كتاب المعاملات 26

الدرس في كتاب المعاملات 26، ألقاها

الأحكام المتعلقة بعقد الإجارة في العبادات

يناقش هذا الفصل الأحكام المتعلقة بعقد الإجارة في أعمال القرب والعبادات، ويبين الخلاف بين أهل العلم في جواز أخذ الأجر على هذه الأعمال. يوضح آراء مختلف المذاهب الفقهية حول هذا الموضوع.

أحكام الإجارة العامة في الفقه الإسلامي

يتناول هذا الفصل أحكام الإجارة العامة في الفقه الإسلامي، مثل جواز أخذ الأجرة على الحج والعمرة والفتيا والقضاء، ويشرح شروط الإجارة ووجوب المحافظة على العين المؤجرة ودفع الأجرة عند حلولها.

أحكام عقد الإيجارة وفسخه وتلف العين المؤجرة

يناقش هذا الفصل أحكام عقد الإيجارة وفسخه، حيث يعتبر عقد الإيجارة لازماً للطرفين ولا يجوز فسخه إلا برضا الطرفين، كما يتطرق إلى حكم تلف العين المؤجرة ووجوب دفع أجر المدة التي انتفع بها المستأجر.

  • 20 جمادى الأولى 1439هـ - 05/02/2018مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف -قده الله-: المسألة الثالثة: الأحكام المتعلقة بها. قال: يتعلق بعقد الإجارة الأحكام الآتية: أولا، لا يجوز الاستئجار على أعمال القرب والعبادات كالأذان والحج والفتيا والقضاء والإمامة وتعليم القرآن؛ لأنها قربة إلى الله تعالى. ويجوز أن يأخذ من يقوم بذلك رزقا من بيت مال المسلمين. الاستئجار على أعمال القرب فيه تفصيل، إذا كانت هذه الأعمال من القرب والعبادات المحضة التي لا ينتفع بها إلا فاعلها، فهذه لا يجوز أخذ الأجر عليها، بلا خلاف بين أهل العلم، كمن يصلي لنفسه أو يصوم لنفسه أو يحج لنفسه. هذه لا يجوز أخذ الأجر عليها. وأما إذا كانت مما ينتفع بها الغير، هي عبادة لكن يتعدى نفعها وينتفع بها الغير، كتعليم القرآن أو الصلاة بالناس أو الأذان وهكذا، يفتي والقضاء، فهذه فيها خلاف. فالحنابلة والحنفية يرون أنه لا يجوز أخذ الأجر عليها؛ لأنها عبادة، فيطلب ثوابها من الله جل وعلا. والله جل وعلا يقول: ﴿من كان يريد ثواب الدنيا نؤته منها ومن كان يريد ثواب الآخرة نؤته منها﴾، ويقول جل وعلا: ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوفي لهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون، أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون﴾. فقالوا: لا يجوز أخذ الأجر على هذه الأعمال، وإنما يجوز أن يأخذ رزقا من بيت المال، من باب الاستحقاق، أنه يستحق شيئا في مقابل القيام بهذه العبادة، فهذا جائز. أما أجره فهذا لا يجوز. وذهب الإمام مالك والشافعي إلى أنه يجوز أخذ الأجر على هذه العبادات التي يتعدى نفعها، كتعليم القرآن وتعليم العلم، وهو قول جمهور أهل العلم. واستدلوا بحديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه في قصته، لما رقى سيد القوم بالفاتحة واشترط عليهم عطاء، وكانوا قد فرطوا في ضيافتهم، فرقاه فشفى، فأعطوه قطيعا من الغنم، ثم أتوا النبي عليه الصلاة والسلام فسألوه عن ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلوا واضربوا لي معكم بسهم». وقال عليه الصلاة والسلام: «إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله». فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم ما فعلوه من أخذ هذا الأجر والعطاء مقابل الرقية، فسدل أهل العلم بهذا على أنه يجوز أخذ الأجر في مقابل هذه الأعمال وهذه العبادات التي يتعدى نفعها. لكن ليس معنى هذا أن الإنسان مثلا يقول: أنا ما سأصلي إلا بكذا وكذا من المال، يقول: لن أصلي بكم، يقول: والله لأصلي بكم مريد في كل صلاة مئة ريال أو خمسمائة ريال، لا، هذا لا يجوز. سواء الإمام أحمد رحمه الله عن من قيل له: صل بالدات، قال له: صل إلا بكذا وكذا، قال: ومن يصلي خلف هذا؟ ليس هذا المقصود، هذا لا يجوز. لكن كون الإنسان مثلا يتفرغ للإمامة، يتفرغ للإمامة ويعطى على هذا مقابل مما يستعين به على أمور معيشته، هذا جائز. أو كذلك أيضا مؤذن يؤذن ويعطى شيء من المال والأجرة حتى يتفرغ للأذان، فهذا جائز. وإن كان الأولى أن يؤذن من غير أجرة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان بن أبي العاص: «واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا»؛ لأن هذا يعني أبلغ في الإخلاص. أو هكذا من يعلم الناس القرآن ويعطى في مقابل ذلك شيء للتفرغ لذلك، فهذا جائز. هذا هو قول جمهور أهل العلم أنه يجوز. وبعض أهل العلم يقول -كما سمعنا- ومثل بالحنابلة أنه لا يجوز، لكن يأخذ بدلا من ذلك الجعل، ما يسمى بالجعالة. فالجعالة تجوز في أعمال القرب، بخلاف الإجارة. يجعل له شيء، هذا يسمى جعالة. وقد يكون الخلاف لفظيا، يعني مثلا من يجيز يسميه إجارة، ومن يمنع سيسميه جعالة، يقول مثلا: نجعل لك راتب مقابل الإمامة ومقابل الأذان أو مقابل تعليم القرآن أو نحو ذلك، هذا جائز. وقوله هنا: «كالأذان والحج»، فالمؤلف يذهب إلى أن الحج كذلك لا يجوز أخذ الأجرة فيه، وهذا رواية في مذهب الإمام أحمد. وهناك رواية أخرى أنه يجوز، يجوز أخذ الأجرة لأجل الحج، وهذا هو الصحيح، وعليه عمل الناس اليوم، أن الإنسان إذا أراد أن ينيب غيره في الحج وهو عاجز عن الحج ببدنه وعنده المال، فإنه يستأجر من يقوم بالحج عنه؛ لأن الحج يحتاج إلى نفقة، إلى أموال، فيجوز أن ينيب غيره ويعطيه مالا يحج به، هذا الصحيح أنه يجوز. فيجوز أن يعطى مال ليحج، لكن لا يجوز أن يحج من أجل المال. فرق بين الأمرين، بين أن يعطى المال ليحج، فهذا جائز، ولا يجوز أن يحج ليأخذ مالا؛ لأن حينئذ سيكون عمله لأجل الدنيا، وهذا لا يجوز. هكذا أيضا الفتيا والقضاء، يعني التفرغ لذلك ويعطى أجرة مقابل ذلك. هذا كما سمعنا على الصحيح من قول جمهور أهل العلم أنه يجوز. الفرق أنه يجوز أن يجمع له مال ويعطى ليحج من غير طلب، لا ما يطلب. من غير طلب، ولو طلب أيضا، يعني مثلا إنسان عاجز عن الحج وعلم أنه يبحث عن من يحج عنه، فقال: أنا أحج عنك، ما في شيء. الآن سيعطيه من أجل أن يحج عنه، الآن سيأخذ ليحج، سيأخذ أجرة ليحج، هذا جائز. لكن