كتاب الصيام 16

الدرس في كتاب الصيام 16، ألقاها

تحريم صيام يوم الشك وأحكامه

يحرّم صيام يوم الشك إذا حالت ظروف جوية دون رؤية الهلال، إلا لمن له عادة صيام أو كان عليه قضاء أو نذر. هذا الحكم يستند إلى أحاديث نبوية تنهى عن صيام يوم الشك.

تحريم صوم يومي العيدين وأيام التشريق

يحرم صوم يومي العيدين، يوم الفطر ويوم النحر، كما يكره صوم أيام التشريق لكونها أيام أكل وشرب وذكر لله. نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام هذه الأيام.

أحكام صيام المتمتع والقارن وأعياد الكفار

رخص النبي للمتمتع والقارن بصيام أيام التشريق إذا لم يجدا الهدي، ويجوز صيام الثلاثة أيام قبلها. كما ناقش حكم صيام أعياد الكفار ويرى أن القول بالكراهة هو الأقرب.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف -فقه الله بذكره- لما يكره ويحرم من الصيام. قال: الرابع، تحريم صيام يوم الشك، وهو يوم الثلاثين من شعبان إذا كان في السماء ما يمنع رؤية الهلال، يعني كالغيم والقطر. فإن كانت السماء صحوا فلا شك. ودليل تحريمه حديث عمار رضي الله عنه قال: «من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم». والحديث علقه البخاري بصيغة الجزم، فوصله الترمذي، وهو حديث صحيح. وآثار صحيحة. قال: «ولى قوله صلى الله عليه وسلم: لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا أن يكون رجل كان يصوم صومه، فليصوم ذلك اليوم». أخرجه البخاري. قال: والمعنى لا يتقدم شهر رمضان بصوم يوم يعد منه بقصد الاحتياط، فإن صومه مرتبط بالرؤية، فلا حاجة إلى التكلف. أما من كان له ورد يصومه فلا شيء عليه؛ لأن ذلك ليس من استقبال رمضان. ويستثنى من ذلك أيضا القضاء والنذر لوجوبهما. تحريم الصيام يوم الشك، وهو يوم الثلاثين من شعبان إذا كان هناك غيم أو قتر يمنع الرؤية، فلا يجوز أن يصام يوم الثلاثين؛ لأثر عمار رضي الله عنه: «من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم»، يعني النبي عليه الصلاة والسلام. ومعنى ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك. وفي حديث أبي هريرة: «لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين»، يعني قبل رمضان يصوم يوما أو يومين بزعم الاحتياط أنه ربما يكون من رمضان، فهذا لا يجوز؛ لأن الصيام معلق بالرؤية. الله عز وجل يقول: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته». فالصيام معلق بالرؤية، فمتى رأينا الهلال صمنا، وإذا لم نره أكملنا عدة شعبان ثلاثين. فالصيام قبل رمضان لقصد الاحتياط هذا من التعدي، هذا من التعدي لحدود الله جل وعلا. إلا أن يكون رجل كان يصوم صومه، إنسان له عادة في الصيام، يصوم الاثنين والخميس، فصادف ذلك قبل رمضان بيومين أو بيوم، هل يصوم؟ نقول: نعم، لك أن تصوم؛ لأن هذا ليس لقصد الاحتياط، وإنما صيام عادة كان معتادا لها. وهكذا صوم القضاء إذا ضاق الوقت، بقي على الإنسان مثلا يوما، بقي عليه يوم لم يصومه، هل يصومه قبل رمضان بيوم أو يومين؟ الجواب: نعم. قال: خامسا، يحرم صوم يومي العيدين؛ لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الفطر والنحر». والحديث في الصحيحين. ولحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «هذان يومان نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامهما: يوم فطركم من صيامكم، واليوم الآخر تأكلون فيه من نسككم». والحديث أيضا في الصحيحين. فهذان اليومان هما يوم العيد، لا يجوز صيامهما: يوم الفطر، اليوم الأول من شوال، ويوم النحر، وهو اليوم العاشر من ذي الحجة، فهي أيام عيد وأيام أكل وشرب. في حديث أبي سعيد: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الفطر والنحر». وفي حديث عمر: «هذان يومان نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامهما: يوم فطركم من صيامكم، واليوم الآخر تأكلون فيه من نسككم». والحكم من ذلك بالنهي عن صيام يوم الفطر؛ حتى يتميز الفطر من الصيام، فيعلم بفطر يوم الفطر أن صيام رمضان قد انتهى، أن صيام رمضان قد انتهى. ووجوب أو النهي عن صيام يوم النحر؛ لأنه يوم ذبح الأضاحي، والناس فيه تحت ضيافة الله سبحانه وتعالى. والله عز