الدرس في التعليق على مذكرة أحكام الصيام 5، ألقاها
ذكر المؤلف عدة مستحبات في الصيام منها الدعاء لمن فطرك والإكثار من تفطير الصائمين. هذه المستحبات لها أدلة من الأحاديث النبوية الشريفة.
يستحب في العشر الأواخر الاجتهاد في العبادة وإحياء الليل ومدارسة القرآن. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في هذه العشر أكثر من غيرها.
يستحب للصائم الإكثار من الاستغفار في الأسحار وتعويد الصبيان على الصيام. وكذلك العمرة في رمضان والاعتكاف في العشر الأواخر والإكثار من الصدقة.
الصدقة في رمضان لها أجر أعظم وتطفئ الخطيئة وتظل صاحبها يوم القيامة. النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى أهميتها في حديثه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله في ذكره للمستحبات في الصيام: ثالث عشر، الدعاء لمن فطرك، كأن تقول: اللهم بارك لهم فيما رزقتهم، واغفر لهم، وارحمهم. وهذا الدعاء رواه الإمام مسلم من حديث عبد الله بن بسر رضي الله عنه، فيستحب أن يدعو المسلم لمن فطره وأطعمه بما يتيسر من الأدعية الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام، كهذا الدعاء: «اللهم بارك لهم فيما رزقتهم، واغفر لهم، وارحمهم»، تدعو لهم بالبركة أن يبارك الله عز وجل لهم فيما رزقهم من هذا الرزق، وأن يغفر لهم، ويرحمهم. وأيضا مما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يدعو لمن أطعمه بقوله: «جعل الله عليكم صلاة قوم أبرار يقومون الليل ويصومون النهار، ليسوا بأثمة ولا فجار، وأفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة». كل هذه أدعية ثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: الرابع عشر، الاكثار من تفطير الصائمين بعد غروب الشمس، يعني يستحب الاكثار من تفطير الصائمين لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من فطر صائما كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء». فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن من فطر صائما كان له مثل أجره، أي مثل أجر الصائم، مثل أجر الصائم، ولا ينقص من أجر الصائم شيء، الصائم ينال أجره، وهذا المفطر له ينال مثل أجر هذا الصائم، فهذا يدل على استحباب تفطير الصائمين، ولهذا تجدون الكثير من أهل الغنى وأهل الجود ماذا يتسابقون في تفطير الصائمين لنيل هذا الأجر العظيم. قال: الخامس عشر، الحرص على أن تبدأ القيام مع الإمام وتنصرف معه، يعني يستحب لك أن تصلي مع الإمام في صلاة التراويح وقيام الليل من أول الصلاة، وتنصرف مع انصراف الإمام، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من صلى مع إمامه حتى ينصرف كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ»، فيكتب لك قيام ليلة إذا صليت مع الإمام حتى ينصرف، يعني يفرغ من الصلاة وينتهي من الصلاة. قال: السادس عشر، المحافظة على قنوت الوتر، قنوت الوتر مستحب، وقد قنت النبي عليه الصلاة والسلام في الوتر أحيانا وتركه أحيانا، وعلم الحسن بن علي دعاء القنوت المعروف المشهور: «اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت...» الحديث. وإذا حافظ على قنوت الوتر في سائر رمضان فأمر حسن، من باب استغلال فضيلة هذا الشهر، استغلال فضيلة هذا الشهر وما فيه من خير وبركة، فيدعو أو يقنت في الوتر في سائر الوتر فلا بأس بذلك. قال: السابع عشر، الاجتهاد في رمضان ما لم يكن في غيره من الشهور، يعني يستحب للمسلم وللصائم أن يجتهد في رمضان اجتهادا زائدا على غيره من الشهور، سواء كان في باب الصلاة، في باب الصيام، في باب الذكر، في باب تلاوة القرآن، في باب الصدقة، في باب الإحسان، وغيره من أبواب البر والخير. قال: فعلي بن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، يعني في سائر أيامه وأحيانه، وكان أجود ما يكون في رمضان، يعني يزداد جوده ويزداد فضله وكرمه وحبه للخير والمسارعة فيه في رمضان أكثر من غيره، قال: حين يلقاه جبريل، وكان جبريل عليه السلام يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينتهي رمضان، يعرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم القرآن، فإذا لقيه جبريل عليه السلام كان أجود بالخير من الريح المرسلة. والحديث في الصحيحين، يعني يكون عليه الصلاة والسلام مجتهدا ومسارعا في فعل الخير ومتسابقا. وكذلك استحب أهل العلم مدارسة القرآن وعرض القرآن في رمضان بهذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يعرض القرآن على جبريل، يقرأ وجبريل يستمع، فيستحب مثل ذلك في رمضان لأنه شهر القرآن، ولفعل النبي عليه الصلاة والسلام في مدارسة القرآن مع جبريل عليه السلام. ولهذا كان السلف يعتنون بالقرآن في رمضان ما ليس في غيره من الشهور، ويقبلون عليه إقبالا عظيما، تلاوة وقراءة وحفظا أو تدبرا وتدريسا. قال: الثامن عشر، الاجتهاد في العشر ما لم يكن في غيرها، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره. الحديث رواه مسلم. مما يستحب للصائم في رمضان أن يجتهد في العشر الأواخر من رمضان ما لا يجتهد في غيرها، وهذا اجتهاد زائد عن الاجتهاد في رمضان، فهو إذا دخل رمضان اجتهد الصائم في فعل الخير والبر، وإذا دخل العشر زاد اجتهاده، إذا دخل العشر زاد اجتهاده. فقالت عائشة رضي الله عنها: كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره، يعني