شرح كتاب لم الدر المنثور 29

الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 29، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

خطر مخالفة حديث النبي وعواقب المعارضين

يؤكد المحور على وجوب التسليم لأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وعدم ردها بالهوى أو العقل، مستدلاً بآيات قرآنية تحذر من مخالفة أمره. ويسوق أمثلة تاريخية لمن خالفوا النبي في حياته فابتلوا بعقوبات عاجلة كمن ارتد وكذب على الوحي، ومن تكبر عن الأكل باليمين فشلت يده.

إعجاز حديث الذباب ورد المعارضين بالعقل

يستعرض المحور إعجاز حديث الذباب الذي أمر النبي ﷺ بغمسه في الإناء لوجود الداء في جناح والدواء في الآخر، وينتقد من يرد الأحاديث الصحيحة بالعقل القاصر. ويؤكد موافقة العقل الصريح للنقل الصحيح، مشيداً بطب ابن القيم النبوي ووجوب التسليم للسنة.

وجوب التسليم لأخبار النبي وتحذير من ردها

يشدد المحور على وجوب قبول أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم والتصديق بها دون اعتراض بـ "كيف"، ويسوق قصصاً عن الإمام أحمد بن حنبل وهارون الرشيد في إنكارهما على من طعن في رواة الحديث. ويحذر من أن رد السنة بالعقل يؤدي إلى الزيغ والانحراف عن الصراط المستقيم.

