الدرس في التعليق على لامية شيخ الإسلام ابن تيمية 6، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض الشارح المرداوي مناقب علي بن أبي طالب الكثيرة مبيناً أنه رابع الخلفاء الراشدين بعد أبي بكر وعمر وعثمان ومن العشرة المبشرين بالجنة. كما يسرد قصة اغتياله على يد ابن ملجم الخارجي الذي خانه بدافع مهر امرأة خارجية فضربه في صلاة الفجر محتجاً بشعار الخوارج.
ضرب ابن ملجم علياً بسيف مسموم فأصابت الضربة دماغه وعجز الأطباء عن إنقاذه فأوصى علي بالعفو أو القصاص. وبعد وفاته نُفذ القصاص في ابن ملجم بقطع يديه ورجليه وتحريقه ودُفن علي في دار الإمارة بالكوفة عن ثلاث وستين سنة.
يتناول المقطع تحليل موقف الخوارج الذين استحلوا قتل علي وعدّوه قربة مع ذكر مدح عمران بن حطان لابن ملجم بالشعر. ويرد عليه بأبيات تفضح جريرته وتمدح علي بفضائله وتشبه قاتله بقاتل ناقة صالح داعية عليهما باللعن وسوء المصير.
يُذكر قول عمارة اليمني الذي يمدح الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم مشيراً إلى أن من أراد التأسي في مصيبته فليعتبر بمصيبة المسلمين في رسول الله ﷺ. ويختم المتحدث بالاكتفاء بهذا القدر مع الوعد بإكمال الدرس لاحقاً.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد، قال الشارح المرداوي رحمه الله في ذكره لفضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم: فقد ذكر فضل أبي بكر، ثم فضل عمر، ثم فضل عثمان رضي الله عن الصحابة جميعاً. ثم قال: وبعده في الأفضلية، يعني بعد عثمان، وبعده في الأفضلية والتقديم والخلافة أمير المؤمنين رابع الخلفاء علي بن أبي طالب رضي الله عنهم. قال: مناقبه كثيرة جداً، فمناقبه من حيث العدد أكثر من غيره من الصحابة. لكن قال العلماء: كثرة الفضائل لا تدل على التقديم في الأفضلية. كثرة الفضائل لا تدل على التقديم في الأفضلية؛ لأن الرافضة يقولون: كيف أنتم تقولون يا أهل السنة إن فضائل علي أكثر من فضائل غيره من الصحابة ثم لا تقدمونه في الأفضلية؟ فالجواب: أن كثرة الفضائل لا تدل على التقديم في الأفضلية؛ لأن العبرة بنوعية هذه الفضائل لا بكثرتها. فرب فضيلة واحدة تفضل على عشرات الفضائل. فهمتم هذا الآن؟ يعني قد تأتي فضائل كثيرة لكن هذه الفضائل الكثيرة ليست في القوة مثل تلك الفضائل القليلة. ليست في القوة من حيث نوعية هذه الفضيلة أو تلك الفضائل، فالعبرة بالكيف لا بالكم، لا بكمية وكثرة الفضائل، ولكنها بكيفية هذه الفضائل. فهكذا رد أهل السنة على مثل هذه الشبهة. فنعم، علي فضائله أو مناقبه كثيرة جداً، ولكن في الأفضلية فهو في المرتبة الرابعة بعد أبي بكر وعمر وعثمان. قال: فهو أحد العشرة على التقديم في الأفضلية. كثرة الفضائل لا تدل على التقديم في الأفضلية. قال: قال مناقبه كثيرة جداً، فهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وهذا تقدم معنا، وهذا تقدم معنا كثيراً، سيأتي بيانه أيضاً من كلام الشارح. قال: وصهره عليه السلام؛ لأنه تزوج ابنته فاطمة رضي الله