الدرس في شرح كتاب الصلاة 25، ألقاها
يتناول هذا الفصل الحالات التي تحرم إمامة الشخص في الصلاة مثل إمامة المرأة للرجال وإمامة من عليه حدث أو نجاسة. يشرح الآثار المترتبة على هذه الحالات على صحة الصلاة.
يناقش هذا الفصل أحكام الصلاة خلف الفاسق والمبتدع، ويوضح آراء الفقهاء في هذه المسألة واستدلالاتهم من السنة النبوية وأفعال الصحابة.
يستعرض هذا الفصل بعض الحالات التي تكره فيها إمامة الشخص مثل اللحن في القراءة وإمامة من يكرهه المأمومون، ويبين تأثير ذلك على قبول إمامته.
يروي هذا الفصل قصة الرجل الذي جاء ليصلي بقومه فمنعوه، ويشرح موقف النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك الحدث والدرس المستفاد منه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف -وفقه الله-: المسألة الثانية: من تحرم إمامته، هناك أناس تحرم إمامتهم ولا يجوز أن يكون أئمة. قال: تحرم الإمامة في الحالات الآتية: الأولى: إمامة المرأة بالرجل، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم إمرأة»، حديث أبي بكرة في البخاري. «لن يفلح قوم ولوا أمرهم إمرأة»، هذا فيه ذنب تولية المرأة للمناصب والصولجانات، وأن تكون مقدمة على الرجل في كل شيء، منها الصلاة. قال: ولأن الأصل تأخرها في آخر الصفوف صيانة لها وسترًا، فلو قدمت للإمامة لأصبح ذلك مخالفًا لهذا الأصل الشرعي. النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي بالناس، يصف خلفه الرجال، ثم النساء في مؤخرة الصفوف بعد الرجال في المؤخرة، ولا ينصلي في الرجال حتى ينصلي في النساء، وجعل النساء بابًا خاصًا بهم، فكيف تأتي المرأة وتؤم الرجال؟ فهذا الأمر لا يجوز ويحرم، وإنما تؤم المرأة النساء، تؤم النساء النساء مثلها. قال: ثانيًا: إمامة المحدث، ومن عليه نجاسة وهو يعلم ذلك. فإن لم يعلم بذلك المأمومون حتى انقضت الصلاة، فصلاتهم صحيحة. إمامة المحدث، ومن عليه نجاسة، إذا صلى الإنسان وعليه حدث -يعني ما يوجب الوضوء أو الغسل- وهو يعلم ذلك، فهذا حرام. لكن إذا كان لا يعلم -يعني حصل عن طريق النسيان- صلى وهو على جنابة، نسي أن يغتسل، وكان إمامًا مثلًا أمام الناس وهو جنب، طيب، وما ذكر إلا بعد أن فرغ من الصلاة، هل يلزم من صلى خلفه أن يعيد الصلاة؟ الجواب: لا، هو الذي يعيد الصلاة، يغتسل ثم يصلي، وأما من صلى خلفه فصلاتهم صحيحة. كذلك إذا كان عليه نجاسة، إذا كان عليه نجاسة فصلى ولم يعلم بهذه النجاسة إلا بعد الصلاة، فصلاته صحيحة، صلاته صحيحة، وصلات المأمومين صحيحة، يغتسل ويعيدها، يعيدها بالترتيب. الوقت الذي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم حين صلى بأصحابه في حديث أبي سعيد، وكان لابسًا لنعليه والصحابة كذلك لابسين لنعالهم، فالخلع أن عليه في أثناء الصلاة، فخلع الصحابة نعالهم. قال: «ما شأنكم؟» بعد أن فرغوا من الصلاة، قالوا: «إنك خلعت نعالك، فخلعنا نعالنا». قال: «إن جبريل أخبرني أن فيهما قذرًا» إلى آخر الحديث. الشاهد أن لما صلى النبي عليه الصلاة والسلام بالنعليين وفيهما ما فيهما من قذر أو نجاسة، استمر في الصلاة، استمر في الصلاة ولم يأمر