دعاء الاستغفار والتوبة في ختام المجلس

يذكر المحور صيغة تسبيح واستغفار وتوبة موجهة لله تعالى، مع الإقرار بالوحدانية والحمد له رب العالمين. ويختتم الجلسة بهذا الذكر والدعاء طلباً للمغفرة والرضوان.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد، أخذنا في الدرس السابق أثرين عن إمامين جليلين: وهو الإمام الزهري رحمه الله، حيث قال: «من الله عز وجل الرسالة، وعلى رسول الله البلاغ، وعلينا التسليم». وقول الشافعي رحمه الله: «إذا رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا صحيحا فلم آخذ به، فأنا أشهدكم أن عقلي قد ذهب». وهذا يبين حرص السلف على اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، الأخذ بقوله، وعدم رده؛ لأن رد حديث النبي عليه الصلاة والسلام خطير، كما جاء في الآيات الكثيرة في قبول قوله عليه الصلاة والسلام، والتحاكم إليه، وعدم رده: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. وذكر الله عز وجل في كتابه الكريم أن من صفات المنافقين ترك الأخذ بحديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيحذر المؤمن أنه إذا قرأ عليه الحديث وتلي عليه الحديث أن يرده بشيء من هواه وعقله ورأيه، فيقع في الهلكة، ويقع في الزيغ، ويقع كذلك في الانحراف؛ لأن الزيغ والانحراف يأتي من ترك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعارضته. وقد ذكر الله عز وجل أن ذلك فتنة، فتنة يفتن بها العبد، فالله سبحانه وتعالى يبتليك، ينظر أصدقت في حبك لله وحبك لرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكذلك الأخذ بقول النبي عليه الصلاة والسلام وعدم مخالفته: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، يفتن في الدنيا ويبتلى بالعذاب في الآخرة أو في الدنيا. وقد حصل هذا في عهد النبي عليه الصلاة والسلام. والإمام أحمد رحمه الله يقول: «الفتنة الشرك، أن يبتلى بفتنة لعله يقع في كفر وشرك، والعياذ بالله». قال: «الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع الزيغ في قلبه فيهلك». وفي عهد النبي صلى الله عليه وسلم، بعض من عارضه، وبعض من خالفه، وبعض كذلك من كذب عليه في حياته، ابتلاه الله عز وجل بعد موته. فقد ذكر في بعض الأحاديث عن رجل أنه أسلم وبايع النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يكتب الوحي، ثم بعد ذلك ارتد، والعياذ بالله، فكان يقول لأصحابه: «ما يعلم محمد شيئا إلا ما أكتب له»، فكان يكتب: «السميع البصير» فيغلبها «العزيز الحكيم»، وهكذا. وبعد ذلك مات هذا الذي ارتد، مات فحفروا له أصحابه حفرة، فجاء الصباح فلفظته الأرض، أخرجته الأرض، وجاء أصحابه فقالوا: «هذا محمد وأصحابه، لأنه رجع عن دينهم»، فأكيد هم الذين نبشوا قبره وأخرجوه إلى أعلى. فحفروا له قبرا ثانيا، ولكن عمّوا هذا المكان لأجل أن لا يعلم أحد مكانه، فأصبحوا الصباح فلفظته الأرض، فلفظته الأرض. ثم حفروا له أكثر من ذلك، حفروا قبور كثيرة وطرحوه في واحد، يقولون: لعل الجماعة ما يعني يأتون إليه ولا يشعرون بمكانه. فأصبحوا وقد لفظته الأرض، فعلموا أنه من عند الله، بعد ذلك خلاص الجماعة سلموا الأرض ما قابلته. هذا الذي ارتد وكذب على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، عقب بهذا العقاب. وشخص آخر كان يأكل بشماله في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل بيمينك»، قال: «لا أستطيع». قال الراوي: قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لا استطعت»، قال: فما رفعها إلى فيه؛ لأنه ما قال هذا إلا تكبرا. قال: «تكبرا؟» قال: «لا أستطيع، لا أستطيع أن آكل بيميني». قال: «تكبرا»، وليس عن عذر، أنه ما يستطيع أن يأكل بيمينه لأنها تكون مثلا مشلولة أو به مرض أو بها جرح ما يستطيع يرفعها. قال: «لا أستطيع»، تكبرا على قول النبي صلى الله عليه وسلم. قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لا استطعت»، فما رفعها إلى إيش، إلى فيه، يعني يده شلت، شلت يده، فما استطاع أن يأكل بعد ذلك بيمينه. ورجلان في غزوة تبوك مع النبي صلى الله عليه وسلم، خرجا يجاهدان، جهاد في سبيل الله، خرجا يجاهدان في غزوة تبوك، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم في حديث زيد بن خالق: «إنها ستهب الليلة رياح شديدة، فليمسك كل شخص ببعيره، ولا يقوم منكم أحد». الليلة ستأتي رياح شديدة، من كان له بعير يربطه، ويحذرهم من الوقوف، القيام. قال: لكم يعني مستلقين، ولا