عنها، وأحد الخلفاء الراشدين، والشجعان المشهورين. فهو كان من المبارزين، وكذلك المجاهدين المشهورين بالشجاعة والإقدام. وهو الذي جعله النبي عليه الصلاة والسلام على فراشه حين هاجر، فهذا يدل على شجاعته. قال: وزه المذكورين وأبو السبطين الشهيدين، يعني الحسن والحسين، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يحبهما حباً شديداً. أسلم قديماً، وقد تقدم معنا أنه أول من أسلم من الغلمان، على ما حققه بعض أهل العلم: أن أول من أسلم من الرجال الكبار أبو بكر، ومن الغلمان علي بن أبي طالب رضي الله عنه. قال: وَلَهُ مَنَاقِبَ قَدْ دُوِّنَتْ فِي مُجَلَّدَاتِ أَهْلِ السُّنَّةِ. قَالَ إِمَامُنَا الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: ما جاء لأحد من الفضائل ما جاء لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وعن بقية الصحابة أجمعين. ويريد بي الفضائل يعني كثرة الفضائل كما تقدم. كثرة الفضائل فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث سهل بن سعد: «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ». فأثبت له النبي صلى الله عليه وسلم محبة الله ورسوله، وقال له: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى». وفضائل مناقب كثيرة جاءت في حقه رضي الله تعالى عنه وأرضاه. قال: مات شهيداً كصاحبيه، يعني عمر وعثمان رضي الله تعالى عنهما. قتله ابن ملجم الخارجي لعنه الله. وسبب ذلك، يعني من الذي دفعه إلى هذا؟ سيذكر قصة قتل ابن ملجم لعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. قال: وسبب ذلك أن ابن ملجم خطب قطام بنت علقمة من تيم الرباب الخارجية، يعني امرأة تدين بمذهب الخارج، بمذهب الخارج. اسمها قطام، قطام على وزن حذامي، قطام على وزن حذام فعال. قال: وكانت قطام جميلة، وهذه المصيبة خطبها، وكانت خارجية، فطمعت في قتل علي رضي الله عنه؛ لأن الخوارج من مذهبهم التكفير، فهم يرون كفر الصحابة ومنهم علي بن أبي طالب. قال: فخطبها، وقالت: مهري ثقيل، مهري ثقيل عليك، تريد تتزوجني لشرط في المهر. فقال لها: ما هو؟ ماذا تريدين؟ وقد طمع في جمالها وحسنها. فقالت: ثلاثة آلاف وعبد وقينة. ثلاث آلاف وعبد وقينة، يعني أمه، وقتل علي بن أبي طالب. انظر إلى هذا المهر، تريد تتزوجني وفر لي هذه الأشياء الأربعة: ثلاثة آلاف تعطيني ثلاثة آلاف، وكذلك طبعاً ثلاثة آلاف درهم، وكذلك عبد وأمه، وقتل علي بن أبي طالب. إذا حققت هذه الأربعة فاعتبرني، فاعتبرني زوجة لك. هذا المهر، نعم. فقال: والله ما أتيت إلا للفتك به. قال: لا، ما أتيت وخطبتك إلا من أجل أن أقتل علياً. فبدأ في تحقيق ما أرادت. فماذا فعل؟ قال: ثم إنه اشترى سيفاً بألف درهم، ماذا يريد بهذا السيف؟ ليقتل علياً رضي الله عنه. وانظر إلى قيمة هذا السيف، قيمة باهظة تدل على فخامة وقوة هذا السيف. قال: وسقاه السم، يعني جعل فيه سماً حتى إذا ضرب واخترق انتشر السم في جسد علي رضي الله عنه. ما كان عندهم البنادق والآليات والرصاص، كانت هذه أسلحتهم. قال: فخرج، يعني ابن ملجم، ابن ملجم الخارجي، فخرج وجلس مقابل السدة، يعني بوابة بيت علي رضي الله عنه التي كان يخرج منها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه. فخرج علي لصلاة الصبح، يعني الفجر، فضربه ابن ملجم الخارجي على رأسه ضربة قوية تدل على حقد وغل وكفر والعياذ بالله. وإذلك قال: فضربه ابن ملجم الخارجي على رأسه، وقال: الحكم لله لا لعلي وأصحابه. وهذا كان شعار الخوارج في ذاك العصر: «إن الحكم إلا لله». كما قال علي: كلمة حق أرادوا بها باطلة، فهم يريدون أن علياً حكم الرجال ولم يحكم الشرع. وقد رد على هذه الشبه ابن عباس لما ناظرهم، وقال لهم: ماذا قال لهم؟ أيهما أفضل أو أيهما يعني أحق: تحكيم الرجال في بضع امرأة أو في حقن دماء المسلمين؟ قالوا: لا، في حقن دماء المسلمين. فذكر لهم الآية: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾. حكم الله عز وجل الرجال في الاختلاف بين الزوجين، وهذا في الصلح، فلا بأس من تحكيم الرجال في أمر الصلح الذي لا يخالف الشرع. وهكذا ذكر لهم تحكيم الرجال في صيد المحرم: إذا صاد المحرم يحكم به ذوا عدل منكم. فحاجهم ورجع منهم من رجع، وأبى وأصر من أصر ممن اتبع هواه. فلما ضرب ابن ملجم علياً قال: الحكم لله لا لعلي وأصحاب. فقال علي: «فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ»، لأنه علم أنه قتل من أعدائه فهو شهيد رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهذا هو الفوز الحقيقي. فقال: «فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ». ثم قال: «لَا يُفْلِتُنَّ مِنْكُمُ الْكَلْبُ»، يعني هذا الذي ضرب، لا تجعلوه يهرب ويفر. وشد الناس عليه من كل جانب حتى أوثقوه في الحبال، يعني أمسكوه، أمسكه الصحابة وربطوه بالحبال، وأصبح في قبضة الصحابة رضي الله تعالى عنهم. قال: فأدخل ابن ملجم لعنه الله على علي بن أبي طالب رضي الله عنه. فقال: إن أعش، يعني علي قال رضي الله عنه وهو لا يزال يتألم من هذه الضربة ولم يمت بعد: «فَإِنْ أَعِشْ فَالْأَمْرُ لِي، أَنَا سَأحْكُمُ فِيهِ، وَإِنْ أَمُتْ فَلَكُمُ الْعَفْوُ أَوِ الْقِصَاصُ، الْأَمْرُ إِلَيْكُمْ». قال: واجتمع الأطباء عنده، يعني عند علي، كي يجد له علاجاً من هذه الضربة، والضربة كانت في الرأس بسيف، ضربة قوية بسيف قيمته ألف درهم، وجهز له وسقاه السم. فانظروا إلى خبث الخوارج. فاجتمع الأطباء عنده عند علي رضي الله عنه، وكان أبصرهم بالطب أثير بن عمر، وكان من أطباء كسرى. ومعنى أبصرهم يعني أفضل الأطباء في ذاك العصر، رجل اسمه أثير بن عمر، وقد أخذ الطب لعله من أطباء كسرى. قال: فأخذ رئة، أو رئة شاة، الرئة حارة يعني ساخنة، فأخذ عرقاً منها، يعني من هذه الرئة؛ لأن هذا العرق لطيف ولا يؤثر إذا أدخل في فتحة الرأس. قال: فأدخله في جراحة علي رضي الله عنه، وهذا دليل على أن هذا السيف يعني أوجد جراحة في رأس علي رضي الله عنه. قال: ثم نفخ العرق، العرق يكون يعني فيه فراغ في الوسط، فنفخ فيه حتى ينظر هل هناك