يحج ليأخذ، إذا كان نيته أن يحج من أجل يأخذ مال، هنا لا يجوز. لو سأل وطلب لقصد المال، ليس لقصد الحج، صح، هنا ما يصلح، سيكون تكون نيته لأجل الدنيا. أما أن يعطى المال لأجل أن يذهب ويحج، فهذا لا بأس. واضح، لا يحج ليأخذ، لا يحج ليأخذ مال، هذا سيكون عمله من أجل الدنيا. أما أن يعطى ليحج، لا بأس. قال ثانيا: على المؤجر أن يدفع العين المؤجرة للمستأجر، ويمكن من الانتفاع بها. ويجب على المستأجر المحافظة على العين المستأجرة، وأن يدفع الأجرة عند حلولها. يقول: على المؤجر أن يدفع العين المؤجرة للمستأجر، ويمكن من الانتفاع بها، مثلا استأجر إنسان من شخص بيتا ليسكنه لمدة شهر، فالمؤجر صاحب البيت عليه أن يمكن المستأجر من البيت حتى يسكنه، عليه أن يمكنه من البيت حتى يسكنه، ويمكن من الانتفاع بها، والانتفاع هنا بالسكن. ولا يجوز له أن يمنعه ما يؤجره له شهر، ثم مثلا يأتي وقت بداية مدة الإيجار فيأبى أن يخرج من البيت المالك، هذا لا يجوز، يعتبر بهذا غاصبا. هو الآن ملكه، يعني وأجره الانتفاع من البيت، واجب عليه أن يمكنه من الانتفاع، فلا يجوز له أن يمنعه من ذلك. والمستأجر عليه أن يحافظ على العين المستأجرة، هذا البيت إذ يسكنه المستأجر، لا بد أن يحافظ عليه، ليس معنى أنه استأجره وأنه يعبث به، يكسر الأبواب ويعبث بالجدران، لا، يعتبر أمينا على هذه العين، فيحافظ عليها. وأن يدفع الأجر عند حلولها، يعني عند وقت الأجر يدفع، مثلا الأجر شهرية، سيسكن في البيت ستة أشهر والأجر يدفع في كل شهر، فإذا انتهى الشهر يدفع الأجر لصاحب البيت، فهو ملزم بذلك؛ لأن العقد قائم على ذلك، ينتفع بهذه العين ويدفع له الأجر في كل شهر. قال ثالثا: لا يجوز فسخ عقد الإجارة من أحد الطرفين إلا برض الآخر. وإذا مات أحدهما والعين المؤجرة باقية لم يبطل العقد، ويقوم وارثه مقامه. يقول: لا يجوز فسخ عقد الإجارة من أحد الطرفين إلا برضا الآخر؛ لماذا؟ لأن عقد الإجارة عقد لازم، عقد لازم للطرفين. فإذا تم العقد وإن تفرق، وليس بينهما مجلس خيار أو شرط خيار، فهنا يلزم كل واحد منهما بما التزمه في العقد. فالمؤجر يمكن المستأجر من الانتفاع بهذه العين المؤجرة، والمستأجر يدفع الأجرة للمؤجر، ولا يجوز لأحدهما أن يبطل العقد، مثلا استأجر بيتا لمدة ثلاثة أشهر، فلا يجوز للمؤجر أن يأتي ويقول للمستأجر: أخرج من البيت بعد شهر، يأتي إليه ويقول: أخرج من البيت، أنا قد فسخت العقد، ما يملك ذلك، ولا يجوز له ذلك؛ لأن هذا العقد عقد لازم، مثل البيع. البيع إذا باع السلعة، هل يملك البائع أن يأتي ويقول للمشتري: هات السلعة، أنا أريد سلعتي، أرجعها لي، وقد تفرق وتم البيع؟ الجواب: لا. وهكذا أيضا في عقد الإيجارة، ما يملك المؤجر أن يفسخ عقد الإيجارة. وهكذا العكس، لو قال المستأجر: أنا أريد أن أفسخ عقد الإجارة بعد شهر من مدة الإجارة، وهي ثلاثة أشهر، قال: أنا الآن سأفسخ عقد الإجارة، ما أريد أن أسكن ثلاثة أشهر، هل له ذلك؟ الجواب: لا، ليس له ذلك؛ لأن عقد الإيجارة عقد لازم. طيب إذا حصل الفسخ من أحدهما إلا برضاء، إذا رضي المستأجر، قال للمؤجر: أبشر، أنا سأخرج بعد شهر من الاتفاق وبقي له شهران، قال: أنا سأخرج، له ذلك. أو العكس، إذا فسخ المستأجر ورضي المؤجر، فله ذلك. أما من غير رضا فليس له ذلك. فإذا حصل ذلك، لو أن المؤجر مثلا اتفق مع المستأجر على أن يسكنه في البيت ثلاثة أشهر ويدفع له أجر الثلاثة أشهر، فجاء بعد شهر وقال: أنا أريد البيت، أخرج من بيتي وأنا أفسخ عقد الإجارة، فهنا لو يعني دعا إلى ذلك وطلب ذلك وألزم بذلك، فحينئذ ليس له شيء من الأجرة، ليس له شيء من الأجرة، يخرج للمستأجر ولا يدفع له شيئا؛ لأن الاتفاق أن يدفع له أجرة ثلاثة أشهر وهو ما سكن إلا شهر، فما تم العقد، فليس للمؤجر شيء. وهكذا العكس، لو كان فسخ العقد من جهة المستأجر، قال: أنا أريد أن أستأجر هذا البيت ثلاثة أشهر، فاتفق معه على ذلك، وبعد شهر قال للمؤجر: أنا سأفسخ العقد، سأسلم البيت وأريد أن أسافر، فيلزمه أن يدفع له أجرة ثلاثة أشهر؛ لأن العقد تم على ذلك، والعقد عقد لازم. هذا معنى قولنا: أن عقد الإيجارة عقد لازم للطرفين، لا يجوز لأحدهما فسخه إلا برضا الآخر. طيب إذا مات أحد المستأجرين، أحد صاحب العقد، صاحب العقد المؤجر أو المستأجر، إذا مات أحدهما والعين المؤجرة باقية، مثلا العين المؤجرة سيارة، العين المؤجرة سيارة، استأجرها فلان لمدة سنة، بعد أشهر مات المؤجر صاحب السيارة، هل ينفسخ عقد الإجارة؟ الجواب: لا، إذا كانت العين ما زالت موجودة، السيارة باقية وموجودة، فإن المستأجر يستعملها بخية المدة، ويقوم الوارث مقام المؤجر، هذا المؤجر مثلا عنده أبناء، فيقومون مقامه، يقومون مقامه، ويبقى المستأجر ينتفع من هذه العين المؤجرة حتى تنتهي المدة. رابعا: تنفسخ الإجارة إذا تلفت العين المؤجرة أو انقطع نفعها، كدابة ماتت أو دار إن هدمت. يقول: تنفسخ الإجارة إذا تلفت العين المؤجرة، فالموت لا يفسخها، لكن يفسخها ماذا؟ تلف العين، وانقطاع الانتفاع. إذا تلفت العين، فهنا ينفسخ عقد الإجارة، كدابة ماتت، دابة ماتت، أجر دابة مثلا بعيرا أجره لمدة شهر، في أثناء الشهر ماتت الدابة، هذه مات البعير، انفسخ عقد الإجارة. أو بيت انهدم، أجر بيتا فانهدم هذا البيت، انفسخ عقد الإجارة. طيب هل يلزم شيء على المستأجر؟ الجواب: نعم، يلزمه أن يعطي للمؤجر أجر المدة التي انتفع بها، أجر المدة التي انتفع بها، مثلا استأجر البيت مدة شهر والأجر في هذه المدة بعشرين، مثلا ألف، فبعد أسبوعين انهدم البيت، فيلزمه أن يعطي للمؤجر نصف القيمة، يعطيه عشرة آلاف. طيب لأن انفساخ العقد هنا ليس من جهة المؤجر، وإنما بأمر خارج عنه، وهو تلف العين المؤجرة، فيعطيه من الأجر بقدر ما انتفع، سواء كان في بيت أو دابة أو سيارة أو غيرها من الأعيان التي يكون عليها عقد الإجارة. طيب هذا نكون -إن شاء الله- انتهينا فيما يتعلق بباب الإجارة إلى هنا. صلى الله عليه وسلم نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على