الدرس في القواعد والأصول الجامعة 6، ألقاها
يشرح هذا الفصل قاعدة تحريم الأفعال التي تكون وسيلة إلى فعل محرم، مثل بيع الأشياء المباحة لمن يستخدمها في معصية. يُوضح أن الوسيلة لها حكم المقصد، فإذا كانت تؤدي إلى حرام أصبحت محرمة.
يناقش هذا الفصل العلاقة بين الوسائل والمقاصد في الشريعة الإسلامية، حيث تأخذ الوسائل أحكام المقاصد. إذا كانت الوسيلة مباحة والمقصد حرامًا، صارت الوسيلة محرمة، مثل النكاح إذا كان المقصد منه التحليل للمرأة المطلقة ثلاثًا.
يتناول هذا الفصل موضوع التحايل على أحكام الشريعة، مثل التحايل على الربا وإسقاط الشفعة والتحليل في النكاح. يُبين أن هذه الحيل لا تجيز المحرمات وتزيد من الإثم، مشيرًا إلى أن الوسائل المحرمة تؤدي إلى مقاصد محرمة.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في كتابه "القواعد والأصول الجامعة"، في كلامه على القاعدة الثانية: قال: ومن فروعها أن العلوم الشرعية قسمان: أحدهما مقاصد، وهي علم الكتاب والسنة، والثاني وسائل إليها، مثل علوم العربية بأنواعها. فالعلوم الشرعية على هذين القسمين: مقاصد، وهي علم الكتاب والسنة. في علم الكتاب والسنة مقصد وأساس وأصل، وهناك وسائل من العلوم، ما هي وسائل يتوصل بها إلى فهم الكتاب والسنة ومعرفة أحكامهما، مثل علوم العربية بأنواعها. علوم العربية بأنواعها يعني: علم النحو، وعلم الصرف، وعلم البلاغة. فإن معرفة الكتاب والسنة وعلومهما تتوقف، أو يتوقف أكثرها، على معرفة علوم العربية، ولا تتم معرفتهما إلا بها. فيكون الاشتغال بعلوم العربية لهذا الغرض تابعًا للعلوم الشرعية، لأن فهم الكتاب والسنة لا يتمكن منه الإنسان إلا بمعرفة اللغة العربية، لأن القرآن والسنة باللغة العربية. فلابد من معرفة اللغة العربية حتى يفهم معاني الكتاب والسنة. فيكون دراسة هذا العلم لمن أراد معرفة أحكام الشريعة ويصل أن يصل درجة العلماء، فحينئذ يكون واجبًا عليه تعلم علوم اللغة، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وهكذا أيضًا ربما يجب عليه تعلم غير اللغة العربية، لو أن إنسانًا مثلًا أسلم وهو لا يحسن اللغة العربية، وتصعب عليه، لكن عنده لغة أخرى يستطيع مثلًا أن يتعلمها ويفهم بها الإسلام، فيجب عليه أن يتعلم هذه اللغة التي بها يعرف أحكام الإسلام، ولو كانت غير العربية. يعني مثلًا لغته لغة صعبة، مثلًا ويستطيع أن يفهم أحكام الإسلام بلغة أخرى، فيجب عليه أن يتعلم تلك اللغة، إذا لم يكن مثلًا هناك تراجم لأحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام، أو لبعض الكتب، أو للقرآن بلغته. فيتعلم لغة أخرى حتى يفهم الكتاب والسنة. وإن كان الغالب الآن أنه تيسرت تراجم، ترجمة القرآن والأحاديث، وكثير من كتب العلم إلى عدة لغات أعجمية، فيسهل على الشخص إذا أسلم أن يتعرف على الإسلام بلغته، بما يجد من تراجم لمعاني الكتاب والسنة. قال: ومن فروعها أن كل مباح توصل به إلى ترك واجب أو فعل محرم فهو محرم. قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾، فيحرم البيع والشراء بعد نداء الجمعة. وكذلك إذا خيف فوت الوقت أو فوت الجماعة. وكذلك لا يحل بيع الأشياء المباحة لمن يعمل فيها معصية، كبيع العصير على من يتخذه خمرًا، وبيع السلاح في الفتنة، أو لأهل الحرب، أو قطاع الطريق، وبيع البيض ونحوه لمن يقامر عليه. يقول: كل مباح كان وسيلة إلى ترك واجب، أو فعل محرم، فهو محرم، وإن كان في الأصل أنه مباح. وذلك لأن الوسائل لها أحكام المقاصد. فإذا كان المقصد حرامًا صارت الوسيلة حرامًا، وإن كانت في الأصل حلالًا. فذكر قول الله جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾، أن يتركوه. فهنا نهى الله سبحانه وتعالى