تكسر في الدماغ أو نحو ذلك. قال: ثم نفخ العرق فاستخرجه، فإذا عليه بياض دماغ، بمعنى أن السيف يعني نزل إلى الدماغ، إلى الدماغ، وأثر على الدماغ. وهذا يدل على تعسر علاجه. قال: وإذا بالضربة قد وصلت إلى أم رأسه، يعني إلى المكان المهم في الرأس وهو وسط الرأس، أم الرأس. فقال أي هذا الطبيب: يا أمير المؤمنين، أعهد عهدك، فأنت ميت، لأن هذا لا علاج له، عندهم تكسر الدماغ. فقال: وسمع ابن ملجم الرنة من الدار، عن الصوت، فقال له من حضره، يعني ابن ملجم: لا بأس على أمير المؤمنين. فقال له ابن ملجم لعنه الله: على من تبكي أم كلثوم؟ أعلي تبكي؟ أما والله لقد ضربته ضربة... هكذا يقول هذا الخبيث، يعني ضرب علياً. قال: لقد ضربته ضربة لو قسمت على أهل الكوفة لأتت عليهم، يعني لقوتها وشدتها، يريد أن يقول أنها ضربة قوية لا يسلم منها كثير من الناس. لو قسمت على أهل الكوفة لأتت عليهم، يعني لأثرت فيهم جميعاً، وهذا من المبالغة في إرادته قوة الضربة. قال: ثم مات أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ليلة الأحد، سبع عشرة مضت من رمضان، سنة أربعين من الهجرة. فكم كانت خلافته؟ عندك متى توفي عثمان حتى ولي علي الخلافة؟ سنة خمس وثلاثين، وتوفي سنة أربعين، كم سنوات؟ قرابة خمس سنوات. ليش؟ خمس وثلاثين وأربعين، كم صار المجموعة؟ خمس سنوات. لا بأس على أمير المؤمنين... تقصد تقصد يعني وسمع ابن ملجم من الدار يعني السمع، يعني سمع ما قاله الطبيب من أن علياً سيموت بسبب الضربة. فقال له من حضره، يعني ابن ملجم... يعني قال له من حضره يعني ابن ملجم: لا بأس على أمير المؤمنين. يعني قال أحد من كان في الدار: لا بأس على أمير المؤمنين. أي نعم، من كان في الدار. لكن قال ابن ملجم بعد ذلك، يعني قال له ابن ملجم لعنه الله... يعني ابن ملجم قال لمن قال لا بأس على أمير المؤمنين. فهمت؟ قال: على من تبكي أمك الثوم... يعني يقصد، يعني يقصد والله أعلم النساء التي من أقارب علي رضي الله عنه. ثم بينا أنه قتل أو ضرب ضربة قوية، هذا المراد، والله أعلم. قال: ثم مات أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ليلة الأحد، سبع عشرة مضت من رمضان، سنة أربعين من الهجرة. وغسله الحسن والحسين أبناؤه، وعبد الله بن جعفر. ماذا يقرب عبد الله بن جعفر لعلي؟ نعم، ولد علي بن أبي طالب وجعفر بن أبي طالب فهو عمه. تمام، علي بن أبي طالب عم عبد الله بن جعفر، جعفر بن أبي طالب وعلي بن أبي طالب. قال: وصلى عليه الحسن ابنه، ودفن بدار الإمارة بالكوفة على الصحيح؛ لأن الإمارة تحولت من المدينة إلى الكوفة في آخر حياة علي رضي الله عنه. ثم أحضر ابن ملجم بعدما مات علي، الآن الحكم لمن؟ للصحابة. لأن قال علي رضي الله تعالى عنه كما تقدم لما قال له: أعهد، فقال له: ماذا؟ فقال له: لهم: «إِنْ أَعِشْ فَالْأَمْرُ لِي، وَإِنْ أَمُتْ فَلَكُمُ الْعَفْوُ أَوِ الْقِصَاصُ». فأحضر ابن ملجم، عليه من الله ما يستحق، وقطعت يداه ورجلاه وهو حي. وهذا الحكم قد ورد في أهل المحاربة، صح: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾. وتسميل الأعين ورد في السنة كذلك، وكحلت عيناه بمسامير، من حديث محلم. ثم أحرق في قوسرة، وأنكر بعض الصحابة إحراقه؛ لأنه لا يعذب بالنار إلا رب النار. ولكن هذا اجتهاد منهم رضي الله عنهم وأرضاهم. قال: وكان عمر أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ثلاثاً وستين سنة، كأبي بكر وعمر. لما توفي كان السن ثلاثاً وستين، وهذا السن الذي توفي فيه أبو بكر، ثم توفي فيه عمر. قال: كعمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو العمر كذلك الذي توفي فيه النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا من موافقة الأقدام. توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين سنة، وتوفي أبو بكر وهو ابن ثلاث وستين سنة، وكذلك عمر، وكذلك علي رضي الله عنهم جميعاً. قال: وقتلت قطام... من هذه قطام؟ ما ظفرت بمطلوبها، وما ظفر بمطلوبه... نعم، المرأة الخارجية التي كانت سبباً في حث ودفع هذا الخارجي لقتل علي رضي الله عنه. قال: والله أعلم. قال: قال العلامة محمد بن الحاج أحمد السفاريني الحنبلي في شرح عقيدته المشهور، ما نصه: قلت: ولا يخفى أن ابن ملجم الخارجي لعنه الله استحل قتل أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، يعني جعله حلالاً، بل عد قتله من أعظم القرب، جعل هذا قربى يتقرب بها إلى الله. وهذا حال الخوارج، انظر، يعطونهم يعني حزام ناسف، يقول لك: هذا قرب إلى الله، ويقتل من يقتل، ربما عالم من العلماء أو داعي من الدعاة، ويظن أن هذا من التقرب إلى الله. يتقربون إلى الله بهذا وهم في الحقيقة يتقربون إلى جهنم وساءت مصيراً، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فهكذا ذكر السفاريني أن ابن ملجم الخارجي استحل قتل أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، بل عد قتله من أعظم القرب، وهذا كفر بلا ريب، ولذلك كفره الصحابة رضي الله عنهم؛ لأنه استحل قتل أمير المؤمنين. قال: حتى أن عمران بن حطان الخارجي قبحه الله، قال يمدح ابن ملجم لعنه الله تعالى: يَا ضَرْبَةً مِنْ تَقِيٍّ مَا أَرَادَ بِهَا إِلَّا لِيَبْلُغَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ رِضْوَانًا إِنِّي لَأَذْكُرُهُ يَوْمًا فَأَحْسِبُهُ... أَوْ فَأَحْسِبُهُ بِالضَّمِّ صَحٍّ نَعَمْ، أَنَّ مَا فِيهِ هُنَاكَ نَاصِرٌ... قَالَ: إِنِّي لَأَذْكُرُهُ يَوْماً فَأَحْسِبُهُ أَوْفَى الْبَرِيَّةِ عِنْدَ اللَّهِ مِيزَانًا. وما معنى هذين البيتين؟ يقول: أن هذه الضربة الذي ضربها ابن ملجم ضربة من تقي. انظر كيف الخوارج يشجع بعضهم بعضاً ويسني بعضهم على بعض. قال: قال ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضواناً، لينال رضا الله. أي رضا هذا؟ لينال غضب الله، ليس رضا الله، ولكن هكذا الانحراف في العقيدة والمنهج. ثم قال: إني لا أذكره يوماً... يذكر من ابن ملجم، هذا عمران بن حطان يذكر ابن ملجم، فأحسبه أوفى البرية عند الله ميزان، يعني من أفضل الناس في ميزان الله، من أفضل الناس. ومعنى أحسبه: أعتقده. فتأتي للعلم: أحسبه، وتأتي كذلك للظن، لكن هنا أراد بها العلم واليقين. ولكن رد عليه أهل السنة، رد على عمران بن حطان، ولذلك قال: وعارضه بعض أهل الحق، يعني بعض أهل السنة، بقوله: قُلْ لِابْنِ مُلْجِمٍ وَالْأَقْدَارُ غَالِبَةٌ هَدَمْتِ وَيْلَكِ لِلْإِسْلَامِ أَرْكَانَا بِقَتْلِكِ مَنْ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ... نَعَمْ، هَذِهِ ثُلْمَةٌ فِي الْإِسْلَامِ، قَتَلْتِ أَفْضَلَ مَنْ يَمْشِي عَلَى قَدَمٍ، وَأَوَّلَ النَّاسِ إِسْلَامًا وَإِيمَانًا، يَعْنِي عَلِيًّا، وَهَذَا مِنْ فَضَائِلِهِ، وَأَوَّلَ النَّاسِ يَعْنِي مِنَ الْغِلْمَانِ، وَأَعْلَمَ النَّاسِ بِالْإِيمَانِ، ثُمَّ بِمَا سَنَّ الرَّسُولُ لَنَا شَرْعًا وَتَبْيَانًا، أَيَّ أَنَّهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ، صِهْرُ النَّبِيِّ وَمَوْلَاهُ وَنَاصِرُهُ. عِنْدَكُمْ صِهْرٌ وَلَا صِهْرٌ، صِهْرٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ. قَالَ: صِهْرُ النَّبِيِّ وَمَوْلَاهُ وَنَاصِرُهُ، أَضْحَتْ مَنَاقِبُهُ نُورًا وَبُرْهَانًا. يَعْنِي صِهْرُ النَّبِيِّ مُتَزَوِّجٌ عَلَى ابْنَتِهِ، وَمَوْلَاهُ يَعْنِي كَانَ بِجَانِبِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ أَوَّلِ نَشَأَتِهِ، فَقَدْ أَسْلَمَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ غُلَامٌ صَغِيرٌ، وَلَا يَزَالُ مَعَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حَتَّى تُوُفِّيَ. قَالَ: وَكَانَ مِنْهُ عَلَى زَعْمِ الْحَسُودِ لَهُ مَكَانُ هَارُونَ مِنْ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ. وَهَذَا فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى». قَالَ: وَكَانَ فِي الْحَرْبِ سَيْفًا مَاضِيًا ذُكْرًا. عِنْدَكُمْ ذُكْرًا الْكَافَ مَاذَا عَلَيْهَا ضَارَّةً ذُكْرًا مِنْ الذِّكْرِ. وَكَانَ فِي الْحَرْبِ سَيْفًا مَاضِيًا ذُكْرًا، لَيْثًا إِذَا لَقِيَ الْأَقْرَانَ، أَقْرَانٌ، لَيْثًا يَعْنِي أَسَدًا. وَكَمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ مَشْهُورٌ بِالشَّجَاعَةِ وَالْمُسَايَفَةِ. أَيْضًا ذَكَرَتْ قَاتِلَهُ وَالْبُكَاءُ مُنْحَدِرٌ، فَقُلْتُ: سُبْحَانَ رَبِّ الْعَرْشِ، سُبْحَانَهُ، إِنِّي لَأَحْسِبُهُ مَا كَانَ مِنْ بَشَرٍ يَخْشَى الْمُعَادَ، وَلَكِنْ كَانَ شَيْطَانًا. يَعْنِي ابْنَ مُلْجِمٍ... يَعْنِي ابْنَ مُلْجِمٍ يَرُدُّ عَلَى عَمْرَانَ بْنِ حَطَّانَ، وَقَالَ: أَحْسِبُهُ مِنْ مَاذَا؟ قَالَ: فَأَحْسِبُهُ أَوْفَى الْبَرِيَّةِ عِنْدَ اللَّهِ مِيزَانًا. فَهَذَا السَّنُ... مَاذَا قَالَ؟ وَإِنِّي لَأَحْسِبُهُ مَا كَانَ مِنْ بَشَرٍ، لَيْسَ مِنْ بَشَرٍ يَخْشَى الْمَعَادَ، وَلَكِنْ كَانَ شَيْطَانًا. هُوَ شَيْطَانٌ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَقْرَبِ النَّاسِ مِيزَانًا كَمَا يَقُولُ ابْنُ حَطَّانَ. أَشْقَى مُرَادٍ إِذَا عُدَّتْ قَبَائِلُ... يَعْنِي مِنْ قَبِيلَةِ مُرَادٍ، أَنَّهُ مِنْ أَشْقَى الْقَوْمِ وَأَبْخَسِ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مِيزَانًا، هَذَا ابْنُ مُلْجِمٍ. ثُمَّ شَبَّهَهُ بِهَذَا التَّشْبِيهِ، قَالَ: كَعَاقِرِ النَّاقَةِ الْأُولَى الَّتِي جَلَبَتْ عَلَى ثَمُودَ بِأَرْضِ الْحِجْرِ قَسْرَانًا. يَعْنِي يُشِيرُ إِلَى ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾، وَهُوَ رَجُلُ قَوْمِ صَالِحٍ الَّذِي نَحَرَ النَّاقَةَ أَوْ قَتَلَ النَّاقَةَ، فَشَبَّهَهُ بِذَلِكَ الشَّقِيِّ. قَدْ كَانَ يُخْبِرُهُمْ أَنَّ سَوْفَ يَخْضِبَهَا قَبْلَ الْمَنِيَّةِ أَزْمَانًا، فَأَزْمَانًا، فَلَا عَفَا اللَّهُ عَنْهُ مَا تَحْمِلُهُ، وَلَا سَقَى قَبْرَ عَمْرَانَ بْنِ حَطَّانَ. هَذَا كُلُّهُ دُعَاءٌ عَلَى هَذَا الشَّقِيِّ وَعَلَى مَنْ يُثْنِي عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ فِي شَقِيٍّ ظَلَّ مُجْتَرِمًا، وَنَالَ مَا نَالَهُ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا. يَا ضَرْبَةً مِنْ تَقِيٍّ مَا أَرَادَ بِهَا إِلَّا لِيَبْلُغَ عِنْدَ اللَّهِ رِضْوَانًا. بَلْ ضَرْبَةً مِنْ غَوِيٍّ أَوْرَدَتْهُ لَظًى. لَيْسَ ضَرْبَةً مِنْ تَقِيٍّ كَمَا يَقُولُ عَمْرَانُ بْنُ حَطَّانَ، بَلْ هِيَ ضَرْبَةٌ مِنْ غَوِيٍّ غَارِقٍ فِي الْغَوَايَةِ وَالضَّلَالَةِ. بَلْ ضَرْبَةً مِنْ غَوِيٍّ أَوْرَدَتْهُ لَظًى، فَسَوْفَ يَلْقَى بِهَا الرَّحْمَنَ غَضْبَانًا. كَأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ قَصْدًا بِضَرْبَتِهِ إِلَّا لِيَصِلَ عَذَابَ الْخُلْدِ نِيرَانًا. نَعَمْ، مَا يَنَالُ مِنْ هَذِهِ الضَّرْبَةِ إِلَّا نَارُ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا. إِنِّي لَأَذْكُرُهُ يَوْمًا فَأَلْعَنَهُ... يَعْنِي يَذْكُرُ ابْنَ مُلْجِمٍ. طَيْبٌ، فَمَا يَحْسِبُ أَثَقَ النَّاسِ مِيزَانًا؟ إِنَّمَا يَلْعَنُهُ لِأَنَّهُ قَتَلَ خَيْرَ الْبَرِيَّةِ عَلِيًّا. إِنِّي لَأَذْكُرُهُ يَوْمًا فَأَلْعَنُهُ أَيْضًا، وَأَلْعَنُ عَمْرَانَ بْنَ حَطَّانَ لِأَنَّهُ أَثْنَى عَلَى هَذَا الشَّقِيِّ. قَالَ: وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ عَمَارَةَ الْيَمَنِ فِي الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ: أَرَادَتْ عَلِيًّا وَعُثْمَانَ بِمِخْلَبِهَا وَلَمْ تَفُتْهَا أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ وَمَنْ أَرَادَ التَّأَسِّي فِي مُصِيبَتِهِ فَلِلْوَرَى فِي رَسُولِ اللَّهِ مُعْتَبَرٌ. يَعْنِي مَنْ حَزِنَ عَلَى حَبِيبٍ أَوْ غَرِيبٍ فَلْيَذْكُرْ مُصِيبَتَنَا فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ. طَيْبٌ، نَكْتَفِي بِهَذَا وَنُكْمِلُ مَا بَقِيَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي دَرْسٍ قَادِمٍ.