القواعد والأصول الجامعة 16

الدرس في القواعد والأصول الجامعة 16، ألقاها

مقدمة في القواعد الفقهية وتفاصيل قاعدة لا واجب مع العجز

يبدأ الكلام بشرح تفصيلي للقاعدة الفقهية 'لا واجب مع العجز' من كتاب 'الأصول والقواعد الجامعة' للعلامة السعدي، حيث يتناول أحكام الصلاة والصوم والحج بالنسبة لمن يعجز عن أدائها.

أهمية القدرة في أداء الواجبات والعبادات

يشرح المقطع شروط الواجبات في الإسلام، مؤكدًا على أهمية القدرة في أداء العبادات والواجبات، ويستدل بالأحاديث النبوية والآيات القرآنية على أن الله لا يكلف نفسًا إلا ما آتاها.

أحكام العجز والتيسير في العبادات المالية والبدنية

يتناول المقطع أحكام العجز والتيسير في العبادات، حيث يشرح كفارة اليمين وخيارات الإطعام أو الكسوة أو عتق الرقبة، وسقوط الواجب في حالة العجز عن حضور الجمعة والجماعة.

القول الراجح في المسألة وتأصيله الشرعي

رجح شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن القيم وجماعة من العلماء المعاصرين قولا معينا في المسألة، وهو القول الصحيح، معتمدين على الأدلة الشرعية.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله، في كتابه «الأصول والقواعد الجامعة»، في كلامه على القاعدة الرابعة: «الوجوب يتعلق بالاستطاعة، فلا واجب مع العجز، ولا محرم مع الضرورة». قال: فيدخل في الأصل الأول، أي لا واجب مع العجز، كل من عجز عن شيء من شروط الصلاة، أو أركانها، أو واجباتها، فإنها تسقط عنه، ويصلي على حسب ما يقدر عليه، مما يلزم فيها. من عجز عن شيء من أركان الصلاة أو واجباتها سقط عنه ما يعجز عنه، ويصلي ويأتي بما يقدر عليه. فمن عجز عن القيام صلى جالسا، ومن عجز عن الجلوس صلى مضطجعا. ومن عجز عن قراءة الفاتحة سقطت عنه إذا لا يستطيع، أو لا يحفظها، أو لا يستطيع حفظها لكونه أسلم قريبا، أو كبير في السن، وأسلم متأخرا، فإنه يذكر الله. ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾. وفي حديث عمران بن حسين، قال عليه الصلاة والسلام: «صل قائما، فإن لم تستطع فجالسا، فإن لم تستطع فعلى جنب». قال: والصوم، من عجز عنه عجزا مستمرا، كالكبير الذي لا يطيقه، والمريض مرضا لا يرجى برؤه، أفطر، وكفر عن كل يوم بإطعام مسكين. ومن عجز عنه لمرض يرجى زواله، أو لسفر، أفطر وقضى عدة أيامه إذا زال عذره. فالصوم واجب، فإذا عجز عنه الإنسان عجزا مستمرا، كالكبر، الرجل الكبير في السن الذي لا يطيق الصيام لكبر سنه، هذا ما يستطيع أن يصوم، فيسقط عنه الصيام، وبدل الصيام يطعم عن كل يوم مسكينا، كما في قوله جل وعلا: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾. وتفسير ابن عباس رضي الله تعالى عنه لهذه الآية أنها في الشيخ الكبير والمرأة العجوز لا يطيقان الصيام، يفطران ويطعمان عن كل يوم مسكينا. وألحق به العلماء المريض مرضا لا يرجى برؤه، المرض المستعصي الذي لا يرجى شفاؤه، يكون حكمه كحكم الشيخ الكبير، أنه يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينا، فيسقط عنه الصيام هنا بسبب عجزه، فلا واجب مع العجز. كذلك المسافر، المسافر أجاز الشرع له أن يفطر، فلا يجب عليه الصوم في حال سفره، فإذا أفطر قضى الأيام التي أفطرها بعد زوال هذا العذر. قال: والعاجز عن الحج ببدنه، إن كان يرجو زوال عذره صبر حتى يزول، وإن كان لا يرجو زواله أقام عنه نائبا يحج عنه. العاجز عن الحج ببدنه، إنسان عنده مال يستطيع أن يحج بالمال الذي معه، لكن عنده مرض في بدنه ما يستطيع أن يتحمل السفر، فهذا إن كان يرجو زوال