الدرس في التعليق على لامية شيخ الإسلام ابن تيمية 15، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع قول ابن تيمية إن كل مكلف يقارنه عمله في القبر خيراً أو شراً مستدلاً بالأحاديث والآيات. يؤكد أن هذا من عقيدة أهل السنة في أحكام القبر وثبوت السؤال فيه.
يؤكد المقطع أن نعيم القبر وعذابه حق ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأئمة الأربعة. يستدل بآية عرض آل فرعون وحديث عرض المقعد وتعوذ النبي صلى الله عليه وسلم.
يبيّن المقطع تناقض من ينتسب للأئمة في الفقه ويخالفهم في أصول العقيدة كنفي الصفات وبناء القبور. يؤكد أن اعتقاد الأئمة هو اعتقاد السلف فمن خالفهم وابتدع فلا عبرة به.
يختتم المتحدث الجلسة بالدعاء لله أن يعين على العمل بما ذُكر والاعتقاد به ويرزق الإخلاص. ثم ينهي المجلس بالسلام والدعاء بالخاتمة الحسنة.
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. وبعد: قال شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله في منظومته المنسوبة إليه: «ولكل حي عاقل في قبره عمل يقارنه هناك ويسأله». فقوله: «ولكل حي عاقل» أي: كل مكلف، فيريد بالعاقل الذي تجري عليه الأحكام الشرعية، وهو العاقل البالغ، فخرج بهذا المجنون والصغير ونحو ذلك، فهؤلاء لهم حكم آخر. فكل مكلف في قبره عمل يقارنه، ومعنى «يقارنه» يرافقه، فلا يرافق الإنسان في قبره شيء كان معه في الدنيا إلا العمل، سواء كان خيرا أو شرا. قد جاء في حديث أنس الصحيح قال عليه الصلاة والسلام: «يتبع الميت ثلاثة: أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد: يرجع أهله وماله، ويبقى عمله». فالذي يبقى مع الميت هو العمل، ليس المال، وليست السيارة، وليست الزوجة والولد، وإنما الذي يبقى مع الإنسان في قبره هو عمله، هو عمله. فإن كان صالحا فنعم الرفيق، وإن كان سيئا فبئس الرفيق. وقد جاء في ذلك أحاديث، منها حديث البراء الطويل المشهور: أن الميت وهو في قبره، إن كان مؤمنا صالحا يأتيه رجل على أحسن هيئة وعلى أطيب ريح، فيقول له هذا الرجل الصالح: «من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يأتي بالخير»، فيقول له: «أنا عملك الصالح، أنا عملك الصالح». وأما الرجل الكافر أو الفاجر فيأتيه عمله على صورة رجل كريه المنظر منتن الريح، فيقول له هذا الميت: «من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يأتي بالشر»، ويقول له: «أنا عملك السيء». فانظر كيف أن العمل يقارن ويرافق الإنسان في قبره. ومن القرآن استدل العلماء بقول الله عز وجل وذلك في السؤال: ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ﴾. قال: «عمل يقارنه هناك ويسأل»، أي: يسأل كل ميت في قبره، يسأل كل ميت في قبره، كما جاء أيضا في حديث البراء الطويل، وهذا الحديث أصل في ما يتعلق بما يقع في القبر، ورواه الإمام أحمد وصححه العلامة الألباني كما في «أحكام الجنائز». فيأتي الملكان ويسألان هذا الرجل الميت، يقولان له: «من ربك؟ وما دينك؟ وما هذا الرجل الذي بعث إليك؟» فإن كان هذا الرجل صالحا أجاب بكل طلاقة، فيقول: «ربي الله، وديني الإسلام، والرجل الذي بعث إلي نبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم». وأما الكافر أو الفاجر فلا يستطيع الجواب، فيقول: «هاه، لا أدري». وهذا يدل عليه قوله تعالى: ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ﴾، ففسر بسؤال القبر، وقد جاء معنى ذلك في الصحيحين، وزاد مسلم: «فيقال له: من ربك؟ فيقول المؤمن: ربي الله، ونبيي محمد». فذاك قوله: ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ ﴾، هكذا جاء في صحيح مسلم من حديث البراء، من حديث البراء. فهذا معنى قوله: «ويسأل»، أي: يسأل في قبره، يسأل في قبره. ومما يتعلق بهذا المبحث، مبحث القبر وما يقع فيه، وهذا اعتقاد أهل السنة: يؤمنون بما جاء في ما يكون في القبر من السؤال ومن مقارنة العمل ونحو ذلك. فمن المباحث التي تذكر في هذا: أولا: ذكر القبر هنا على سبيل الغالب، فالغالب في من يموت يدفن ويقبر، هذا الغالب. وكيف بذاك الذي مات مثلا في البحر فأكلته سمك البحر، أو ذاك الذي مات في الصحراء والبراري فأكلته السبع؟ فيقال: كذلك الحكم يشمله، الحكم يشمله، فيسأل، وكذلك يقارنه عمله، ويقع له ما يقع لمن قبر في قبره، والله على كل شيء قدير، والله على كل شيء قدير. وهكذا يقال في نعيم وعذاب القبر: حتى من لم يقبر فالمؤمن ينعم والكافر يعذب، فالقبر إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران. ومن معتقد أهل السنة والجماعة إثبات نعيم وعذاب القبر، إثبات نعيم وعذاب القبر، وقد دل على ذلك أدلة كثيرة من الكتاب ومن السنة في إثبات نعيم وعذاب القبر. فمن ذلك ما جاء في قول الله عز وجل في آل فرعون: ﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾. فقوله: «النار يعرضون عليها» هذا في القبر، ليس في يوم القيام، لماذا؟ لأنه قال في هذه الآية: «ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب»، بمعنى أن العرض على النار كان قبل قيام الساعة، إذن متى؟ في عذاب القبر، في حياة البرزخ. بهذه الآية استدل العلماء على إثبات عذاب القبر، على إثبات عذاب القبر. وكذلك مما يدل على إثبات نعيم وعذاب القبر ما جاء في صحيح البخاري ومسلم من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا مات العبد عرض عليه مقعده من الجنة أو النار». ولا شك أن عرض مقعده من الجنة دليل على التنعيم: تصور مؤمنا في قبره يرى مقعده من الجنة، ليس هذا من النعيم ومن الفرح واللذة؟ لا شك. والعكس: ذاك الكافر أو الفاجر يرى مقعده من النار، فهذا من العذاب، وهذا من العذاب. وهذا حتى في الدنيا: في الدنيا إذا رأيت شخصا يعذب وقيل لك: ستعدم مثل هذا الرجل، كيف سيكون حالك؟ هذا عذاب لك، صحيح. وهذا ضنك وشقاء: كونك تعلم أن مصيرك كمصير هذا، هذا في الدنيا، فكيف وأنت في قبرك وترى مقعدك من النار وترى أهوال تلك النار؟ وأما المؤمن فيرى مقعده من الجنة ويرى نعيم الجنة، فهذا من التنعيم. وهذا يدل على إثبات نعيم وعذاب القبر. ومن أدلة ذلك تعوذ النبي عليه الصلاة والسلام من عذاب القبر، وقد ورد هذا في أحاديث كثيرة. فمن ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عذاب القبر، قال: «نعم، عذاب القبر حق». عذاب القبر حق. فهذا فيه إثبات عذاب القبر لمن يستحق ذلك. وكذلك جاء في صحيح البخاري في الدعاء في آخر التشهد: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال». فقوله: «من عذاب القبر» فيه إثبات ماذا؟ عذاب القبر. فهذا أيضا من اعتقاد أهل السنة والجماعة: أن عذاب القبر حق، وأن نعيم القبر كذلك حق. ثم قال الناظم رحمه الله تعالى: «هذا اعتقاد الشافعي ومالك». هذا اعتقاد الشافعي ومالك، وهذا اسم إشارة، والمشار إليه ما ذكر في هذا النظم من المسائل الاعتقادية، ومما أجمع عليه المسلمون. فهذا الاعتقاد اعتقاد الشافعي محمد بن إدريس الشافعي الإمام المعروف، فهذا اعتقاده. وهكذا مالك بن أنس إمام دار الهجرة الإمام المشهور. وكذلك أبو حنيفة النعمان بن بشير، النعمان بن من؟ أي: النعمان بن بشير، النعمان بن بشير الصحابي، فاسمه النعمان أبو حنيفة. وكذلك أحمد وهو الإمام أحمد بن حنبل الإمام المشهور إمام أهل السنة. وهؤلاء الأئمة الأربعة ينتسب إليهم أهل المذاهب، أهل المذاهب. ولكن العجب أن بعض أتباعهم من المتأخرين يتبعونهم في الفروع، يعني في المسائل الفقهية، ولكن يخالفونهم في المعتقد، كحال الصوفية في هذا الزمان أو الأشاعرة. فهم يقولون: نحن شافعية، لكن أين هم من اعتقاد الشافعي؟ بعيدون عن اعتقاد الشافعي. الشافعي ما يحرف الصفات أبدا، نقل عنه أنه يثبتها كإثبات أهل السنة لها. فجاء هؤلاء الذين يزعمون أنهم من أتباع الأئمة، فحرفوا الصفات ونفوها وعطلوها، فقالوا في هذه المسألة بقول يخالف ما عليه الأئمة ممن ينتسبون إليه. انظروا الآن إلى الصوفية: إذا جاء السني وقال: أخطأ الإمام الشافعي في هذه المسألة الفقهية والصواب مع الحنفية أو مع الحنابلة، أقام عليك الدنيا ولم يقعدها، لماذا خالفت الإمام الشافعي في مسألة فقهية؟ لكن لو قلت لهم: يا جماعة، الإمام الشافعي في كتاب الرسالة يحرم البناء على القبور ويحرم رفع القبور، وأنتم تفعلون ذلك وتخالفونه، أيهما أعظم في الإنكار؟ في مسألة فقهية ومسألة عقدية؟ فرض الإنكار يكون في المسألة العقدية لأنها تمس العقيدة والتوحيد. وهكذا في الاستغاثة في القبور، وهكذا في نفي الصفات: هل الإمام الشافعي قال بهذا حتى تقولون به؟ ففي الحقيقة يدل ذلك على الهوى الذي قد استقر في قلوبهم والعياذ بالله. فاعتقاد الأئمة اعتقاد السلف، اعتقاد السلف في هذه المسائل التي ذكرت في هذا النظم وفي غيرها من المسائل. أما قوله: «ينقل»، أي: ينقل عنهم في كتبهم هذا الاعتقاد، اعتقاد أهل السنة تجده في كتبهم، وتجده في كذلك كتب تلامذتهم. فانظروا مثلا إلى شرح اعتقاد أهل السنة والجماعة، لكي ينقل آثار كثيرة عن هؤلاء الأئمة في مسائل الاعتقاد، اعتقاد. وهكذا غيرها من الكتب ككتاب الإبانة وكتاب الاعتصام للشاطبي وغيرها من كتب أهل السنة، فإنهم ينقلون آثار السنة والجماعة عن هؤلاء أهل السنة والجماعة. وكما تقدم أن أهل السنة يقولون: كتاب وسنة على فهم السلف الصالح، فهؤلاء من السلف. وهذا الاعتقاد ليس اعتقاد هؤلاء الأئمة فحسب، بل اعتقاد من كان قبلهم من الأئمة ك الصحابة والتابعين وغيرهم من أئمة الهدى والدين، فهذا اعتقادهم. فلم يقل أحد من الأئمة باعتقاد يخالف اعتقاد السلف، رحمهم الله تعالى. ثم قال في آخر هذه المنظومة: «فإن اتبعت سبيلهم فموفق، وإن ابتدعت فما عليك معول». يعني: إن اتبعت أيها السني سبيل هؤلاء الأئمة، طريقهم ومنهجهم واعتقادهم، فموفق، يعني: وفقك الله إلى الحق والاعتقاد الصحيح، وهذا من أعظم التوفيق. ليس التوفيق أن توفق إلى دنيا زائلة أو إلى حظ من حضوضها، وإنما التوفيق يوم أن توفق للحق، للمعتقد الصحيح، لمنهج أهل السنة والجماعة، هذا هو التوفيق الذي ينبغي أن يفرح به. فإن اتبعت سبيل هؤلاء الأئمة فموفق، وإن ابتدعت يعني: خالفت طريقهم، وكل من خالف طريقهم فقد ابتدع، لأن البدعة هي الطريقة في الدين المخترعة الجديدة التي لم يكن عليها السلف الصالح. فكل ما لم يكن من الدين فهو بدعة، سواء كان في الاعتقاد أو في العبادات أو غير ذلك. فمن خالف السلف حكم عليه بالبدعة: كالجهمية والمعتزلة والأشاعرة والرافضة والشيعة والزيدية والصوفية، كل هؤلاء خالفوا وجانبوا طريق السلف في الاعتقاد وفي غيره، فهؤلاء ابتدعوا. «وإن ابتدعت فما عليك معول» يعني: لا يبالى بك ولا يؤخذ منك. وهذا فيه أن أهل البدع لا يعول عليهم ولا يلقى لهم بال، لا يلقى لهم بالا. فامش في طريقك واترك هؤلاء المبتدعة، فلا تناظرهم ولا تجالسهم ولا تأخذ عنهم، لا تعول بهم، لا تعول بهم. هذا خلاصة ما أراده الناظم رحمه الله تعالى. وبهذا نكون قد انتهينا من هذه المنظومة اللامية. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على العمل بها واعتقاد ما ذكر فيها، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا وإياكم الإخلاص في القول والعمل. طيب، نكتفي بهذا وإلى هنا والله تعالى أذن.