الدرس في التعليق على مذكرة أحكام الصيام 40، ألقاها
المقطع الأول يتضمن أحاديث نبوية حول صيام يوم الجمعة ومكافأة صيام رمضان وقيامه. يُظهر المقطع دلالات هذه الأحاديث وتفسيرها من قبل المؤلف.
يناقش المقطع الأحكام المتعلقة بالصيام، مثل الوصال في الصيام ونقصان دين المرأة بسبب الحيض وأحكام الصيام في السفر. يشرح النبي صلى الله عليه وسلم أن الوصال في الصيام منهي عنه.
ذكر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إن البركة في ثلاث: الجماعة والثريد والسحور. الجماعة فيها قوة وهيبة وتعاون وتكاتف، وقد حث الإسلام على الاجتماع ونبذ الفرقة.
النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى أن الثريد والسحور يحملان بركة، وقد سبق الحديث عن بركة السحور في حديث أنس. الثريد والسحور من الأمور التي فيها خير للصائم.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله في ذكره لأحاديث صحيحة: قال الخامس عشر، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا يوما قبله أو بعده»، والحديث في الصحيحين. وفيه أن النهي عن إفراد يوم الجمعة بالصيام، إلا أن يصوم يوما قبله، وهو الخميس، أو يوما بعده، وهو السبت، فيصوم الخميس مع الجمعة، أو الجمعة مع السبت، فتزول الكراهة. قال السادس عشر، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»، والحديث في الصحيحين. وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»، وهذا كذلك في الصحيحين. وعنه أيضا رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»، وهو أيضا في الصحيحين. وقد مر الكلام على هذه الأحاديث في الدروس الماضية. قال التاسع عشر، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل عليه السلام يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم القرآن، فإذا لقيه جبريل عليه السلام كان أجود بالخير من الريح المرسلة، والحديث في الصحيحين. ومر الكلام كذلك عليه في الدروس الماضية، في بيان كثرة جود النبي عليه الصلاة والسلام في سائر أيامه وأحواله، ويزداد جوده في رمضان، وهكذا إذا لقي جبريل ودارسه القرآن، أقبل النبي عليه الصلاة والسلام على فعل الطاعات والخير حتى يكون أجود بالخير من الريح المرسلة. قال العشرون، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنا نسافر مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم، والحديث في الصحيحين. وفيه جواز الصوم في السفر، وكذلك أيضا الفطر، وأن الأمر في ذلك واسع، من شاء صام في سفره، ومن شاء أفطر، ولا يعيب الصائم على المفطر، أي لا ينكر عليه، ولا ينكر المفطر على الصائم. قد كان الصحابة رضوان الله عليهم يسافرون مع النبي عليه الصلاة والسلام، منهم الصائم ومنهم المفطر، ولا ينكر بعضهم على بعض. قال حادي والعشرون، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أليس إذا حاضت لم تصلي ولم تصم؟ فذلك نقصان دينها»، والحديث رواه البخاري. حين قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكم»، قالوا: يا رسول الله، وما نقصان عقلها؟ قال: «ليس شهادة المرأة بنصف شهادة الرجل»، وأما نقصان دينها: ليس إذا حاضت لم تصلي ولم تصم، فهذا من نقصان دينها، أن إذا حاضت تركت الصلاة وتركت الصيام، فيكون هذا نقصا فيما يتعلق بأمر الدين. والشاهد منه أن الحائض إذا حاضت فلا يجوز لها أن تصلي ولا أن تصوم، بل يجب عليها ترك الصلاة والصوم. قال ثاني والعشرون، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: أرسل إلي عمر بن الخطاب رضي الله عنه يدعوني إلى السحور، وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سماه الغداء المبارك، والحديث رواه الطبراني، وصححه شيخ الألباني رحمه الله. هذا الحديث يخبر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن عمر أرسل إليه يدعوني إلى السحور، يعني دعا عمر بن عباس إلى السحور حتى يتسحر معه، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سماه الغداء المبارك، أي النبي صلى الله عليه وسلم سمى السحور الغداء المبارك، سماه الغداء لأنه يؤكل يعني في قرب الفجر، وكذلك غداء لأنه مما يتغذى به، والمبارك أي الكثير الخير، كثير الخير، البركة كثرة الخير ولزومه، فسمى النبي عليه الصلاة والسلام السحور بالغداء المبارك لكثرة خيره ومنافعه. قال الثالث والعشرون، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا وصالة