التعليق على مقدمة سنن الدارمي 41

الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 41، ألقاها

أهمية الحذر في الفتيا وعدم التكلف

يتناول هذا الفصل أهمية التزام الحذر في الفتيا وعدم الإجابة عن كل سؤال، ويبرز صفات المفتين بأنهم إما علماء أو عقلاء أو متكلفين. يُظهر أن السلف كانوا يتحرجون من الإجابة دون علم.

قول الله أعلم عند الجهل وخشية الله

يؤكد هذا الفصل على أهمية قول "الله أعلم" عند عدم العلم بشيء ما، ويعتبر ذلك دليلاً على خشية الله وعدم التكلف في الإجابة، ويحث على التوقف عند حدود العلم.

خوف السلف من الفتيا وتطبيقاتها العملية

يتناول هذا الفصل خوف السلف من الفتيا وعظم أمرها، وكيف كانوا يحيلون الجواب إلى غيرهم أو يقولون "الله أعلم" أو "لا أدري" لعلمهم بخطورة القول على الله بلا علم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه، في باب الفتيا وما فيه من الشدة: قال أخبرنا محمد بن يوسف عن سفيان عن الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود قال: «إن الذي يفتي الناس في كل ما يستفتي لمجنون». وهذا الأثر صحيح. يقول مسعود رضي الله عنه: «إن الذي يفتي الناس في كل ما يستفتي لمجنون»، يعني أن يفتي الناس في كل ما يسألونه عنه، وذلك لكثرة مسائل الناس واختلافها، وسؤالهم عن أشياء ربما لم تقع، أو كذلك أيضا ربما يخفى عليه شيء من معرفة أجوبتها. فكونه يجيب ويفتي في كل سؤال يسأله، كما قال رحمه الله: «أن هذا فيه جنون»، هذا فيه جنون. إذا كان السلف رضوان الله تعالى عليهم، الواحد منهم يعني يسأل الكثير من الأسئلة، ويقول: «الله أعلم»، وهو عالم من العلماء وإمام الأئمة، فيقول لكثير مما يسأل عنه: «لا أدري، والله أعلم». فكيف من هو دونه؟ كيف من هو دونه أنه يجيب عن كل سؤال يسأله؟ نعم، وهذا قد يختلف يعني باختلاف العلماء وكثرة علمهم، من حيث القلة والكثرة. فبعضهم ربما يكون إجابته أكثر من عدم الإجابة، وبعضهم قد يكون عدم الجواب أكثر، وبعضهم ربما يعني لا يترك شيئا من الأسئلة في الغالب إلا وأجاب عنها. وهذا كما سمعنا لاختلاف منازلهم في العلم، إلا أنه لا بد أن يعني يحصل له في بعض الأحيان أن يقول: «الله أعلم»، أو «لا أدري». لكن كونه يجيب عن كل سؤال، فهذا قد يوقعه يعني في الحرج، وربما أيضا كان سببا في إفتائه بلا علم. فالحاصل أن العالم يجيب على حسب علمه، ما علمه أجاب عنه، وما لم يعلم قال: «الله أعلم». وعلى ذلك تختلف منازل العلماء. قال رحمه الله: أخبرنا سعيد بن عامر عن هشام عن محمد عن حذيفة قال: «إنما يفتي الناس ثلاثة: رجل إمام، ورجل يعلم ناسخ القرآن من المنسوخ». قالوا: يا حذيفة، ومن ذاك؟ قال: «عمر بن الخطاب»، أو «أحمق متكلف». وهذا الأثر من رواية محمد وابن سيرين عن حذيفة، وروايته عنه مرسلة، لكن سيأتي في الطريق الأخرى رواية ابن سيرين عن أبي عبيدة عن حذيفة. قال: أخبرنا عبد الله بن سعيد قال: أخبرنا أبو أسامة عن هشام بن حسان عن محمد عن أبي عبيدة بن حذيفة قال: قال حذيفة: «إنما يفتي الناس أحد ثلاثة: رجل علم ناسخ القرآن من منسوخه». قالوا: ومن ذاك؟ قال: «عمر من الخطاب»، قال: «وأمير لا يجد بدا»، أو «أحمق متكلف». ثم قال محمد: «فلست بواحد من هذين، وأرجو ألا أكون الثالث». يقول رحمه الله: حذيفة بن اليمان، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، يقول: «إنما يفتي الناس أحد ثلاثة»، يعني أحد ثلاثة رجال: رجل علم ناسخ القرآن من منسوخه، يعني عنده علم في الكتاب الله جل وعلا، يعرف الناسخ من المنسوخ، ما هي الآيات التي يعني نسخت ورفع حكمها، وما هي الآيات التي حكمها باق. فسئل من ذاك؟ قال: «عمر من الخطاب». قال: «وأمير لا يجد بدا»، وأمير لا يجد بدا يعني إمام المسلمين، وهذا يحمل على أنه يعني أمير وإمام عنده علم، عنده علم بحيث أنه يفتي بعلم. أما إذا كان جاهلا فهذا ليس له حق في الفتيا، لكن إذا كان عالما فهذا له أن يفتي. فقوله: «أمير لا يجد بدا»، يعني من الإجابة والإفتاء إذا كان أهلا لذلك، أو «أحمق متكلف»، يعني إنسان ما عنده علم، أو عنده علم قليل فيفتي، فيتكلف الجواب ويتكلف الجواب. ثم قال أي ابن السيرين: «فلست بواحد من هذين»، لست بواحد من هذين، «وأرجو أن لا أكون الثالث». وهذا من تواضعه وورعه، وإلا فابن السيرين إمام أئمة التابعين، فهو يقول هذا تواضعا وتورعا رحمه الله. قال: أخبرنا جعفر بن عون عن الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عبد الله قال: «من علم منكم علما فليقل به، ومن لم يعلم فليقل لما لا يعلم: الله أعلم». فإن العالم إذا سئل عما لا يعلم قال: «الله أعلم». وقد قال الله لرسوله: ﴿قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين﴾. وهذا الأثر في الصحيحين. قال المسعود رضي الله عنه: «من علم منكم علما فليقل به»، من عنده علم يتكلم به ويفتي به، «ومن لم يعلم فليقول الله أعلم» إذا سئل عن شيء لا يعلمه قال: «الله أعلم». قال: «فإن العالم إذا سئل عما لا يعلم قال الله أعلم»، هذا العالم الذي يخشى الله جل وعلا، فإنه لا يجيب إلا على قدر علمه، فإذا سئل عن شيء لا يعلمه قال: «الله أعلم». وليس هذا نقصا بحقه، ولا كذلك أيضا يعني إنزال من درجته، بل هذا رفع له، أنه لا يتكلم إلا بعلم، ولا يفتي إلا بعلم، هذا رفع له، دليل على خوفه من الله أو خشيته من الله. وهو أيضا يجعل ذلك أنه محل ثقة للناس، يثقون به أنه لا يتكلم إلا بعلم، لا يتكلم إلا بعلم، ولا يتكلف. فقد نهينا عن التكلف: ﴿قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين﴾، يعني لا يتكلف الجواب الذي لا يعلمه ولا يعرفه، أو يكون مثلا في شك منه، فيقول: «الله أعلم» ويريح نفسه. قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: حدثنا حميد عن أبي رجاء عن أبي المهلب أن أبا موسى قال في خطبته: «من علم علما فليعلمه الناس، وإياه أن يقول لما لا علم له به، فيمرق من الدين، ويكون من المتكلفين». أبو رجاء لم يروي عن أبي المهلب، فيه انقطاع. قال رحمه الله: أخبرنا عمر بن عون عن خالد بن عبد الله عن عطاء بن السائب عن أبي البختري وزاذان قال علي: «وبردها على الكبد إذا سئلت عما لا أعلم أن أقول الله أعلم». قال: واخبرنا أبو نعيم قال: حدثنا شريك عن عطاء بن السائب عن أبي البختري عن علي قال: «يا بردها على الكبد أن تقول لما لا تعلم الله أعلم». والأثر ضعيف، وإن كان معناه صحيح، معناه صحيح. أن قول الله أعلم بارد على الكبد، لماذا؟ لأنك تقف عند حسب علمك، وأنت لم تكلف يعني أن تجيب كل من سألك حتى وإن كنت لا تعلم أو متشككا في الجواب، بل تجيب على حسب علمك، فإن علمت قلت، وإن خفي عليك علم هذه المسألة أو جوابها، رددت العلم إلى الله وقلت: «الله أعلم»، حينئذ يعني سلمت من الوقوع في الخطأ. وهكذا أيضا لم تكن سببا في إيقاع السائل في الخطأ إذا أجبته خطأ وسلمت، وكذلك أسلمت غيرك من الهلاك. فكونك تقول: «الله أعلم»، هذه كما قال يعني ما أبردها على الكبد، أن تقول: «الله أعلم» وتسلم، والحمد لله، يذهب يسأل غيرك وينظر لمن عنده علم لما يريد أن يعرف حكمه فيجيبه، وأنت بحمد الله تسلم من القول على الله جل وعلا بلا علم. قال: أخبرنا محمد بن حميد قال: حدثنا جرير عن منصور عن مسلم البطين عن عزرة التميمي قال: قال علي: «وأبردها على الكبد» ثلاث مرات. قال: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: «أن يسأل الرجل عما لا يعلم فيقول الله أعلم». قال: أخبرنا فروة من أبي المغراء قال: أخبرنا علي بن مسر عن هشام بن عروة عن أبيه عن ابن عمر أن رجلا سأله عن مسألة فقال: «لا علم لي