وجل يقول: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾. ولو صاموا ذلك اليوم لكان في ذلك إعراض عن ضيافة الله جل وعلا، وعما يحبه الله سبحانه وتعالى من أكل المسلمين من هداياهم وضحاياهم في ذلك اليوم. قال: السادس، يكره صوم أيام التشريق، وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر: الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، ثلاثة أيام بعد يوم النحر. أيام التشريق، أيام منى التي يمكث فيها الحاج بمنى، سميت بذلك؛ لأنهم كانوا يشرقون فيها اللحم ويقددونه. أولها اليوم الحادي عشر، وهو المسمى بيوم القر، ويوم الثاني عشر يوم النفر الأول، والثالث عشر يوم النفر الثاني. هذه الثلاثة الأيام يكره صيامها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «أيام منى أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل». رواه مسلم. ولقوله صلى الله عليه وسلم: «يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام»، عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب. والحديث رواه الترمذي وصححه الألباني. إذن، أيام التشريق لا يكره صيامها، لا يصومها المسلم، بل لا يجوز. الكراهة هنا كراهة تحريم، يحرم صيامها؛ لنهي النبي عليه الصلاة والسلام، كما سيأتي في حديث ابن عمر وعائشة، فهي أيام أكل وشرب وذكر لله. قال: ورخص في صيامها للمتمتع والقارن إذا لم يجد ثمن الهدي؛ لحديث عائشة وابن عمر رضي الله عنهم قال: «لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي». النبي عليه الصلاة والسلام رخص في صيام أيام التشريق للمتمتع والقارن، يعني ممن حج متمتعا أو قارنا. المتمتع الذي يأتي بعمرة في أشهر الحج ثم يتحلل منها، ثم يهل بالحج في اليوم الثامن من ذي الحجة، ويأتي بالحج. والقارن الذي يقرن بين العمرة والحج، يأتي بعمرة ويبقى على إحرامه حتى ينتهي من الحج. فالمتمتع والقارن كلاهما عليه هدي. فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فعليه هدي. فإذا لم يجد الهدي، ما عنده ثمن يشتري به الهدي، جاز له أن يصوم ثلاثة أيام في الحج. ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾. فهذه ثلاثة الأيام يجوز أن يصوم المتمتع والقارن في أيام التشريق، يجوز أن يصوم أيام التشريق إذا لم يكن معه هدي؛ لهذا الحديث: «لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي»، الذي ما عنده هدي، وهو متمتع أو قارن، يجوز له أن يصوم أيام التشريق: اليوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر. وهل له أن يصوم قبل ذلك؟ الجواب: نعم، له أن يصوم قبل ذلك على الصحيح من أقوال أهل العلم. فمن حج وهو يعلم أنه لا يجد الهدي، وليس عنده ثمن الهدي، فله أن يأتي بالعمرة أو بعد أن يفرغ من العمرة أن يصوم هذه الثلاثة الأيام. مثلا اعتمر في شوال، أحرم بالحج شوال وذو القعدة وذو الحجة، اعتمر في شوال وتحلل من عمرته ومتمتع، وليس عنده قيمة الهدي، هل له أن يصوم بعد العمرة في شوال هذه الثلاثة الأيام؟ الجواب: نعم، له أن يصوم هذه الثلاثة الأيام، ولو كان ذلك قبل شهر ذي الحجة. فإن قال قائل: كيف يصوم هذه الثلاثة الأيام ولم يأت الحج بعد؟ والله عز وجل يقول: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾. فالجواب هو أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «دخلت العمرة في الحج»، دخلت العمرة في الحج. وعلى هذا فيجوز أن يصوم هذه الثلاثة الأيام ولو قبل ذي الحجة. يبقى أيضا من الصيام المكروه الصيام أعياد الكفار، الصيام يوم أعياد الكفار. فقال بعض أهل العلم بالكراهة: يكره الصيام أيام أعياد الكفار؛ لأن في ذلك ماذا؟ إعطاء قوة لهؤلاء الكفار، وكذلك أيضا مشاركة لهم في أعيادهم. وقال بعض أهل العلم: لا يكره؛ لأن الصوم ضد الفطر، وفي الأعياد الذي يكون عليه الإنسان أنه يفطر، يفطر في العيد ويأكل ويشرب، فالصوم خلاف الفطر، فيكون الأفضل صيام هذه الأيام، أيام أعياد الكفار. لكن القول بالكراهة هو الأقرب: أنه يكره صيام أيام أعياد الكفار. وبهذا انتهينا من القراءة بما يتعلق بما يكره ويحرم من الصيام. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على