يقوم منكم أحد. فقام رجلان من القوم في الليل، شوفون، يعني الكلام هذا صحيح أو لا، لأن بعضهم قد يدخلهم هذا الشك أو يخالف تعمدا، الله أعلم بنياتهم. فقام رجلان، فجاءت الريح كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فحملتهما، حملتهما، فرمتهما في جبلي طي على الأرض موتى. لا شك تأخذك مسافة، الريح شديدة، الريح سريعة، عذب الله عز وجل بها أقواما، ريح صرصر عاتية، عذب بها من قوم عاد، قوم هود، عذب بها عاد سبحانه وتعالى، وكانت تحمل الرجل وهم شداد كبار لأجسام أقوياء، ينحتون الصخور، ما ينفع، سي مع جند الله سبحانه وتعالى، سخر الله عليهم الريح سبع ليال وثمانية أيام حسومة، فكانت تحمل الشخص فتلقيه في الأرض ميتا، كأنه أعجاز نخل خاوية، مثل جذع النخلة، نخلة طويلة قوية، لكن الريح أقوى من ذلك. وهذا خالف أمر النبي عليه الصلاة والسلام، فقام، فحملتهم الريح ورمتهم في جبال طي، كما بين تبوك وطي آلاف الكيلو مترات. وهذا جزاء من خالف، وهو يقول له النبي عليه الصلاة والسلام ذلك. فبعض الناس بهواه بعقله يأتي بماذا، ويعارض أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، ظن منه أنه أذكى وأنه أعلم وأنه غير ذلك. والرسول صلى الله عليه وسلم ما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. إذا أرشدك لشيء فأعلم أنه فيه خير لك وسعادة لك. مثل حديث الزبابة، تعلمون حديث الزبابة: «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء». سبحان من علمه عليه الصلاة والسلام، علمه ربه وأدبه ربه فأحسن تأديبه. يعني ذباب يصيب في الإناء، في شراب، شاي، ماء، أي شيء، ماذا تفعل؟ تغمسه، تغمسه كلها، يغمسها لا تحت، ويطلعها ويرميها، ما يصيبك شيء أبدا. واكتشف العلم الحديث كما يقولون أن الذباب لما يقع يقع على الجناح الذي به الداء، يعني يقع في الجناح الذي به الداء، الذي فيه الجراثيم والمكروبات، يقع ويرفع الآخر. كلنا نشاهد أنه ليش الذباب هكذا مرفوعة الجناح، هذا الجناح المرفوع فيه الدواء. فتُغمسه: «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء». فمن علمه عليه الصلاة والسلام، الترابي، ترب الله عيونه، الترابي هذا قد نسبه إلى الإلحاد، هذا الترابي رد هذا الحديث، حديث الذبابة، قال: «أنا أقبل العلم من الكافر ولا أقبله من محمد». يقول: «أنا أقبل العلم من الكافر»، إيش هذا؟ طب، يقول: «هذا الطب من وين له الطب؟ هو رسول، لكن من وين له الطب؟ ما يعرف شيء في الطب». يعني يتهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيقبل العلم من الكافر، اللي هو علم الدنيوي، ولا يقبله من النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا لشق زيق من حراط ضلال، والعياذ بالله. وكما قال ابن حزم رحمه الله تعالى: «لولا التأويل لأقولنا إنه كافر». يعني إنسان يرد حديث النبي عليه الصلاة والسلام بعقله، المسلمة ماهي بالعقل، العقل الصحيح يوافق ماذا؟ النقل الصريح. في نقل، وقد ألف شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى في هذا الباب موافقة صحيح العقل لصريح النقل، كتاب يرد فيه على أصحاب العقول، من متشيعة، من معتزلة، لأن المعتزلة أكثر شيء ما يميلون إلى هذه العقلانيات، وبعض من نسب إلى الطب وغير ذلك يميل إلى هذا، مثل الرازي، الرازي هذا كان على هذه الطريقة يمشي، يعني طريقة العقل، كل شيء بالعقل، لا نقول فيه نقل. إن كان عقلك صحيح سيوافق النقل، عقلك ملخبط، لا شك أنه يحتاج إلى ماذا؟ إلى تقوية، ويحتاج إلى إعادة نظر. لأن الله سبحانه وتعالى حكيم في شرعه، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾، هو الذي خلق الخليقة سبحانه، وهو يعلم ما يصلحهم وما يفسدهم، يعلم سعادتهم، وكذلك يعلم سبحانه وتعالى ماذا، ما فيه هلاكهم. فلهذا خلق الخلق سبحانه وتعالى بقدرته، وكذلك بعلمه سبحانه وتعالى، ما يعلم وهو العليم الخبير، فأنزل هذا القرآن، وكذلك السنة على نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، السنة وحي يوحى إليه من ربه سبحانه وتعالى، ما ينطق عن الهوى. فهما وحيان، لهذا ينبغي علينا أننا نأخذ أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام ولا نردها بأهوائنا ولا بأهوائنا، كما يفعل أولئك العقلانيون. قال الرازي: «نهاية إقدام العقول عقال، وأكثر سعي العالمين ضلال، وأرواحنا في وحشة من جسومنا، وغاية دنيانا أذن ووبال، ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا». هكذا آخر