بها». فلما أدبر الرجل قال ابن عمر: «نعم ما قال». ابن عمر سئل عما لا يعلم فقال: «لا علم لي به». وهذا الأثر صحيح. ابن عمر رضي الله تعالى عنه ما سئل عن شيء لا يعلمه فقال: «الله أعلم». فلما ذهب السائل قال ابن عمر مادحا لنفسه لما فعل وأنه لم يجب بشيء لا يعلمه: «نعم ما قال». ابن عمر سئل عما لا يعلم فقال: «لا علم لي به»، نعمة هذا الفعل، لأنه كما قلنا يقف على ما بلغه من العلم فيسلم ويسلم غيره. وهذا هو الذي ينبغي أن يعمله العالم ويفعله العالم إذا سئل عما لا يعلم يقول: «الله أعلم». قال: حدثنا يحيى بن محمد قال: حدثنا أبو عوانة عن مغيرة عن الشعبي قال: «لا أدري نصف العلم». لا أدري نصف العلم، لماذا؟ لأن كونك لا تجيب عن شيء لا تعلمه هذا من العلم، لأن أصل العلم خشية الله جل وعلا، إنما يخشى الله من عباد العلماء. فإذا كنت تجيب بما لا تعلم هذا من الجهل، من الجهل أنك تجيب بلا علم. والعالم أو طالب العلم هو ما يغتر كونه مثلا يسأل فيقول في نفسه: إذا قلت لا أدري أو الله يعلم سيقول الناس هذا مسكين ما عنده شيء ما يعرف. فربما يجره ذلك لأن يجيب بلا علم فيوقع نفسه في خطر عظيم. فمن العلم أنك تقف عند حسب علمك، فإذا سئلت عن شيء لا تعلمه قلت: «الله أعلم»، هذا من العلم، لأنك حينئذ تراقب الله جل وعلا وتخشى الله أن تقول عليه بلا علم. فلهذا كان من العلم أن تقول لما لا تعلم: «الله أعلم»، لا أدري. قال: واخبرنا عبد الله ابن مسلمة قال: حدثنا عبد الله العمر عن نافع أن رجلا أتى ابن عمر فيسأله عن شيء قال: «لا علم لي». ثم التفت أي ابن عمر بعد أن قف الرجل قال: «نعم ما قال». ابن عمر سئل عما لا يعلم فقال: «لا علم لي»، يعني ابن عمر نفسه قال. واخبرنا محمد بن حميد قال: حدثنا جرير عن مغيرة قال: كان عامر إذا سئل أي شعبي عن شيء يقول: «لا أدري». فإن رد عليه السائل السؤال قال: «إن شئت». كنت حلفت لك بالله إن كان لي به علم، يعني إذا سئل فقال: «لا أدري»، رد عليه السائل السؤال، قال فيقول الشعبي رحمه الله: «إن كنت يعني تريد أن أحلف لك سأحلف لك أني ما علم ما عندي علم». وهذا من يعني خوفي من الله وعظيم خشيته. والشعبي إمام أئمة أهل الحديث، ومع ذلك يقول هذا الكلام ويسلم عليه أن يقول: «الله أعلم». قال: أخبرنا هارون ابن معاوية عن حفص عن أشعث عن ابن سيرين قال: «ما أبالي إذا سئلت عما أعلم أو ما لا أعلم». لأن إذا سئلت عما أعلم قلت ما أعلم، وإذا سئلت عما لا أعلم قلت لا أعلم، عندي هكذا. لأن إذا سئلت عما أعلم قلت ما أعلم، وإذا سئلت عما لا أعلم قلت لا أعلم. والله أعلم، يحتاج أنظر في هذا الأثر ما لدي نسخة أخرى غير هذه النسخة. قال: حدثنا هارون عن حفص عن الأعمش قال: «ما سمعت إبراهيم يقول قط حلال ولا حرام، إنما كان يقول: كانوا يكرهون، وكانوا يستحبون». والآثر صحيح. إبراهيم النخعي يقول الأعمش: «ما سمعت إبراهيم يقول قط حلال أو حرام»، يعني يصرح بذلك وينص على ذلك، إنما كان يقول: «يكرهون ويستحبون»، يعني من باب التورع، من باب التورع. ولهذا كثير من السلف ربما أطلقوا لفظ الكراهة على أشياء محرمة من باب التورع فقط، وإن لم يعتقدون أنها حرام، يعتقدون أنها حرام، هذا من كما قلنا من باب التورع في الجواب. طيب هذا ينتهي ما ذكره المؤلف رحمه الله في هذا الباب، باب الفتيا وما فيه من الشدة. وعلمنا إما قرأنا في هذا الباب كيف كان السلف يهابون الفتيا ويعرفون عظم أمرها، فمنهم من يعني ربما لا يفتي ويحيل الجواب إلى غيره، ومنهم من ربما إذا سئل قال: «الله أعلم»، أو «لا أدري»، ونحو ذلك من هذه الأهالة، لتدل على عظيم خوفهم وعظيم مراقبتهم لله سبحانه وتعالى لعلمهم بأن القول على الله جل وعلا بلا علم من كبائر الذنوب. صلى الله وسلم على أبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على