الدرس في القواعد والأصول الجامعة 36، ألقاها
الأمين هو من بيده المال بإذن من المالك أو الشرع، ولا يضمن التلف إذا لم يتعد أو يفرط. يشمل الأمين الوديع والوكيل والأجير وغيرهم.
الأمين لا يضمن المال إذا تلف بغير تفريط ولا تعد، وضمان الأمين يتحقق إذا تعدى أو فرط في حفظ المال. الأمثلة تشمل وضع الوديعة في غير مكان حفظها الآمن.
الأمانات مثل الأجير والمرتهن والمستعير لا تضمن إذا تلفت بغير تعدي أو تفريط. هناك خلاف حول ضمان المستعير، لكن الراجح أن العارية تجري مجرى بقية الأمانات.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في كتابه "القواعد والأصول الجامعة"، القاعدة الرابعة عشرة: التلف في يد الأمين غير مضمون إذا لم يتعدى أو يفرط، وفي يد الظالم مضمون مطلقا. أو يقال: ما ترتب على المأذون فيه فهو غير مضمون، والعكس بالعكس. هذه القاعدة لها تعلق بالقاعدة التي قبلها في ذكر الإتلاف، يستوي فيه المتعمد والجاهل والناسي. وهذه القاعدة "التلف في يد الأمين غير مضمون" إلى آخره، هي قاعدة فرعية. ومرة معنا أن هناك فرق بين الإتلاف وبين التلف. أن الإتلاف يكون بفعل الآدمي، والتلف أعم، قد يكون بفعل الإنسان، وقد يكون بآفة سماوية، قد يكون بآفة سماوية من رياح أو سيول أو أمطار أو نحو ذلك. فيقول: التلف في يد الأمين غير مضمون، ما كان فيه الحق في يد المؤتمن والمأذون له بالتصرف، فتلف بغير تعد أو تفريط، فليس عليه ضمان. وأما من كانت يده معتدية، وليس له إذن في التصرف، فإنه يضمن مطلقا، سواء تعد أو فرط أو لم يتعد أو يفرط. وما ترتب على المأذون فيه فهو غير مضمون، يعني ما أذن الإنسان في التصرف فيه فتلف من غير تعد أو تفريط، فليس عليه ضمان. والعكس بالعكس، إما ترتب على غير المأذون فيه فهو مضمون، إنسان ما عنده إذن في التصرف في مال من الأموال، فتلف هذا المال، فإنه يضمن لأنه يعتبر معتديا ظالما. قال رحمه الله: الأمين من كان المال بيده برضى ربه أو ولايته عليه. الأمين من كان المال بيده برضى ربه يعني رضى المالك، رضى المالك كمن وكلك في التصرف بشيء من المال، أو كذلك أيضا جعله وديعك. ما سيأتي أو لا يأتي عليك اليتيم، إذا كنت واليا على مال اليتيم فأنت أمين على ماله. أو كذلك يقال: من كان المال بيده بإذن من الشرع أو بإذن من المالك. الأمين من كان المال في يده بإذن من الشرع أو بإذن من المالك. قال: فيدخل فيه الوديع والوكيل والأجير والمرتهن والشريك والمضارب والوصي والولي وناظر الوقف ونحوهم. يعني يدخل في الأمين الوديع، الوديع الذي جعل المال عنده وديعة، جعل المال عنده وديعة يحفظها عنده. نحن نسميه الأمين، تقول: هذا المال أمان عندك تحفظه، هذا يسمى وديع. والوكيل الذي أمر بالتصرف في المال حال الحياة، الذي أمر بتصرف في المال حال الحياة، أنا عندي مال فأقول لك: يا فلان، أنا أوكلك أن تتصرف في هذا المال بكذا وكذا، فأنت وكيل وأنا موكل. طيب هذا الوكيل الذي يتصرف في المال بإذن من مالك في حال حياته، فالوكيل كذلك أمين. الأجير كذلك، الأجير الذي يستعمل العين المؤجرة، الذي يستعمل العين المؤجرة، أخذت سيارة استأجرتها، فأنت أمين على هذه السيارة، تسمى أجير أو مستأجر. قال: والمرتهن، المرتهن الذي بيده الرهن، الذي بيده الرهن، أخذت دين من إنسان قال لك: أريد أن أوثق هذا الدين برهن، فأتيت له برهن، أتيت له بوثيقة أرض أو أتيت له بمال أو وضعت عنده سيارة أو غير ذلك من الأموال. قال: والشريك والمضارب كذلك، المضارب، المضاربة هي نوع من أنواع الشركة، نوع من أنواع الشركة، وذلك أن تعطي المال لشخص فيعمل به، المال لك والعمل عليه، وله يعني جزء مشاع من الربح، تقول: اعمل لي هذا المال، تعمل فيه ولك نصف الربح مثلا، هذا يسمى مضارب. هذا المال الذي تأخذه من صاحبه أنت أمين عليه. قال: والوصي كذلك، الوصي هو الذي يؤمر بالتصرف بالمال بعد الموت، بعد موت الموصي، الذي يؤمر بالتصرف المال بعد موت الموصي. والولي الذي نصبه الشارع وليا على مال اليتيم، الذي نصبه الشارع وليا على مال اليتيم. وناظر الوقف كذلك أيضا ناظر الوقف، أي الوكيل عليه المتصرف فيه. هؤلاء كلهم، وغيرهم ممن له حق في التصرف في المال بإذن من الشرع أو بإذن من المالك، كل هؤلاء إذا تلف المال بأيديهم بغير تفريط