عذره صبر حتى يزول، إذا كان هذا المرض عارض يرجو أن يزول ويشفى، انتظر متى ما شفى ذهب وحج بنفسه. وإن كان لا يرجو زواله، كان يكون مرض في بدنه مستمر، أو كبير لا يتحمل أعباء السفر، فهذا ينيب غيره يحج عنه، ويسقط عنه الحج ببدنه، كما في حديث المرأة التي سألت النبي عليه الصلاة والسلام: «إن فريضة الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟» قالت: «نعم». أجازت لها النبي عليه الصلاة والسلام أن تحج عن أبيها. وفي الحديث الآخر، حين سئل النبي عليه الصلاة والسلام، سأله رجل: «يا رسول الله، إن أبي لا يستطيع السفر، أو لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الضعن -يعني تحمل أعباء السفر-» قال: «حج عن أبيك واعتمر». قال: وقال تعالى: «العاجز عن الحج ببدنه، أما إذا كان عاجزا بماله وببدنه، فهذا لا يجب عليه الحج، لكن إذا كان يستطيع بالمال ويعجز عن البدن، فهنا ينيب غيره. وأما إن كان لا يستطيع بماله، ما عنده مال، فالحج ليس عليه واجب. وإن كان يستطيع ببدنه لكن ما عنده مال، فهذا لا يجب عليه الحج». قال: وقال تعالى: ﴿ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج﴾، وذلك في كل عبادة توقفت على البصر أو الصحة أو سلامة الأعضاء، كالجهاد وغيره. فالأعمى لا يستطيع أن يجاهد وهو لا يبصر، فسقط عنه الجهاد لأنه يعجز عن القيام بهذا الواجب، فسقط عنه. وهكذا الأعرج كذلك مانع من الجهاد والقتال في سبيل الله. وهكذا المريض الذي عنده مرض كذلك لا يستطيع معه الجهاد والقتال في سبيل الله، فإنه يسقط عنه الجهاد وغيره من العبادات التي تحتاج لسلامة هذه الأعضاء. قال: ولهذا الأصل اشترطت القدرة في جميع الواجبات، فمن لم يقدر فلا يكلفه الله ما يعجز عنه. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» رواه مسلم. فجميع الواجبات تشترط لها القدرة، فإذا لم تكن القدرة موجودة عند أشخاص سقط عنهم هذا الواجب. ومن ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذا رأى الإنسان منكرا ولم يستطع أن يغيره بيده سقط عنه التغيير باليد. قال: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه»، فيسقط الإنكار باليد بسبب العجز. فإن لم يستطع -أي باللسان- سقط عنه الإنكار باللسان، وينتقل إلى الإنكار بالقلب «فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». وقال تعالى: ﴿لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا﴾، لينفق ذو سعة من سعته، أي الذي وسع الله عليه وعنده غنى ينفق على قدر غناه وسعته. ومن قدر عليه رزقه -أي ضيق عليه- فلينفق مما آتاه الله، أي مما أعطاه الله على قدر استطاعته. ﴿لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها﴾، لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها، أي ما أعطاها. ﴿سيجعل الله بعد عسر يسرا﴾. وقال صلى الله عليه وسلم في الواجبات المالية: «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول»، ابدأ بنفسك ثم بمن تعول، أولا تبدأ بنفسك فتقدمها على غيرك، ثم بعد ذلك من تعول، أي من تنفق عليهم من زوجة وأولاد ومماليك وبهائم. قالوا: من هذا الأصل الكفارات المرتبة، إذا عجز عن الأعلى انتقل إلى ما دونه. الكفارات المرتبة -يعني التي أمر الشرع أن يأتي بها الإنسان على الترتيب الذي ورد في الشرع- ككفارة الظهار مثلا جاءت مرتبة: اعتق رقبة، فإن لم يستطع فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، فلا بد أن يؤتى بها على هذا الترتيب، إن عجز عن الأول انتقل إلى الثاني، عجز عن