبها، «وكانت حرزًا له من الشيطان يومه ذلك، وكان كمن أعتق عشر أنفس من ولد إسماعيل»، انظر إلى هذه الأجور العظيمة في هذه الكلمة العظيمة لا إله إلا الله. كذلك أيضًا من فضائلها أنه من قالها بعد الوضوء فتحت له أبواب الجنة الثمانية، في حديث عمر في صحيح الإمام مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «من توضأ فأحسن الوضوء، ثم قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أي شاء»، تفتح لك أبواب الجنة الثمانية، تدخل من أي هذه الأبواب شئت، أجر عظيم وفضيلة كبيرة. من فضائل هذه الكلمة أنها قد تثقل ميزان العبد يوم القيامة، تثقل ميزانه، جاء في مسند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ينادى يوم القيامة على رؤوس الأشهاد برجل، فتنشر له تسعة وتسعون سجلًا، ينشر له تسعة وتسعون سجلًا، سجل مد البصر، فيقول الله عز وجل: هل ظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا، فيقول: هل لك عندنا من حسنة؟ فيقول: لا، فيقول الله عز وجل: بلى، إن لك عندنا حسنة، فيؤتى له ببطاقة مكتوب عليها: لا إله إلا الله، فيقول: يا رب، وما تفعل هذه البطاقة أمام هذه السجلات؟ السجلات فيها ذنوب وخطايا، فتوضع السجلات في كفة وتوضع البطاقة في كفة، فترجح بهن: لا إله إلا الله، ولا يثقل مع اسم الله شيء». انظر إلى عظم فضل هذه الكلمة، هذا لمن حقق معناها، هذا الرجل عنده ذنوب وسيئات خطايا، لكن كان موحدًا، ما عنده شرك في عبادة الله، كانت عبادته خالصة لله، فنفعت هذه الكلمة العظيمة، وكانت سببًا في نجاته من عذاب الله. ولهذا من فضائل هذه الكلمة لا إله إلا الله أن المحقق لها لو كانت عنده ذنوب وخطايا وأدخله الله جل وعلا النار بهذه الذنوب، لأن صاحب الكبيرة المسلم الموحد إذا كان عنده شيء من الذنوب والكبائر هو تحت مشيئة الله، إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له، هذا معتقد أهل السنة والجماعة في أصحاب الكبائر، أنهم تحت مشيئة الله، إن شاء الله عذبهم وإن شاء غفر لهم، ولا يكفرون صاحب الكبيرة كالخوارج، ولا يجزمون له بالدخول النار والخلود فيها كالخوارج المعتزلة، الخوارج المعتزلة يقولون: صاحب الكبيرة مخلد في نار جهنم، يقولون: من دخل النار لا يخرج منها، هذه عقيدة الخوارج المعتزلة، أن من دخل النار لا يخرج منها أبدًا، أما أهل السنة والجماعة فيقولون: لا، الذي لا يخرج من النار هو الكافر، الكافر مخلد في نار جهنم، أما الموحد إذا دخل النار وعذبه الله بذنوبه فإنه يعذب فيها ما شاء الله ثم يخرج ويكون مآله إلى الجنة، ما يخلد في النار من حقق معنى لا إله إلا الله. ولهذا جاء في الحديث: «يقول الله عز وجل: أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، أخرجوا من النار من قال لا إله إلا الله، ثم يخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال حبة، مثقال حبة من إيمان، ثم يقول: أخرجوا من كان في قلبه مثقال ذرة»، ما يبقى في النار إلا أهل الشرك والكفر، أما أهل المعاصي والكبائر وإن دخلوا النار فإنهم سيخرجون منها بفضل لا إله إلا الله، ما يخلدون في النار. في حديث جابر في صحيح مسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ثم يخرجون من النار كأنهم السماسم، فيؤتى بهم إلى نهر من أنهار الجنة فيلقون فيها فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، ثم يدخلون إلى الجنة»، فهذه من فضائل هذه الكلمة العظيمة أن صاحبها والمحقق لها لا يخلد في نار جهنم أبدًا. هذه الكلمة العظيمة عباد الله، إذا حققها المسلم في حياته في نفسه وفي مجتمعه وجد لها آثارًا عظيمة، منها: أن تحقيق معنى لا إله إلا الله سبب لحصول الاجتماع والائتلاف والاعتصام وحصول القوة في مجتمع أهل الإسلام، لأنهم كلهم يدينون بهذه الكلمة لا إله إلا الله، فإذا قالوها بألسنتهم وحققوها في أعمالهم وفي جوارحهم حصلت لهم القوة والمكانة والاجتماع والائتلاف، واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وهكذا أيضًا قال الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]، إذا حصل التنازع في أصل الإيمان وأصل التوحيد يحصل التفرق، إذا أبى أناس إلا أن يعبدوا غير الله وأبوا إلا الشرك في عبادة الله ما سيحصل الاجتماع والائتلاف، ما يمكن أن يجتمع أهل التوحيد مع أهل الشرك إلا أن يجتمع الجميع على معنى لا إله إلا الله. كذلك أيضًا يحصل معنى الأخوة، أخوة الدين، كما سمعتم، هذا من آثار لا إله إلا الله، يوجد ثمار الأخوة، أخوة الدين والتآلف والترابط، لأن الجميع يحقق معنى لا إله إلا الله، قال الله جل وعلا: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، أصبحتم بنعمته إخوانًا، أخوة الدين، أخوة التوحيد، انظروا الفارق بين العرب والمشركين قبل الإسلام وبعد الإسلام، قبل الإسلام كانوا متناحرين، قتال وسفك للدماء، واعتداء القوي على الضعيف، يأكل بعضهم بعضًا، ولما دانوا بلا إله إلا الله ألف الله عز وجل بين قلوبهم وأصبحوا جماعة واحدة ويدًا واحدة، ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٣]، بماذا؟ بلا إله إلا الله، أصبحتم بنعمته إخوانًا، هذا من آثار هذه الكلمة العظيمة. كذلك أيضًا من آثار هذه الكلمة العظيمة أن الموحد يجد الطمأنينة والسكينة والراحة، إذ أنه يعبد إلهًا واحدًا يعرف مراده ويحقق مطلبه، فيسعى في رضائه وفي تحقيق عبوديته، ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿أَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩]، الذي يعبد آلهة متعددة خير أم الذي يعبد إلهًا واحدًا؟ لا شك الذي يعبد إلهًا واحدًا، ولهذا قال الله جل وعلا: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩]، هذا مثل في الموحد والمشرك، في الموحد والمشرك، ضرب الله عز وجل مثل المشرك كعبد فيه شركاء كثر، يعني يملكه عدة شركاء وعدة أسياد يملكون هذا العبد، فهم شركاء، فهم شركاء فيه، هذا يأمره وهذا يأمره وهذا ينهى، فهم متنازعون متشاكسون، سيئوا الأخلاق، ما يدري يرضي هذا ي