القواعد والأصول الجامعة 69

الدرس في القواعد والأصول الجامعة 69، ألقاها

وجوب فعل المأمور به بقدر الاستطاعة

يجب فعل المأمور به كاملًا بقدر الاستطاعة، واستدل بقول الله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم". يشرح ذلك بمثال الصلاة والتيمم عند العجز عن الوضوء.

تفاصيل أحكام البدل عند العجز

إذا عجز الشخص عن أداء الواجب الأصلي، فإنه ينتقل إلى البدل، مثل الانتقال من إطعام المساكين إلى الصيام في كفارة اليمين، ومن الوضوء إلى التيمم إذا عجز عن غسل بعض الأعضاء.

أقسام المقدور عليه في العبادة وتطبيقاتها

يناقش أنواع المقدور عليه في العبادة، ويصنفه إلى ثلاثة أنواع مع أمثلة من الفقه الإسلامي، ويشرح حكم قراءة الفاتحة في الصلاة بقدر الاستطاعة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في كتاب "القواعد والفوائد الأصولية ومما يرجع إليها من الفوائد الفرعية": القاعدة الأربعون: يجب فعل المأمور به كله، فإن قدر على بعضه وعجز عن باقيه، فعليه ما قدر عليه. قال الله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾، وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم". فيصلي من قدر على بعض أركان الصلاة وشروطها وعجز عن باقيها، فيفعل ما يقدر عليه منها، ويسقط عنه ما يعجز عنه. وأمثلة هذا الأصل كثيرة جدًا. هذه القاعدة: يجب فعل المأمور به كله إن قدر، يعني إن استطاع أن يأتي المأمور به كله كاملًا، هذا هو الواجب. فإن عجز عن شيء منه واستطاع أن يأتي ببعضه، فإنه يفعل ما يقدر عليه. فمثلًا الصلاة مأمور بها، فالواجب أن يأتي بها كاملة بشروطها وأركانها وواجباتها. فإن عجز عن شيء منها، كالقيام مثلًا في الصلاة، ركن، إذا عجز عن القيام، هل تسقط عنه الصلاة لعجزه عن بعضها؟ الجواب: لا، فإنه يسقط عنه القيام، فيصلي جالسًا، ويأتي ببقية أركان وشروط الصلاة. وإن عجز عنها كله، انتقل إلى البدل إن كان هناك بدل، كالوضوء مثلًا، إذا عجز عن استعمال الماء لفقده أو لوجود ما يمنعه من استعماله، فإنه ينتقل إلى البدل، وهو التيمم، فيتيمم بالتراب. والأصل في هذه القاعدة قول الله جل وعلا: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾، تتق الله جل وعلا بقدر استطاعتك، فما هو في وسعك واستطاعتك فعلته، وما لم يكن في وسعك واستطاعتك، فإنك لا تكلف به. والله عز وجل يقول: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم". على قدر استطاعتكم. طيب، وهذا في الأعمال التي يمكن الإتيان ببعضها، ويسقط فيها بعض أجزائها. وهل مثل هذا إذا عجز عن بعض الواجب مستطيعًا يأتي ببعضه مع وجود البدل؟ مثلا في كفارة اليمين، مأمور من حنث في يمينه أن يطعم عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فإن لم يجد، فإنه يصوم ثلاثة أيام. طيب، إذا كان يستطيع أن يطعم خمسة مساكين، هل يجزئ هذا ولا يلزمه الصيام؟ أما أنه إن لم يستطع أن يطعم عشرة ينتقل إلى البدل فيصوم بدل الإطعام. الثاني: إذا عجز عن إطعام عشرة مساكين، فهنا ينتقل إلى البدل، وهو الصيام، لأن الواجب هنا أن يطعم عشرة، وجعل له هذا الواجب بدل إن لم يستطعه، فإنه ينتقل إلى ما هو بعده، وهو الصيام. فهنا لا يقول: أن أطعم عشرة مساكين أو خمسة مساكين هذا الذي أستطيع. نقول: إذا لا تستطيع أن تطعم عشرة كما أمر الله، فانتقل إلى ما بعده، انتقل إلى ما بعده، وهو الصيام. وكذلك أيضًا مثله في الوضوء، إذا قدر على غسل بعض الأعضاء، قدر على غسل بعض الأعضاء وعجز عن غسل البعض الآخر، هل يكفي هذا أن يغسل ما استطاع ويترك ما لم يستطع، أو يغسل ما استطاع ويتيمم عن الباقي، أو يترك الوضوء وينتقل إلى التيمم؟ الصحيح أنه يترك الوضوء وينتقل إلى التيمم. قال بعض أهل العلم: يغسل الأعضاء التي يستطيع ويتيمم عن الباقي، وهذا بالحقيقة ليس بصحيح، لأنه حينئذ يجمع بين البدل والمبدل منه، وهذا لا يصح، فإما أن يأتي بالبدل وإما أن يأتي بالمبدل منه. إذن، إذا عجز عن الأصل واستطاع لبعضه وهناك بدل عنه، فإنه ينتقل إلى البدل، فيتيمم بدلًا من الوضوء. وذكر أهل العلم أن المقدور عليه على أربعة أنواع. أن المقدور عليه أربعة أنواع: النوع الأول: أن يكون وسيلة إلى المقصود، وهو ليس مقصودًا بنفسه، أن يكون وسيلة إلى المقصود وليس مقصودًا بنفسه، مثل تحريك اللسان والشفتين للقراءة، تحريك اللسان لأجل القراءة، فتحريك اللسان وسيلة إلى القراءة. وكذلك أيضًا تحريك الشفتين وسيلة للقراءة. فإذا عجز عن القراءة وهي الأصل، هل يلزمه أن يحرك لسانه أو شفتيه كالأخرس؟ الصحيح أنه لا يلزمه، لماذا؟ لأن تحريك الشفتين واللسان ليس مقصودًا لذاته ولنفسه، وإنما هو وسيلة. وإذا عجز عن الأصل، فإنه لا يلزمه أن يأتي بالوسيلة. ومثله حلق الشعر في الإحرام، أي عند التحلل، إذا تحلل المحرم وجب عليه قص شعره أو حلقه. طيب، إذا كان أصلع، إذا كان أصلع ما عنده شعر أصلًا، هل يلزمه أن يمر الموس على رأسه؟ هذا من هذا الباب. بعض أهل العلم قال: يلزمه، بل نقل ابن المنذر الإجماع على ذلك، لأنه يلزمه أن يمر الموس على رأسه. لكن على هذه القاعدة لا يلزمه، لأنه لا فائدة من إمرار الموس، والموس هذه وسيلة، ليس مقصودًا لذاتها، المقصود هو إزالة الشعر. طيب، هو ليس عنده شعر أصلًا، إذا هذه الوسيلة لا تجب عليه، هذا صحيح، هو الصحيح، إلا إذا صح الإجماع، فحينئذ يؤخذ به. هذا النوع الأول. النوع الثاني: ما كان تابعًا لغيره، ما كان تبعًا لغيره، وهو على نوعين: النوع الأول: ما كان وجوبه احتياطًا، فهذا يجب، مثل غسل رأس المرفق، إذا كانت اليد مقطوعة، غسل رأس المرفق، أي مرفق اليد إذا كانت مقطوعة، هذا غسل احتياطًا، وهو تبع لليد التي قطعت، وهو يجب غسلها، فما بقي منه يغسل احتياطًا. النوع الثاني: ما لا يجب على جهة الاحتياط، فهذا لا يجب، يعني ما كان وجوبه تبعًا لغيره، وهو لا يجب على جهة الاحتياط، كرمي الجمار والمبيت بمنى في الحج، رمي الجمار والمبيت بمنى في الحج، إذا فات الحج على الإنسان، هل يجب عليه أن يرمي الجمار وأن يبيت بمنى أيام التشريق؟ الجواب: لا، لا يجب عليه، لماذا؟ لأن هذا الوجوب ليس على جهة الاحتياط، ولكن هو على سبيل تكميل العبادة، هو على سبيل تكميل العبادة، فإذا فات الأصل، وهو الحج، وهو أصل العبادة، فإنه لا يجب أن يأتي بمكملاته. والنوع الثالث من أنواع المقدور عليه: ما كان جزءًا من العبادة، ما كان جزءًا من العبادة، وهو على قسمين: القسم الأول: ما كان جزءًا من العبادة، وهو ليس بعبادة في نفسه، ليس بعبادة، مثلا الصيام، الصيام يكون من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. طيب، الصيام إلى الزوال، هذا جزء من العبادة، لكن هل هو في نفسه عبادة مستقلة؟ الجواب: لا، هل يمكن أن يصوم الإنسان من الفجر إلى الزوال ويفطر ويقول: أنا صائم؟ لا، هذا جزء من العبادة، لكن في نفسه ليس بعبادة مستقلة، لا بد أن تكون هذه العبادة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. إذا قال إنسان: ما أستطيع أن أصوم إلا إلى الزوال فقط، هذا المقدور عليه الذي أقدر عليه، هل يجزئ هذا عني ويكفي، أو أنتقل إلى ما هو بدل عن الصيام؟ الجواب: أنه لا يقبل منه، ولا يجب عليه أن يصوم إلى الزوال، لأن هذا الجزء من العبادة ليس بعبادة في ذاته، فمثل هذا لا يجب عليه أن يصوم إلى الزوال، بل ينتقل إلى ما هو بدل عن الصيام. والنوع الثاني: ما كان جزءًا من العبادة، وهو عبادة هو في نفسه عبادة مستقلة، مثل القراءة في الصلاة، القراءة في الصلاة عبادة، جزء من أجزاء العبادة، كقراءة الفاتحة مثلًا، وهي في نفسها عبادة مستقلة، في نفسها عبادة مستقلة. فإذا عجز عن بعضها، إذا عجز عن بعض الفاتحة، هل يجزئه أن يقرأ ما يتيسر مما يحفظ منها ويكفيه هذا، أو أنه ينتقل إلى التسبيح والتكبير والتهليل؟ الصحيح أنه يقرأ ما يستطيع من الفاتحة ويجزئه ذلك، يجزئه ذلك لعموم قول الله جل وعلا: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾، ويستطيع أن يأتي بما يتيسر من هذه السورة التي تعتبر من أركان الصلاة. طيب، هذه بعض تفاصيل متعلقة بهذه القاعدة. إلى هنا، صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على