في الصيام»، أخرجه أحمد، وصححه العلامة الألباني رحمه الله. لا وصالة في الصيام، هذا أيضا نهي عن الوصال، نهي عن الوصال في الصيام، والمراد به مواصلة الصيام اليوم تلو اليوم من غير أن يفطر، فهذا منهي عنه على قول جمهور أهل العلم، وهو الصحيح، ويعد من خصائص النبي عليه الصلاة والسلام هو مواصلة الصيام. أما من أراد أن يواصل فكما مر معنا في حديث أبي سعيد، رخص النبي صلى الله عليه وسلم بالوصال إلى السحر. قال رابع والعشرون، عن حمزة بن عمر رضي الله عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصيام في السفر، قال: «أي ذلك عليك أيسر ففعل»، والحديث أخرجه تمام في الفوائد، والصحيح للألباني في الصحيحة. وأصل الحديث في الصحيح، لكن بلفظ: «إن شئت فصم وإن شئت فأفطر». قال: يا رسول الله، إني رجل كثير الصيام وكثير السفر، قال: «إن شئت فصم وإن شئت فأفطر». هذا الحديث فيه أن المسافر في رمضان ينظر إلى الأيسر له في حال سفره. قال: سأل رسول الله عن الصيام في السفر، قال: «أي ذلك عليك أيسر ففعل»، يعني إن كان الأيسر عليك أن تصوم صم، وإن كان الأيسر لك الفطر فأفطر، فالأمر بذلك واسع. فإذا سافر الإنسان مثلا في مركب مريح، في طائرة، يعني السفر لمدة ساعة، والطائرة مكيفة، وليس هناك تعب، فالأفضل مع جواز الفطر، لكن الأفضل أن يصوم في مثل هذه الحالة لعدم وجود المشقة، ولأجل كما مر معنا أن يدرك فضيلة الصيام في رمضان، والصوم مع الناس أيسر وأسهل. وإن سافر سفرا فيه شيء من المشقة والتعب، كان يكون سفرا بالبر ومسافة طويلة، فله أن يفطر إن كان الأيسر له الفطر فيفطر. قال خامس والعشرون، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم يكن رطبات فعلى تمرات، فإن لم يكن حسى حسوات من ماء، والحديث رواه أحمد وأبو داود. وقد مر معنا في الدروس الماضية. السادس والعشرون، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله، وهذا أيضا مر معنا في الدروس الماضية، وفي الصحيحين. السابع والعشرون، عنها أيضا رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها، والحديث رواه مسلم، وأيضا رواه أحمد والترمذي وهو صحيح. ومر معنا كذلك الكلام عليه في اجتهاد النبي عليه الصلاة والسلام في العشر الأواخر، وكثرة جوده عليه الصلاة والسلام، واجتهاده في العبادة في العشر الأواخر من رمضان. قال الثامن والعشرون، عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «البركة في ثلاث: الجماعة، والثريد، والسحور»، أخرجه البيهقي في الشعب، والطبراني، وحسنه الشيخ الألباني رحمه الله. البركة في ثلاث: الجماعة، الجماعة يعني في الاجتماع، في حصول الجماعة البركة، لأن في الاجتماع قوة، وفي التفرق ضعف. الله عز وجل يقول: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾، فالاجتماع فيه قوة وهيبة، وكذلك أيضا يحصل التعاون والتكاتف والترابط، ولهذا حث الإسلام على الاجتماع ونبذ الفرق والاختلاف. ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، وقال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يد الله مع الجماعة»، ويقول عليه الصلاة والسلام: «الجماعة رحمة والفرقة عذاب»، فالجماعة فيها بركة، ولهذا الشريعة حثت على الاجتماع في كثير من العبادات، في صلاة الجماعة، في صلاة الجمعة، في صلاة العيدين، في غيرها من العبادات والطاعات، كذلك الصيام في جماعة، الحج في وقت واحد، يجتمع المسلمون في سائر أقطار الأرض يؤدون فريضة الحج، فالجماعة فيها بركة في كل شيء، سواء كان في باب العبادات والطاعات أو أيضا حتى في باب الأمور الدنيوية. فالاجتماع مثلا على الطعام فيه بركة، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «خير الطعام ما تكاثرت عليه الأيدي». قال: والثريد، الثريد هو الخبز الذي يطبخ مع اللحم، إذا خلط الخبز مع اللحم يسمى الثريد، فهذه الوجبة كانت من الوجبات المفضلة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، بل النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام»، فكان الثريد يعد من أفضل الأطعمة، ولزال بعض البدو يفضلون هذه الوجبة على كثير من الطعام، وهي وجبة لذيذة إذا طبخ الخبز مع المرق واللحم فيكون له طعم لذيذ. فيقول النبي صلى الله عليه وسلم في الثريد: أن فيه بركة، فيه بركة. قال: والسحور، كذلك أيضا السحور فيه بركة، ومر معنا الكلام على حديث أنس، وذكر شيء من بركة السحور. نكتفي بهذا القدر.