شيء، يحتارون، يحتارون، وعند موته يقول: «نوت راجع إلى مذهب أهل السنة». وذكر هذا أنه لم يجد طريقة أسلم، لم يجد طريقة أسلم إلا منهج أهل السنة والجماعة، طريقة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى. فذهبت عقولهم إلى أشياء عظيمة وخطيرة جدا. ابن سينا، ذا الذي يقولون عليه دكتور أو طبيب، يسمونه بمستشفيات باسمه، هو ملحد، ملحد، وذكره شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى، وكثير ممن ينسبونهم إلى العلم، عندهم عقلانيات، عندهم عقلانيات. انظروا إلى ابن القيم رحمه الله تعالى، ذاك العالم الرباني، كيف شرح في زاد المعاد، في زاد المعاد، كتاب كامل اسمه «الطب النبوي»، الطب النبوي، وذكر فيه لأحاديث عنه عليه الصلاة والسلام في أشياء تحار فيها العقول، أشياء عظيمة، يعني عليه الصلاة والسلام، فهو كما أنه طبيب للقلوب، أيضا طبيب للأبدان، أشياء لا يمكن أن العقل إلا يقف، يحتار فيها، ويصدق برسالته عليه الصلاة والسلام، ويؤمن بها حق الإيمان. كم نفع الله عز وجل بالأحاديث النبوية من أمراض عجز عنها كبار الأطباء، عجزوا عنها، يقفون حائرين، والنبي عليه الصلاة والسلام يذكرها في حديث واحد: «ما من داء إلا وأنزل الله له دواء، علمه من علمه وجهله من جهله»، كما قال عليه الصلاة والسلام. ويذكر أشياء عليه الصلاة والسلام في الطب، كما قلنا، أشياء عظيمة تحار فيها العقول. يأتي ابن القيم يشرحها في كتاب كامل، ارجع عليه، كتاب «الطب النبوي» للإمام ابن القيم رحمه الله تعالى. حتى في المأكولات، حتى في الذي يأكله الإنسان، النبي عليه الصلاة والسلام بيّن أن هذا يكسر هذا، حر هذا يكسر برد، هذا في أشياء في الشمائل درسناها في الشمائل، النبي صلى الله عليه وسلم في باب طعام النبي عليه الصلاة والسلام، ذكره الإمام الترمذي، هذا من الفقه، من الدين الذي ينبغي لكل مسلم أنه ماذا يتعلمه؟ يتعلم هذا الباب، معقولات النبي صلى الله عليه وسلم وما أرجد إليه في صحة الأبدان، ليس فقط في صحة القلوب. فإن الأرواح هذه لازم تتغدى بالعلم، لكن كذلك حتى في ماذا؟ في الطعام والشراب الذي تأكله ويصح به بدنك، وما الذي تستطيع أن تفعله في يومك وليلتك، لك أن تكون نشيطا وقويا، مستعينا بالله سبحانه وتعالى، ولا يصيبك أذى، لا من عين، ولا من سحر، ولا من غيرهما مما يكون عند البشر من الشرور، الشرور. فهذا ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار. قالت زينب بنت عربي رحمه الله: سأل رجل ابن عمر رضي الله عنهما عن استلام الحجر، فقال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمه ويقبله». قال: «قلت: أرأيت إن زحمت؟ أرأيت إن غلبت؟» قال: «اجعل أرأيت باليمن، رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمه ويقبله». يعني ابن عمر أرشد هذا السائل أنه يستلم ويقبل الحجر كما كان عليه الصلاة والسلام، ولا يعارض برأيه وبقوله. فإن الإنسان إذا جاءه الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «سمعنا وأطعنا». «اقبلوا البشرى يا أهل اليمن»، قالوا: «قبلنا يا رسول الله». هكذا أهل اليمن، أرق قلوبا وألين أفئدة. فهذا الرجل جاء من اليمن، فحدث ابن عمر عن استلام الحجر، أن النبي صلى الله عليه وسلم استلم وقبل، على حسب ما تيسر: استطعت أن تستلمه استلمته بيدك أو بعصا وتقبل العصا، وإن لم تستطع أن تستلمه فإنك ولو من بعيد تشير إليه، فليس بالأمر الذي تزاحم عليه الناس، ولكن هذه عبادة ميسرة: استطعت على التشير، التقبيل، أو الاستلام، وإلا فبالإشارة. الرجل قالوا: «أرأيت، أرأيت، أرأيت»، فقال له ابن عمر: «اجعل أرأيت بماذا؟ بي اليمن، فقد حدثتك عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم». وهذا يدل على أن الصحابة كانوا يقبلون، كانوا يقبلون الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ويعملون بها. قال محمد بن إسماعيل الترمذي رحمه الله: «كنت أنا واحد، كنت أنا وأحمد بن الحسن الترمذي عند إمام الدين أبي عبد الله أحمد بن حنبل، فقال له أحمد بن الحسن: يا أبا عبد الله، ذكروا لابن أبي قتيلة بمكة أصحاب الحديث، فقال: قوم سوء». فقام أحمد، أبو عبد الله، وهو ينفض ثوبه، فقال: «زنديق، زنديق، زنديق»، ودخل البيت. في رواية: يطعن في أهل الحديث، ابن أبي قتيلة يطعن في العلماء، يطعن في أهل الحديث. حملوا الحديث، كان عندهم يجلونهم، الذي يحمل حديث النبي عليه الصلاة والسلام يعرفونه، الذي ينشر الحديث، الذي كذلك يعمل بالحديث. جاء واحد ذكر له هؤلاء، فقال: «هؤلاء قوم سوء». فاتهمه لإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه ما قال تلك المقالة إلا عن زندقة. لماذا يطعن في هؤلاء؟ هم حملة الدين، حملة الدين، من هم الذين يحملون السنة في قلوبهم ويبثونها في الناس بأقوالهم، يدعون الناس إليها بكل رفق ولين، ويعملون بما استطاعوا؟ فلماذا يطعن فيهم إلا إذا كان في قلبه هوى وبدعة اعتقاد سيء؟ هذا الذي يعتقد هذا في حملة أخبار النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هذا الشخص يحذر على نفسه من أن يكون في قلبه شيء من بغض أصحاب الحديث وغمزهم والطعن فيهم، فيقع في الزيغ والانحراف، عياذا بالله. وكما قال ابن عساكر رحمه الله تعالى: «لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في منتقصيهم معلومة». قال عمر بن محمد رحمه الله: كان أبو معاوية الضرير، وهو محمد بن خازم الضرير، يحدث هارون الرشيد، فحدثه بحديث أبي هريرة رضي الله عنه: «احتج آدم وموسى». يعني أن أبا معاوية الضرير كان يحدث هارون الرشيد بهذا الحديث: احتج آدم وموسى. ما هي قصة الاحتجاج بين آدم وموسى عليهما السلام؟ أن موسى قال: «أنت أبونا آدم الذي أخرجتنا من الجنة»، فكان هذا يلومه على ذلك، فقال له آدم: «أنت كليم الله الذي كلمك الله، أرأيت أن الله عز وجل كتب ذلك علي قبل أن يخلق السماوات والأرض بكذا وكذا من السنين؟» قال: فسكت موسى. هذا أمر قضاه الله وقدره الله سبحانه وتعالى، وأراد الله سبحانه وتعالى أن يقع آدم في ذلك الأمر بما كتبه من سابق علمه، وليس فيه احتجاج بالمعصية على القدر، حاشا وكلا، وإنما ذلك وقع منه بما أراد الله سبحانه وتعالى أن يقع، وآدم عليه السلام لما وقع في ذلك تاب إلى الله سبحانه وتعالى، والله عز وجل قبل منه التوبة، كما قال في سورة طه: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾. حكمة الله سبحانه وتعالى اقتضت أنه يخرج آدم وكذلك زوجه من الجنة ويبقيان في الأرض، ويكون بذلك الابتلاء للعباد، ويتكاثر النسل، ويكون منهم مؤمن وكافر، حكمة أرادها الله سبحانه وتعالى، وهذا مما قضاه الله وكتبه قبل أن يخلق السماوات والأرض بأربعين ألف سنة أو خمسين ألف سنة. فقام قال عليه الصلاة والسلام: «فحج آدم موسى». لكن فيه ناس هناك عندهم عقول ما يسلم لهذا ولا يقبل، فلهذا في هذا الحديث قال: فقال علي بن جعفر: «كيف هذا وبين آدم وموسى ما بينهما؟ يعني وين التقوا؟ متى عاش آدم ومتى عاش موسى؟ موسى في القرون المتأخرة قبل عيسى، وعيسى قبل النبي صلى الله عليه وسلم بخمسمائة عام، وآدم بينه وبين موسى قرون طويلة». وفي رواية قال: «فأين لقيا؟» النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «احتج آدم وموسى». يفترض يقول: «خلاص، قبلنا وسمعنا وأطعنا وصدقنا أن آدم وموسى التقيا واحتج موسى على آدم وخصمه آدم عليه السلام، فحج آدم موسى عليهم السلام». فهذا يقول: «أين التقيا؟» بالعقل، لا بماذا؟ بالتصديق. قال: فوثب هارون، هارون الرشيد، هذا كان يحب أهل الحديث ويقرب أهل الحديث، وكان يحب العلم، كان متدينا، رحمه الله، وقال: «يحدثك عن الرسول صلى الله عليه وسلم وتعارضه بكيف؟» قال: فما زال يقول حتى سكت عنه. وفي بعض الآثار التي روي هذا الأثر أنه قال: «عليها بالسيف، زنديق يطعن في حديث النبي صلى الله عليه وسلم». قال: فما زال أبو معاوية يخفضه، يعني هدئه، قال: «بادرة منه يا أمير المؤمنين، جهل، جهل من هؤلاء». هدئه حتى ماذا؟ حتى سكت غضب هارون الرشيد. والله كان يعطيه ماذا؟ بالسيف على عنقه، لأنه قال: «أين التقيا؟» ورد حديث النبي صلى الله عليه وسلم. قال أبو عثمان الصابوني وهو آخر أثر في الباب، قال رحمه الله: «هكذا ينبغي للمرء أن يعظم أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم والتصديق، وينكر شد الإنكار على من يسلك فيها غير هذا الطريق الذي سلكه هارون الرشيد رحمه الله مع من اعترض على الخبر الصحيح الذي سمعه بكيف». أبو عثمان الصابوني الإمام يبين هذه الواقعة، قال: «بكيف»، على طريق الإنكار له والابتعاد عنه، ولم يتلق بالقبول كما يجب أن يتلقى جميع ما يرد من الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال في عقيدة السلف: فذكر هذا الأثر في عقيدة السلف، فينبغي على المسلم التصديق والقبول لأخبار النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. نكتفي بهذا القدر، إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك. الحمد لله رب العالمين.