الثاني انتقل إلى الثالث، وهكذا. كفارة اليمين، كفارة اليمين بالنسبة للإطعام مع التخيير في الإطعام أو الكسوة أو عتق الرقبة، فإن لم يجد شيئا من هذه الأمور الثلاثة انتقل إلى الصيام. أما الأمور المخير فيها فله أن يختار ما يريد، فمثلا كفارة اليمين الأمور الثلاثة الأولى على التخيير، فكفارته: إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، هذه الأمور الثلاثة على جهة التخيير لمن أراد أن يكفر كفارة اليمين، فإذا لم يجد انتقل إلى الصيام، فمن لم يجد صام ثلاثة أيام. فهذه الأمور مع الصيام هي على الترتيب، أولا هذه الأمور الثلاثة يختار منها ما يشاء، فإن لم يجد منها شيئا انتقل إلى الصيام. فإذا عجز عن الأمر الأول انتقل إلى الثاني، هذا هو المقصود إن عجز عن الأعلى انتقل إلى ما دونه. قالوا: أعذار حضور الجمعة والجماعة داخل في هذا الأصل، كما دخلت في الذي قبله. ما هو الأصل الذي قبله؟ المشقة تجلب التيسير. وتدخل في هذا الأصل في هذه القاعدة: لا واجب مع العجز، فإذا عجز الإنسان عن حضور الجمعة أو الجماعة لوجود عذر من الأعذار، لم يكن واجبا عليه، كالمطر أو الخوف أو المرض، فإنه يسقط عنه هذا الواجب. قال: والضرورات تبيح للمحرم المحظورات، ولكنه يفدي عنها جبرا لما فاته منها، كما دخلت في الذي قبله. الضرورات تبيح للمحرم المحظورات، فالحلق مثلا -حلق المحرم رأسه- محظور من محظورات الحج، فإذا اضطر إلى ذلك، كان يصيبه القمل ويتناثر عليه، ومشقة شديدة منه، يجوز له أن يحلق رأسه ويفدي، يحلق رأسه ويفدي، وهذا من هذه القاعدة: الضرورات تبيح المحظورات. وكما في قصة كعب بن عجرة رضي الله عنه، حين حمل النبي عليه الصلاة والسلام والقمل يتناثر على وجهه من كثرته، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لقد بلغ بك الجهد ما أرى»، فأمره أن يحلق رأسه وأن يفدي. قال: ومن ذلك جواز الانفراد في الصف إذا لم يجد موضعا في الصف الذي أمامه، لأن الواجبات التي هي أعظم من المصافة تسقط مع العجز بالاتفاق، فالمصافة من باب أولى وأحرى. يقول: من هذا الباب جواز الانفراد في الصف إذا لم يجد موضعا في الصف الذي أمامه، معلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلي الرجل وحده خلف الصف، الواجب أن يصف في الصف مع إخوانه المصلين. طيب هذا الواجب إذا عجز عنه، جاء ولم يجد أحد الصف مكتمل، ولا يوجد أحد يصلي معه، فما الذي يفعل؟ هل يصلي وحده؟ كما قال بعض أهل العلم: لأنه لا يجوز له أن يصلي منفردا. أو نقول: يسقط عنه هذا الواجب لعجزه عنه، ويصلي وحده خلف الصف؟ الجواب هو الثاني: إذا لم يجد موضعا في الصف الذي أمامه، أو لا يستطيع مثلا أن يتقدم، أو يخشى عليه أن يتقدم ويصلي بجانب الإمام، فهنا يصلي خلف الصف، ونقول: هذا واجب عجز عنه فيسقط عنه، لا واجب مع العجز. قال: لأن الواجبات التي هي أعظم من المصافة تسقط مع العجز بالاتفاق، أيهم أعظم المصافة في الصف أو القيام في الصلاة؟ أشك القيام أعظم، القيام ركن من أركان الصلاة، إذا عجز عنه الإنسان سقط عنه القيام، إذا عجز عن الركوع سقط عنه الركوع، إذا كانت هذه الأركان وهي أعظم تسقط عند العجز عنها، فالمصافة من باب أولى. وهذا الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، والإمام ابن القيم، وجماعة من العلماء المعاصرين، ومنهم العلامة ابن عثيمين رحمه الله. وهذا القول هو الصحيح، والله تعالى أعلم. وبهذا نكون انتهينا من قراءة هذه القاعدة إلى هنا، صلى الله وسلم على نبينا محمد، آله وصحبه أجمعين. شكرا للمشاهدة.

شاركنا على