ولا تعد لا يضمنون، ليس عليهم ضمان. إذا تلف المال في أيديهم بغير تعد ولا تفريط، التعدي في الاستعمال، والتفريط في الحفظ. قال: لأن هذا هو معنى الاعتمان، فالتلف في أيديهم كالتلف في يد المالك. فإن تعدوا أو فرطوا ضمينوا، فالتفريط ترك ما يجب من الحفظ، والتعدي فعل ما لا يجوز من التصرفات أو الاستعمالات، لأنهم في هذه الحال يشبهون الغاصب. يعني إذا تعدوا أو فرطوا، التلف في يد الأمين كالتلف في يد المالك لا فرق. والأمين هذا محسن، محسن في حفظه لهذا المال. والله عز وجل يقول: ﴿ما على المحسنين من سبيل﴾. فتلف هذا المال في يد الأمين كتلفه في يد المالك لا فرق، لا فرق بين أن يتلف المال في يدك وأنت المالك له، وبين أن يتلف في يد من ائتمنك إذا لم يحصل تعد أو تفريط. أما إذا حصل هناك تعد أو تفريط، وهو وضعت عنده مثلا الوديعة، إنسان وضع عندك أمانة، عطاك ذهب قال: هذا الذهب أمانة عندك، من الأمانة أن تحفظ هذا الذهب في حرزه الذي يحفظ فيه، في صندوق يكون مثلا في غرفة في البيت، فوضعت هذا الذهب في غرفة الضيوف مثلا أو في الصالة التي يلعب فيها الأولاد فسرق، فأنت ضامن. لماذا؟ لأنك فرطت ولم تحفظ هذه الوديعة التي ائتمنت عليها بأن تضعها في حرزها، فأنت ضامن. لكن إذا وضعته في محله، وضعته في الصندوق وأقفلت عليه وقدر الله أن يسرق، فهنا ليس عليك شيء لأنك لم تتعدى أو تفرط. كذلك الأجير مثلا استأجرت سيارة، استأجرت سيارة على أنك تعمل فيها، ونبهت على أنك لا تمشي فيها بالأماكن الوعرة أو لا تحملها فوق طاقتها، فمررت بهذه السيارة في أماكن وعرة فتلفت، أو حملتها فوق طاقتها فتلفت، فعليك الضمان لأنك تعديت، لأنك تعديت فأنت ضامن. لكن لو تلفت من غير تعدي أو تفريط فليس عليك شيء لأنك أمين، وتلف المال في يد الأمين كتلفه في يد مالك. كذلك المرتهن، عندك رهن، وهذا الرهن أمان عندك، مثلا وضع عندك سيارة أمانة رهن مقابل الدين الذي أخذه، مثل هذا الرهن لا يجوز لك أن تستعمله، لا يجوز لك أن تستعمله، فأخذت السيارة وذهبت تتمشى فيها فصدمت، فأنت ضامن. لماذا؟ لأنك متعدي، ليس لك حق في استعمالها، فتلفت بسبب التعدي، فأنت ضامن لها. وكذا قل في بقية الأنواع التي ذكرها المؤلف رحمه الله. فإذا حصل التلف في هذه الأموال من غير تعد أو تفريط فليس عليه شيء، ولا ضمان عليه. وإن تلفت بتعد أو تفريط فهو ضامن. قال: لأنهم في هذه الحال يشبهون الغاصب، يعني إذا حصل منهم التعد أو التفريط فهم كالغاصب الذي يأخذ المال بغير حق، فهو ضامن مطلقا، سواء تعدى أو لم يتعدى أو فرط أو لم يفرط. قال: لو يستثنى من الأمناء المستعير، فإنه ضامن في قول كثير من أهل العلم إذا تلفت العين المستعارة بيده في غير ما استعيرت له، ولو لم يفرط أو يتعدى، كما هو المشهور من مذهب الإمام أحمد. والقول الثاني أصح، وهو أن العارية تجري مجرى بقية الأمانات. قال: يستثنى من الأمناء المستعير الذي يأخذ عارية، العارية أن تأخذ يعني شيء تستعمله ثم ترده إلى صاحبه، تأخذ فأسا أو منشارا مثلا أو أي شيء تحتاج له فتستعيره من صاحبه تنتفع به ثم ترده إليه. فيقول: في مذهب الإمام أحمد أن المستعير يضمن مطلقا، سواء حصل منه تعد أو تفريط أو لم يحصل منه تعدي أو تفريط. ورجح الإمام السعدي رحمه الله أن العارية تجري مجرى بقية الأمانات، أن العارية تجري مجرى بقية الأمانات، إن حصل فيها تعد أو تفريط ضمن، وإن لم يحصل فيها تعد أو تفريط فلا ضمان عليه. هذا هو الصحيح، أن القاعدة على عمومها، التلف في يد الأمين غير مضمون، ومنها العارية. إذا استعار الإنسان عينا ينتفع بها فتلفت من غير تعد أو تفريط فليس عليه ضمان. وأما إن تعد أو فرط فهو ضامن. مثاله: استعار منشارا، منشار خشب، فأخذ هذا المنشار واستعمله في الحديد، أراد أن يقص به حديدا فتلف المنشار، هل عليه ضمان؟ الجواب: نعم، لأن هذا تعدي، هذا المنشار يعني يستعمل في الخشب، فكيف يستعمله في الحديد؟ هذا تعدي منه، فعليه الضمان. لكن أخذه يستعمله في الخشب، وتلف إن كسر أو حصل له شيء من غير أن يتعد أو يفرط، فليس عليه شيء، ليس عليه شيء لأنه لم يتعد أو يفرط. طيب فتجري العارية مجرى بقية الأمانات في أنها لا تضمن إلا بالتعدي أو بالتفريط، هذا هو الصحيح. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.