باستئنافها، لكن أخرج الموضع الذي فيه النجاسة. وهذا كما مر معنا أن الإنسان ما تعلم بالنجاسة وجب عليه أن يزيلها إذا أمكن إزالتها، وجب عليه أن يزيلها، يخرج الثوب الذي فيه النجاسة أو العمامة إذا كانت فيها النجاسة، ويستمر في صلاته، يستمر في صلاته. فإن لم يعلم -كما قلنا- إلا بعد الفراغ من الصلاة، فالصلاة صحيحة. قال: ثالثًا: فعل المحظور، من فعل المحظور ناسيًا أو جاهلًا سقط عنه الإثم، ويسقط عنه الحكم. قلنا: هنا الآن لما صلوا وفيه نجاسة وهو ناسي أو جاهل بها، سقط الإثم والحكم، صلاته صحيحة. ما حكم بطلان؟ أما ترك المأمور، ترك المأمور جهلًا أو نسيانًا يسقط الإثم، ولا يسقط الحكم. ولهذا قلنا: في هذه الصورة لما صلوا وجنب خمس صلوات، عليه إعادتها؛ لأنه ترك مأمور، وهو الغسل، الغسل من جنابة واجب مأمور، فلما تركه نسيانًا ألزمناه بإعادتها، لكن يسقط عنه الإثم؛ لأنه ليس بمتعمد. يبقى الحكم، فعليه أن يغتسل ويعيد الصلاة. نعم، إذا صلى بثوب نجس، هذا فعل محظور، صح، ها، لا، هو متطهر من حيث أنه متطهر، متطهر من حيث الوضوء، لكن هذا محظور؛ إذ هو وجود النجاسة، كونه يصلي بنجاسة، هذا شيء محرم، يعتبر محظور. فحصل على جهة النسيان أو الجهل، فسقط الإثم والحكم، سقط الإثم والحكم. قال: ثالثًا: إمامة الأمي، وهو من لا يحسن الفاتحة، فلا يقرأها حفظًا ولا تلاوة، أو يضغم فيها من الحروف ما لا يضغم، أو يبدل فيها حرفًا بحرف، أو يلحن فيها لحنًا يحيل المعنى، فهذا لا تصح إمامته. وهذا قول جمهور العلماء. من كان على هذا الحال لا تصح إمامته إلا بمثله؛ لعجزه عن ركن الصلاة؛ لأن الفاتحة ركن من أركان الصلاة، فإذا كان عاجزًا عن قراءتها، فهنا الآن عاجز عن ركن من أركان الصلاة. أو يضغم فيها من الحروف ما لا يضغم، مثلًا: «الحمد لله» «الحمد للرب العالمين»، «الحمد للرب العالمين» هنا يضغم ما لا يضغم، أضغم اللام في الراء، هذا خطأ. أو يبدل فيها حرفًا بحرف، يبدل حرف بحرف، وهو الألثغ الذي يبدل الراء باللام، يبدل الراء باللام فيقول: «الحمد لله لب العالمين»، «الحمد لله لب العالمين»، مثل الراء لام. أو يلحن لحنًا يحيل المعنى، يحيل المعنى، يغير المعنى. وهذا يعني بتغيير الحركات. اللحن الذي يحيل المعنى يكون بتغيير الحركات، فمثلًا: «اهدنا الصراط المستقيم»، فيقول: «اهدنا» بفتح الهمزة، «اهدنا» يصير معنى ماذا؟ أعطينا هدية، أعطينا هدية. والآية «اهدنا» بمعنى دلنا وارشدنا على الصراط المستقيم، فيتغير المعنى. ومثله: «صراط الذين أنعمت عليهم»، فيقول: «أنعمت» «أنعمت عليهم»، فيجعل نفسه هو المنعم، فيتغير المعنى. وهكذا أيضًا مثلًا: «إياك» فيقول: «إياك» بالكسر، هذا لحن يحيل المعنى. أما إذا كان لحن لا يحيل المعنى، طيب، فهذا لا تبطل به الصلاة. فـ«الحمد لله رب العالمين» بدل «ربي»، رب، ما يحيل المعنى، هو خطأ، لحن، لكن لا يتغير المعنى، هذا لا تبطل به الصلاة. قال: رابعًا: كذلك أيضًا ما ينبه عليه: إبدال الحرف بحرف يقاربه، هذا مما يتساهل فيه، كإبدال الضاد بالظاء، إبدال الضاد بالظاء، وهذا يحصل كثيرًا، يعني ممن قد يقرأ من الأئمة، بدل الضاد مثلًا يقروها