الدرس في قصة جريج - ٣، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل قصة جريج العابد ليبين خطورة الإشاعات ووجوب التثبت في الأخبار مستدلًا بالآيات القرآنية. يُظهر أهمية التحري قبل نشر أي خبر.
يحذر هذا الفصل من اتهام الناس دون بينة أو شهود، مستشهدًا بحديث "البينة على المدعي". يبين أن القرائن لا تكفي لإصدار الأحكام وأن اتهام الناس بالزنا دون بينة يعتبر قذفًا محرمًا.
يُنبه هذا الفصل على خطورة نشر الأخبار دون تثبت وتحريم إشاعة الفاحشة، ويشدد على ضرورة التثبت قبل نشر أي خبر. يستدل بآية الإفك ويحذر من عواقب إشاعة الفاحشة.
يتضمن هذا الفصل دعاء بأن ينفع الله بما قيل ويذكر الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مع التأكيد على قدرة الله تعالى وولايته على كل شيء.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فمواصل إخواني في الله حول حديث أبي هريرة الذي في الصحيحين في قصة ذلكم العبد الصالح جريج الذي كان من أمره أنه بلغ في العبادة مبلغًا عظيمًا، فاتخذ صومعةً له، فأتته أمه يوم تناديه، فإذا كان به قد شغل بصلاته، فانصرفت، واليوم الثاني على هذه الشاكلة، وفي اليوم الثالث على هذه الشاكلة ينشغل جريج بعبادته عن نداء أمه، فإذا بها دعت عليه قائلةً: «اللهم إن هذا جريج وإنه ابني وإني كلمته فلم يكلمني، اللهم لا تمته حتى ينظر إلى وجوه المومسات». ثم تذاكر بنو إسرائيل جريجًا وعبادته، فأرادوا أن يفتنوه، فإذا بامرأة بغي يتمثل بحسنها، قالت: لأفتننه إياه، فذهبت وتجملت وصعدت وارتقت إلى صومعته، فأراودته عن نفسه، فإذا به -رحمه الله تعالى- لم يلتفت إليها، فخرجت خاسئة حسيرة من عنده، لم تستطع أن تغريه بمفاتنها. فإذا بها براع غنم قامت وراودته عن نفسه، فوقع بها، ثم قامت هذه البغي بعد مدة فوضعت، فجاءت بهذا الصبي إلى قومها قائلة: إن هذا ابن جريج. فقام قومها واستنزلوه -هذه إخوانا في الله فقرات قد مضت معنا- وذكر الفوائد العديدة المتعلقة بهذا الحديث، وما فيهم من فوائد. قال عليه الصلاة والسلام: فاستنزلوه من صومعته، وفي رواية في مسلم: فذهبوا إليه بفؤوسهم ومساحيهم، فأخذوا ينادونه، فإذا به في صلاة، فلم يكلمهم الرجل، ينشغل دائمًا بصلاته، هؤلاء معهم داهية كارثة وهو لا يدري بشيء، نادوه بالأسفل. قال عليه الصلاة والسلام: فإذا هو في صلاة، فلن يكلمهم، لكن هؤلاء أصحاب شر ما صرفوا، وإنما قال عليه الصلاة والسلام: فهدموا عليه صومعته، تكالبوا وتكاثروا على صومعته ومعهم الفؤوس والمساحي، فجعلوا يكسرونها، حينها علم أن الأمر شيء آخر، فخرج، فإذا بالقوم استنزلوه، أنزلوه، فجعلوا يضربونه. هنا مسألة إخواني في الله قبل أن نواصف الحديث، مسألة وهي لفتة عجيبة غريبة صدرت من هذا الملأ من بني إسرائيل، بل هي دسيسة وآفة خبيثة، ليس فقط انطلت على أولئك القوم من بني إسرائيل، للأسف أنها استشرت حتى في مجتمعاتنا. وهي تأمل يا عبد الله في هذا الموقف المخزي، قوم تكالبوا على رجل صالح فكسروا صومعته ولا زالوا يضربونه، ما الذي أوداهم إلى هذه الحال؟ الحال إخواني في الله كما سمعنا، امرأة بغي امرأة زانية فاجرة تأتي إلى بني إسرائيل وتقول: أن جريجًا قد زنى بها، وهذا ابنها من الزنا. امرأة بغي زانية فاجرة تتطاول على عبد صالح، حتى هم بنو إسرائيل كان يتعجبون من شدة عبادته، امرأة بغي تطعن في رجل صالح في الأفاق، ومع هذا وذاك لم تأتي ببينة، لم تأتي ببينة، فإذا بالقوم قد صدقوها، قد صدقوها. هنا إخواني في الله منشأ الإشاعات، منشأ الإشاعات الذي يعم ويتضج به مجتمعاتنا، أخبار وأنباء لا ساحل لها، كم أودت إلى مشاكل عظيمة في مجتمعات المسلمين، هجران بين الجيران، قطيعة بين الأرحام، فرقة بين الآباء والأبناء، بل بين الأزواج على أخبار انتشرت ولا تمت بأي صلة الشرع. إخواني في الله ربانا على مبدأ عظيم ألا وهو مبدأ التثبت، من أعظم المباني العظيمة الإسلامية، قال إمام السعدي -رحمه الله تعالى-: «والتثبت في نقل الأخبار وإشاعتها والبناء عليها أصل عظيم أمر الله جل وعلا به ورسوله»، أصل عظيم، والدليل قال ربنا جل في علاه: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة﴾، وفي قراءة سمعية: ﴿فتثبتوا أن تصيبوا قوما بجهالة﴾، وتصبحوا على ما فعلتم نادمين. لست أنت ولست أنا يا عبد الله مخول في أن نتطاول على أعراض المسلمين، نرميه ببدعة، نرميه بزندقة، نرميه بضلال، نرميه بفجور، نرميه بفاحشة، ذكرًا كان أو أنثى، هذا ليس لنا، ما يجوز أبدًا يا عبد الله، على أنك تحكم في الظاهر، عندنا حقائق لابد يا عبد الله أن تقوم مثل هذه المسألة التي فيها طعن الأعراض مثلاً، لابد أن يكون عندك حقيقة تسير عليها، أما أنك تسير بالإشاعة، للأسف تجد الأخبار -سبحان الله- تنتشر، تجد أن بعض الناس لربما غسلوا أيديهم غسلوها من فلان لما فعل وترك وفعل وترك. ارجع الصفحة من أولى، فعل ماذا قيل؟ فعل كذا وفعل ماذا قيل؟ إذا عندك قيل وقيل وقيل، وغسلتم أيديكم من هذا الباب. إخواني في الله شرعنا العظيم قال عليه الصلاة والسلام: «البينة على المدعي»، لو عندك بينة تأتي ببينة، لا تقى يا عبد الله في الذي وقع فيه بنو إسرائيل، جاءتهم امرأة بغي، إيش العمل؟ من هذا الابن؟ هذا ابن جريج، طيب هل اعترف؟ هل هناك شهود؟ يا بغي ما عندها لا شهود ولا اعتراف ولا إقرار منه، لكنها تهم، هذا إخوان الذي انطلع على بني إسرائيل، لا زال يستشري في مجتمعاتنا. بعض الناس إخواني في الله لو ربما يأخذ بماذا؟ بالقرائن، يعني القرائن لا تسعفك لأن تحكم بالحكم اليقيني، تجد مثلاً بعض الناس -للأسف- إذا وجدوا امرأة قد تكون سافرة، نعم توجد بعض النسوة يصلى لهن الهداية، سافرة متبرجة، لكن هذا السفور والتبرج منها ما يجعلك أبدًا أنك ترميها بالزنا، ما يجوز أبدًا، تقول: يا أخي هذا مرة أعوذ بالله ما تمشي مع الرجال، والله ما أراه قد فعل بها أعوذ بالله، ليش رأيت؟ لا اعترفت؟ لا، بماذا حكم؟ تقول: يا أخي شكلها، لا شك ما يجوز هذا، والله لو رفعت عليك دعوة، حد يا عبد الله حد القذف، تحد حد القذف، أعراض المسلمين والمسلمات ليست لنا -إخواني في الله- تحكم عليها بالظاهر أو عندي قرينة. نعم، كم يقول العلماء: القرائن تجعل إساءة الظن تسيء ظن، أما تحكم، يقول ابن حجر -رحمه الله تعالى- في معنى كلامه: «والمتصدي للوقائع من الأقوال والأفعال والرجال»، ابتدأ عبارته: «المتصدي للوقائع من أقوال وأفعال والرجال»، قال: «لا يمكنه أن يجزم بشيء منها إلا بما يتحققه، ولا يكتفي بالقول الشائع»، لا يكتفي -للأسف- قد ابتلي به حتى بعض الصالحين، لو ربما يتهم رجلاً ما بالفجور، كيف أخي؟ والله قد قيل، قيل، لا، ما عندنا قيل، عندنا بينة يا عبد الله. ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾، سالفنا الصالح -رحمة الله تعالى عليهم- من أشد الناس ومن أحرص الناس على مبدأ التثبت، ما يأخذ من كل أحد، يقول إمام مالك: «أدركت بالمدينة أناسًا من الصالحين لو استسقي بهم المطر لسقوا من عظم صلاحهم، لو قيل: يا فلان قم استسقي لنا، لو أنه دعا -دعا ربه عز وجل- في أن الله يسقي البلاد ويغيث العباد لسقاهم الله لصلاح هذا العبد الصالح، لكن ماذا قال إمام مالك؟ قال: أدركت أقوامًا بالمدينة لو استسقي بهم المطر لسقوا، ما حدثت عن أحد منهم» ليس من أهله، ليس من أهل الشأن، ليس من أهل الضبط، ليس من أهل الضبط، لا تحدث يا عبد الله. ثم بعد ذلك تأتي عند بعض الناس ممن يرمي بالتهم في أعراض المسلمين بالزنى والفجور والفاحشة، بماذا حكمت؟ سمعت، سمعت من ابني، سمعت جاري، سمعت صاحبي وصاحبك، سمع من سمع من فلان، ومن تنتهي إلى باب مزدود، ماذا؟ مزدود يا إخواني في الله، اتقوا الله في أعراض المسلمين، اتقوا الله يا عبد الله، بل ذكر العلماء -وهذه فائدة عظيمة نبه عليها شيخ الإسلام- أنهم من رمى أحدًا بالزنا ولم يأتي بشهود، فإنه آثم ولو أصاب الحق، آثم، تؤثم لأن الله أمر بالشهادة، ليس لك تتعدى حد الله عز وجل. فاتقوا الله عباد الله في أعراض المسلمين إذا ما استطعت، وأعظم سورة التثبت إخواني، فلن تذهب إلى صاحب الخبر، لك عبرة في قصة عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- ما جاء في الصحيح عندما جاء ذاك الأنصاري وقرع عليه الباب قرعًا شديدًا حتى ظن عمر أن قد غزونا من قبل الروم، لأن في تلك الأوقات كانت الروم تعد العدة لغزو المسلمين، فظن عمر أن هذا أول الغزو من شدة ما سمع من قرع الباب، ففتح الباب، فإذا بالأنصاري يخبره بخبر، ما الخبر؟ النبي طلق أزواجه، النبي طلق أزواجه. فأخذ عمر بثوبه وذهب إلى حفصة -حفصة من بناته وهي متزوجة من رسول الله عليه الصلاة والسلام- قال: أطلقكن رسول الله؟ قالت: ما أدري، خبر قد اشتهر أن النبي قد طلق أزواجه، اشتهر الخبر، فعمر ما سكت، ذهب إلى المسجد، فإذا بالقوم جلوس، بعض من صحابة من كان يجلس ويبكي من شدة هذا الوقع، أمر عظيم وقع للرسول حتى نطلق أزواجه، فالعمر ما اكتفى، استأذن على الباب حتى يدخل على رسول الله، فدخل في حديث طويل، فقال: يا رسول الله أطلقت أزواجك؟ قال: لا. فخرج عمر، قال: الله أكبر ما طلق النبي أزواجه، فثبته عبد الله: يكفيك الله المؤنة، يكفيك الله المؤنة، إذا احتاج الناس إلى كلامك، فالناس ما يحتاجون تتكلم يا عبد الله بأعراض المسلمين أو الطعن في الأخيار والصالحين أو الطعن في الأخبار، إذا ما استطعت يا عبد الله إلى هذا الباب باب التثبت ما استطعت، لذلك موضية وقدمة أن تتبع الخبر من أصله ما استطعت، فلا أقل يا عبد الله أن تحسن الظن، رد هذا الخبر من بابه، رد يا أخي، والله عندي موضوع لك، أشيء موضوع، والله أخي موضوع فلانة من إخواننا الصالحين، الله المستعان وقع منها كيف وقع منها؟ والله أخي سمعنا، رد الخبر من بابه، لا تجعل أن تواصل لغيرك، وهكذا تشيع الفاحشة، هذه إشاعة الفاحشة، كل يأتي بخبر بحجة أنه يتأكد، وحتى انتشر الخبر بين الناس. رد الخبر، ربنا عز وجل في حادثة الإفك أعطانا وأدبنا على مبدأ عظيم، قال جل في علاه: ﴿لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا﴾، ما معنى بأنفسهم؟ هم لا، لا، على إخوانهم، هذا من مصطلحات القرآن، أن الله عز وجل يجعل المؤمن مع المؤمن كالنفس الواحدة، كالنفس الواحدة، استشعر هذا يا عبد الله، كما أنك لا ترضاه لنفسك لا ترضاه لإخوانك، المؤمن المؤمن كالنفس الواحدة، ﴿لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بإخوانهم خيرا﴾، قالوا: سبحانك هذا بهتان عظيم، ترد، اقطع الدابر يا عبد الله، اقطع الخبر من أصله، تقول له: قم، قم، قم من عندي، تأتي بالشهود ولا تأتي بهذا الخبر، لا تأتي عندي ولا عند غيري، أحذرك، انتبه، والله لو أن الناس تعاملوا مع الأخبار بهذا الحزم ما عندنا إشاعة أبدًا، والله ما عندنا إشاعة، لكن عندنا التلقف، هذا يسمع خبرًا، الله المستعان، أنا سأتأكد، أطلق خبر الفناح، لعله يتأكد، وهذا يعطي وهذا يعطي وهذا يعطي، وأصبحت يا عبد الله عامل هدم، شعرت بهذا أو لم تشعر. إذا ما استطعت إذا كنت خير حريص على عرض إخوانك، تثبت، اذهب تثبت بنفسك ما استطعت يا عبد الله، رد الخبر، أما نكون نقل إخوانا في الله فلا، وهذا الذي أودى جريجًا إلى ما أوداه إليه، أن الله ابتله بقوم هم على هذه الشاكلة، تأتي امرأة بغي فاجرة لا تعرف بدين ولا بخلق ولا بورع ولا بصلاح، تقول: هذا ابن جريج، بشهود؟ ما عندها شهود، لكنهم أخذوا المساحي وأخذوا الفؤوس، ثم صعدوا عليه وارتقوا على صومعته، ثم استنزلوه، ثم أخذوا يضربونه. ولعل أطلنا النفس في هذا المقام وهذه المسألة لأن إخوانا في الله هذا مما ينبغي أن يذكر ومما ينبغي أن ينبه، وهذه فائدة عظيمة جدًا غفلة عنها الكثير، أقول غفلة عنها الكثير، لا فقط من عامة الناس، بل حتى من الصلحاء، بل حتى ممن يدعي الصلاح، تفوت هذا الأمر بحجة أن هذا الخبر كيف وقد قيل؟ لا، لا تقول كيف وقد قيل؟ قل: البينة على المدعي يا عبد الله، كل من تطاول على عرض أحد من المسلمين ولو لم يكن مستقيمًا، ليس فقط إذا كان من أهل الصلاح، دالة، دافعنا، بل أي عرض مسلم ما يجوز، ما يجوز يا عبد الله، لأنك تظن أن فلان فجر أو فجر به أو فعل أو فعل به أو فلان قد فعل بها، بحجة أنها بعيدة، هذا ليس لك يا عبد الله، هذه أعراض المسلمين، بل وكم من امرأة متبرجة والله ما ترضى بالزنا، كم من امرأة متبرجة والله ما ترضى بالزنا، مع ذلك ما يجوز، ماذا يستصاغ عرضها فيلوك على الألسن بحجة سفورها؟ هذا صحيح مظنة، نقول هذا قرينة سوء، لكن حكم والجزم هذا لا يتأتى إلا بالحقائق كما يقول ابن حجر -رحمه الله تعالى-. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.