في غير العشر، مع أنه يجتهد في رمضان إذا دخل، لكن يزيد اجتهاده في العشر الأواخر لفضيلة تلك العشر ولأن فيها ليلة القدر التي هي خير ليالي السنة، والعبادة فيها خير من ألف شهر. قال: تاسع عشر، الحرص على إحياء ليالي العشر، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجد وشد المئزر. والحديث في الصحيحين. كذلك يستحب إحياء ليالي العشر، أي ليالي العشر الأخير من رمضان، لقولها رضي الله عنها: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا الليل، يعني معظم الليل أو أكثر الليل، ويحيى كذلك الليل كله، أحياه بطاعة الله بالصلاة وقراءة القرآن والدعاء وذكر الله. وأيقظ أهله، أيقظهم حتى ينالوا فضيلة هذه الليالي ويجتهدوا فيها بالعبادة، وجد في فعل الخير والعبادة والطاعة، وشد المئزر، قيل: كناية عن اعتزال النساء والابتعاد عنهن في العشر الأخير من رمضان والإقبال على الطاعة والعبادة. قال: العشرون، الاكثار من قول: «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني» في ليلة القدر، لحديث عائشة رضي الله عنها، والحديث رواه الترمذي والحاكم، وصححه شيخ الألباني رحمه الله في صحيح الجامع، أنها قالت للنبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله، أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر فما أقول فيها؟ قال: «قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني». فهذا الدعاء يستحب أن يدعو به الصائم ويكثر منه في العشر الأواخر من رمضان، لأن ليلة القدر لا يعلم في أي ليلة، وأرجى ما تكون في العشر الأواخر، فهو يحرص على أن يدعو الله عز وجل بهذا الدعاء في سائر ليالي العشر. قال: الحادي والعشرون، الإكثار من الاستغفار في الأسحار، كما قال الله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾، وقال: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، يعني يستحب للصائم أن يكثر من الاستغفار في الأسحار، يعني في وقت السحر، ووقت السحر قبل الفجر، يعني آخر ساعة مثلاً قبل الفجر يكون هذا وقت السحر، فيستحب فيه الإكثار من الاستغفار، لأن الله عز وجل مدح عباده المؤمنين وذكر من صفات أهل الجنة أنهم يستغفرون في هذا الوقت. قال: الثاني والعشرون، قول: «إني امرؤ صائم» لمن شاتمه، والحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة، قال عليه الصلاة والسلام: «فإن سابه أحد أو شاتمه فليقل: إني صائم». فقولك: «إني صائم» هذا مستحب، يستحب أن تقول ذلك لمن شتمك وتنقصك وأنت صائم، فلا تقابله بمثل فعله، إذا سبك فلا تقابله بالسب مثله، بل تكون أفضل منه، أحسن منه، فتقول: «إني صائم»، «إني صائم»، تقوله بلسانك حتى يسمعك. قال: أهل العلم: والحكمة من ذلك أولا تذكره بالصيام، وأن هذا ينافي الصيام، تذكره بأن هذا ينافي الصيام، وأن الصائم ينبغي أن يدعى عن قول الزور وقول الفحش والمنكر. وكذلك أيضا فيه زجر له على هذا الفعل الذي يفعله، وهذا الشتم الذي يشتمك به وأنت على عبادة وطاعة، وهي عبادة الصوم. وكذلك أيضا تبين له أنه ما يمنعك من مقابلته بما قال إلا أنك صائم، وإلا لست بعاجز، لست بعاجز أن ترد عليه وأن تقابله بمثل ما قال، لكن يمنعك من ذلك كونك صائم، وهذا ينافي الصيام. قال: الثالث والعشرون، تعويد الصبيان على الصيام إذا بلغوا السابعة، يعني مما يستحب تعويد الصبيان على الصيام إذا بلغوا السابعة، يعني سن السابع، لأن سن السابع في الغالب هو سن التمييز الذي يميز به الصبي. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر». فإذا بلغ سن السابع يعود على الصيام بما يتيسر، ولو يصوم نصف يوم مثلا، يمسك من الصباح إلى الظهر، وإن كان هذا ليس بصوم حقيقي، لكن من باب التعود على الإمساك. قال: الرابع والعشرون، العمرة في رمضان، لقوله صلى الله عليه وسلم: «عمرة في رمضان تعدل حجة معي». والحديث في الصحيحين من حديث ابن عباس، يعني مما يستحب الاعتمار في رمضان، إذا تيسر للمسلم أن يعتمر في رمضان فهذا أمر حسن، فعمرة في رمضان تعدل حجة مع النبي عليه الصلاة والسلام في الأجر والثواب. قال: الخامس والعشرون، المحافظة على الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، هذا أيضا مما يستحب الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، أن يعتكف الصائم في العشر الأواخر بأن يلزم المسجد لطاعة الله جل وعلا، وهذا كان من هدي النبي عليه الصلاة والسلام، أنه كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فعل ذلك عليه الصلاة والسلام حتى توفاه الله. قال: السادس والعشرون، الاكثار من الصدقة حفاظا على أجر الصيام من النقصان، الاكثار من الصدقة، يعني تتصدق بما يتيسر، بما يتيسر، ولو بالشيء اليسير، ولو بالشيء اليسير، كان بعض السلف يتصدق ببصلة، يتصدق ببصلة، يعني ليس الشرط في الصدقة أن تكون شيئا كثيرا، لا، ولو كان مالا قليلا أو شيئا من الطعام قليلا، يتصدق به وينوي به الصدقة، فيكتب له أجر الصدقة. والصدقة في رمضان لا شك أن أجرها أعظم لفضيلة الزمان وفضيلة هذا الشهر، وهي مما تعين على الحفاظ على أجر الصيام. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار»، ويقول عليه الصلاة والسلام: «كل امرئ في ظل صدقته يوم القيامة». وبهذا انتهينا من هذا الفصل. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.