عن البيع، مع أنه حلال، البيع والشراء الأصل في أنه حلال، لكن بعد نداء الجمعة يحرم البيع إذا أذن المؤذن بين يدي الخطيب في يوم الجمعة، حينئذ يحرم البيع. فإذا باع صار بيعه حرامًا، لأنه ترك واجبًا، لأنه توصل به إلى ترك واجب، وهو الحضور إلى الجمعة. وكذلك إذا خيف فوات الوقت، الصواب: إذا خيف فوت الوقت، أو فوت الجماعة، يعني إذا خاف ذهاب الوقت، فلا يجوز له أن يبيع، أو ذهاب الجماعة، أو فراغ صلاة الجماعة. إذا باع فحينئذ يكون بيعه حرامًا، لأنه سبب إلى ترك الواجب، تسبب إلى ترك الواجب، فيكون حرامًا. ومثله أيضًا من سهر في الليل، ولو كان على أمر مباح، وتسبب في ترك صلاة الفجر، كان سهره محرمًا، وإن كان ما سهر عليه في الأصل مباحًا. وكذلك لا يحل بيع الأشياء المباحة لمن يعمل فيها معصية، كبيع العصير على من يتخذه خمرًا. لا يحل بيع الأشياء المباحة لمن يعمل فيها، يعني بها يعمل فيها أي يعمل بها معصية. ومثل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «دخلت النار امرأة في هجر، يعني بسببه». فبيع العصير لمن يتخذه خمرًا حرام، وإن كان بيع العصير في الأصل مباحًا، لكن لما كان وسيلة إلى الحرام صار حرامًا. وبيع السلاح في الفتنة، وأهل الحرب، افتتنت قبيلتان واقتتلتا، فيأتي إنسان ويبيع لهم السلاح، هذا حرام، لا يجوز، لأن هذا من التعاون على الإثم والعدوان، ومن تأجيج نار الفتنة والحرب، فيحرم عليه، وإن كان في الأصل بيع السلاح مباحًا. قال: أو قطاع الطريق، يعني يبيع السلاح لقطاع الطرق الذين يتقطعون الناس ويأخذون أموالهم، وربما قتلوا وسفكوا الدماء، فيكون بيعه حرامًا. قالوا: بيع البيض ونحوه لمن يقامر عليه، لمن يقامر عليه يؤتى بالبيضة فيقول: اكسرها ولكذا، أو إن كسرتها فخذ هذا المال، وإن لم تكسرها أخذ ثاني المال، فتبيع له البيض لأجل هذا القمار، هذا حرام، وإن كان بيع البيض في الأصل حلالًا. أو مثلًا تبيع له لمن أراد أن يفعل شيء من الشعوذة، فهو حرام. وقس على ذلك بيع الموسى مثلًا لمن يحلق لحيته، هذا لا يجوز، وإن كان في الأصل حلالًا، لكن ما دام أنه وسيلة إلى فعل محرم فيحرم بيعه. وهكذا أيضًا بيع الكبريت مثلًا لمن يستعمله في شرب الدخان، هذا حرام، وإن كان في الأصل بيعه حلالًا، إلا إذا حصل اشتباه، إذا اشتبه يعني شيء قد يستعمل قد يستعمله الإنسان في الحرام ويستعمله في الحلال، مثل الماء مثلًا. الماء يأتي إنسان يشتري ماء وهو مخزن ومعروف أصحاب التخزين يشربون الماء، هل تبيعه له؟ يقال: مثل هذه الحالة تبيعه له، لأنه يشرب الماء في حال التخزين وغير حال التخزين، إلا إذا علم أنه ما يريد إلا للتخزين، فحينئذ لا تبيعه له حتى لا تكون متعاونًا معه على الإثم والعدوان. قالوا: ومن فروعها تحريم الحيل التي يتوسل بها إلى فعل محرم، كالحيل على قلب الدين، وكبيع العينة، والتحيل لإسقاط الشفعة بشيء من الحيل. فتحرم هذه الحيل ولا تفيد صاحبها حل المحرم. والتحليل في النكاح. ومن هذا الباب أيضًا تحريم الحيل التي يتوسل بها إلى فعل محرم، فإذا كانت الحيلة وسيلة إلى فعل الحرام فهي حرام. وقد تكون من أصلها حرام، كالتيس المستعار كما سيأتي بتحليل النكاح. وقد تكون في الأصل مباحة، لكن يتوصل بها إلى حرام، فحينئذ تكون محرمة، لأن الوسيلة لها حكم المقصد. الوسيلة لأحكام المقاصد. قال: الحيل على قلب الدين، الحيل على قلب الدين يكون على الإنسان دين مثلًا مئة ألف، يستدين عمر من زيد مئة ألف، يأتي وقت السداد، يقول زيد لعمر: أين الدين؟ يقول: ما عندي. فيقول له مثلًا: إما أن تسدد وإما أن نجعل الدين مئة وعشرة، مئة وعشرة ألف، فيقلب الدين من مئة إلى مئة وعشرة. أو يدخل سلعة من باب التحايل، يقول له مثلًا: عندي ثلاجة تساوي مئة وخمسين، تشتريها بمئة وثلاثين؟ يقول: أشتريها. فيقول: أنا أشتريها منك مثلًا بمئة وعشرين، أو بمئة وعشرة، فيجعل الدين بدل أن يكون مئة ألف يكون مئة وعشرين، يعني مثلًا يقول عمر: عندي ثلاجة بمئة وخمسين، فيقول زيد -وهو صاحب الدين-: أشتريها منك بمئة وثلاثين. قال: تمام. يقول: اشتريها مني بمئة وعشرة أو مئة وعشرين، فيرجع الدين فيكون بدل ما يكون مئة يصبح مئة وعشرة أو مئة وعشرين، فيقلب الدين من العدد الذي كان عليه بزيادة من باب التحايل. قال: وكبيع العينة أيضًا، بيع العينة فيه تحايل على الربا، فيه تحايل على الربا. يأتي إنسان إلى شخص يقول: أريد دين. يقول: ما عندي، لكن أبيع لك هذه البضاعة بكم؟ والله هذه البضاعة بعشرة آلاف بالآجل، يعني بالدين. يقول: تمام. فيأخذها، ثم يقول: أشتريها منك بثمانية آلاف نقدًا. أشتريها منك بثمانية آلاف نقدًا. فيقول: قبلت. فيعطيه البضاعة ويأخذ منه ثمانية آلاف نقدًا، وكم مسجل عليه عشرة آلاف؟ فكأنه أعطاه ثمانية آلاف وسيرجع له عشرة آلاف. وهذه البضاعة إنما هي حيلة، إنما هي فقط حيلة على الربا، هذا بيع العينة. قال: والتحيل لإسقاط الشفعة، التحيل لإسقاط الشفعة بشيء من الحيل. الشفعة أن يكون هناك حدود مشتركة بين الشريك وشريكه، أو بين الجار وجاره، يكون المدخل واحد أو الطريق واحدة. فإذا باع أحد الشريكين لابد أولًا أن يستأذن شريكه، وأن يعرض عليه هل يرغب في الشراء؟ هو أولى لدفع الضرر عنه. فإذا رفض جاز أن يبيع لغيره، لكن إذا باع ولم يخبره، فللشريك حق الشفعة، وللجار حق الشفعة. يقول: أنا أحق بهذا، لما بيننا من حدود مشتركة. فيكون له حق الشفعة، فيشتري ما باعه شريكه ممن اشتراه بنفس الثمن، يشتريه بنفس الثمن. والنبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم. فيتحايل على إسقاط الشفعة، فماذا يفعل؟ يوقف نصيبه، يقول: أنا نصيب هذا وقف. وإذا أوقفه ما يستطيع الشريك الآخر أن يشتريه. أو يهبه لغيره، أو يهبه لغيره من غير بيع، فيتحايل على إسقاط الشفعة، فهذا لا يجوز. قال: فتحرم هذه الحيل ولا تفيد صاحبها حل المحرم. والنبي عليه الصلاة والسلام حذر من التحايل، قال عليه الصلاة والسلام: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا ما حرم الله بأدنى الحيل». اليهود حرم الله عليهم الشحوم، فماذا فعلوا؟ جملوها، يعني أذابوها، ثم باعوها، فأكلوا ثمنها، فوقعوا في الحرام، ويزداد الإثم عليهم لأنهم تحايلوا على الحرام. فالتحايل على الحرام لا يزيد المحرم إلا حرمة، فيأثم على فعله لهذا الحرام، ويأثم على تحايله، فيكون الإثم مضاعفًا. قال: والتحليل في النكاح، هذا أيضًا من الحيل. التحليل في النكاح إذا طلق الرجل امرأته ثلاث طلقات، يطلق ثم يراجع، ثم يطلق ثم يراجع، ثم يطلق الطلقة الثالثة، فتحرم عليه، فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره. بعد أن يطلق الثالثة يريد أن يرجع إليها، هو يعرف أن ما تحل له إلا أن تتزوج برجل آخر، فتأتي هنا الحيلة، وما يسمى بتيس المستعار. يأتي إلى رجل يقول: والله أريد أن تحلل لي امرأتي، تتزوجها ثم تدخل عليها ثم تطلقها، هذا المهر. فيتزوجها بنية التحليل من أجل أن ترجع إلى زوجها الأول، هذا الفعل حرام، لعن الله المحلل والمحلل له. وفعله هذا كما قال ابن القيم: يعتبر زنا، الذي تزوجها بهذه النية يعتبر زانيًا، ولا تحل لزوجها الأول إلا أن تتزوج بنكاح صحيح، ليس لقصد التحليل. وهذا كله من هذه القاعدة: الوسائل لها أحكام المقاصد. هذا المثال يصلح لإذا كانت الوسيلة مباحة والمقصد حرام، فالنكاح مباح، لكن لما كان المقصد التحليل صار محرمًا، لأنه حيلة إلى الوقوع في الحرام. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.