ظاء، «ولا الضالين» هذا ليس فيه شيء؛ لمشاقة التحرز منه. وهناك إبدال جائز، هناك إبدال جائز، كإبدال السين بالصاد في «الصراط»، «اهدنا الصراط»، «الصراط»، وهذه قراءة سبعية ثابتة صحيحة، هذا جائز. قال: رابعًا: إمامة الفاسق المبتدع، لا تصح الصلاة خلفه إذا كان فسقه ظاهرًا، ويدعو إلى بدعة مكفرة، يدعو إلى بدعة مكفرة، لقوله تعالى: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ﴾، المؤمن والفاسق. البدعة المكفرة كبدعة الجهمية، القول بخلق القرآن، وبدعة الرافضة، كتكفيرهم للصحابة، أو طعنهم في القرآن، أو غير ذلك من نحو هذه البدعة المكفرة. أما إذا كانت البدعة غير مكفرة، وهذا الفسق ليس يعني فسق أكبر، بل كان بدعة مفسقة، وذنب ومعصية دون الكفر، فهذا لا يجوز ترك الصلاة خلفه، خاصة إذا كان إمام المسلمين. إذا كان عنده شيء من المعاصي كشرب الخمر مثلًا، أو نحوها من هذه الذنوب، فهذا لا يجوز ترك الصلاة خلفه، بل ترك الصلاة خلفه من البدع، من ترك الصلاة خلف المبتدع فهو مبتدع، من طلق الصلاة خلف المبتدع فهو المبتدع، يعني إذا كان إمام المسلمين، طيب، فهذا يصلى خلفه ما دام أنه مسلم، فيصلى خلفه. هذا الذي يدل عليه الأدلة في أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالصلاة خلف من أئمة الجور، وأنهم إن أصابوا فلكم ولهم، إن أخطأوا فلكم عليهم. وهذا الذي فعله الصحابة رضوان الله عليه من الصلاة خلف الأئمة. صلى ابن عمر خلف الحجاج الذي كان يسفك الدماء، كما في صحيح البخاري. وصلى ابن مسعود خلف الوليد بن عقبة، وقد صلى بهم الفجر أربع ركعات، وكان شاربًا للخمر، صلى خلفه ثم جلده عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه. وصلى أبو سعيد الخدري خلف مروان بن الحكم صلاة العيد. فهذا كان هدي السلف رضوان الله تعالى عليهم أنهم يصلون خلف ماذا؟ أئمة الجور، ما دام أنهم ماذا؟ مسلمون. وكما قال الإمام الطحاوي رحمه الله: «ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر»، نرى الصلاة خلف كل بر وفاجر، ما دام أنهم مسلمون، فلا يجوز ترك الصلاة خلفهم. لكن إذا كان غير إمام المسلمين، إذا كان غير إمام المسلمين، مثلًا عندك مسجد فيه إمام مبتدع يدعو إلى بدع التصوف، وعندك إمام آخر مسجد آخر سني، هل يجوز لك أن تترك الصلاة خلف هذا وتصلي خلف السني؟ الجواب: نعم، بل هذا الذي ينبغي، الذي ينبغي أنك تختار الإمام الأحسن والأفضل عقيدة واستقامة، فهذا جائز أن تذهب وتصلي عند السني، طيب. أما إذا كانت تفوتك الجماعة، فتصلي خلف هذا المبتدع، ولا تترك الجماعة. قال: خامسًا: العاجز عن الركوع والسجود والقيام والقعود، فلا تصح إمامته لمن هو أقدر منه على هذه الأمور. يعني شخص لا يستطيع أن يركع ولا يسجد ولا يقوم ولا يقعد، هذا ما يصلح أن يكون إمامًا، فيؤم به شخص ماذا؟ أهلًا للإمامة. قال: المسألة الثالثة: من تكره إمامته. أولًا: اللحن، وهو كثير اللحن والخطأ في القراءة، وهذا في غير الفاتحة، يعني كثير اللحن في القراءة في الصلاة. واللحن -كما علمنا- تغيير الحركات، يعني يفتح مثلًا المكسور، ويضم المفتوح، إلى آخره من هذا اللحن، كان كثيرًا، هذا يكره أن يعني أم الناس وهو على هذا الحال. قال: أما اللحن في الفاتحة بما يحيل المعنى، فلا تصح معه الصلاة كما مضى؛ وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يؤم القوم أقرؤهم»، الحديث، يعني تقدم الأقرأ الذي يجيد القراءة ويحسن التلاوة. وإذا كان يلحن لحنًا يحيل المعنى، بطلت قراءة الفاتحة، وإذا بطلت الفاتحة بطلت الصلاة. لكن إذا كان في من هو مثله، يعني أناس يأتون لصلاة الجماعة، طيب، ولا يحسنون قراءة الفاتحة، أفضلهم هذا الذي يكسر، هو أحسن واحد فيهم، يصلي بهم، ما دام ليس هناك أحد أفضل منه، فالجود بالموجود، الجود بالموجود، يصلي بهم، وصلاتهم صحيحة. قال: ثانيًا: من أم قومًا وهم له كارهون، أو يكرهه أكثرهم، لقوله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا ترفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرًا: رجل أم قومًا وهم له كارهون»، الحديث رواه ابن ماجة، وحسنه العلامة الألباني رحمه الله. جاء من حديث أبي أمامة وابن عباس وغيرهما. النبي صلى الله عليه وسلم ذكر: «ثلاثة لا ترفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرًا»، يعني غير مقبولة: «رجل أم قومًا وهم له كارهون»، وهم له كارهون، يعني كارهون لإمامته، لكن هذه الكراهة لا بد أن تكون بحق، أن يكون كارهون لإمامته بحق، يعني عنده مخالفات شرعية وأشياء مما لا يرضاه الشرع، فيكرهون إمامته وتقدمه بهم بسبب ذلك، وهو يصر أن يصلي بهم، إما لكونه مثلًا عنده قوة أو سلطة أو نحو ذلك من هذه الأمور، فهذا تكره صلاته وإمامته بالناس. أما إن كانوا غير حق، يعني أناس يكرهون إمامة هذا الإمام لكونه إمام مستقيم وعلى السنة، ويطبق السنة أو نحو ذلك، فهذه كرهتهم ماذا؟ ليس لها أثر، والاعتبار ليس لها أثر. وذكر النبي صلى الله عليه وسلم في ضمن أولئك الثلاثة: العبد الآبق الذي هرب من سيده، والمرأة التي باتت وزوجها عنها ساخط، المرأة التي باتت وزوجها عنها ساخط. قال: ثالثًا: من يخفي بعض الحروف، ممن تكره إمامته، من يخفي بعض الحروف ولا يفصح، يعني لا يفصح بإظهار هذه الحروف، ليس المعنى أنه يسقطها بالكلية، لا، لكن يخفيها، فما تظهر، يعني ذاك الظهور في قراءته، هذا يكره، تكره إمامته. وكذا من يكرر بعض الحروف كالفاء، كالفاء، «فاء» الذي يكرر الفاء «فاء أف» هكذا يكرر الفاء، والتمتام الذي يكرر التاء، وغيرهما ممن يكرر بعض الحروف، تكره إمامتهم؛ لأجل ما هذا؟ زيادة الحرف، من أجل زيادة الحرف في القراءة. طيب، وأيضًا قد يضاف، يزاد على ذلك: من يبصق تجاه القبلة، إذا بَصَق من يبصق تجاه القبلة، هذا لا يصلح أن يكون إمامًا؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلًا بَصَق تجاه القبلة، وكان يصلي بقومه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يصلي بكم». فلما جاء ليصلي بقومه منعوه، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله عن ذلك، قال: «إنك آذيت الله ورسوله»، إنك آذيت الله ورسوله. فالنبي صلى الله عليه وسلم منعهم أن يصلي بهم، والحديث في سنن أبي داود. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.