شرح السنة للإمام المزني 1

الدرس في شرح السنة للإمام المزني 1، ألقاها

مقدمة في شرح السنة للمزني

بدأ الدرس بشرح رسالة "شرح السنة" للإمام المزني، وتناول معنى السنة ومؤلف الرسالة وسبب تأليفها. الرسالة كتبت لتوضح عقيدة السلف.

عقيدة أهل السنة في علو الله والقضاء والقدر

تناول الدرس شرح عقيدة أهل السنة في علو الله واستواءه على عرشه، وكذلك عقيدتهم في القضاء والقدر ومراتبه الأربع. الإيمان بالقضاء والقدر يتطلب الإيمان بالعلم والكتابة والمشيئة والخلق.

تتمة الكلام عن مراتب القدر

شرح تفصيلي لمراتب القدر الأربع: العلم، الكتابة، المشيئة، والخلق، مؤكدًا أهمية الإيمان بها. العبد يجب أن يؤمن بأن كل شيء بقضاء الله وقدره.

ختام الدرس والصلاة على النبي

تم اختتام الدرس بالاكتفاء بما تم شرحه، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. الدرس انتهى بالإشارة إلى أهمية ما تم شرحه.

التفريغ النصي الكامل

رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فنبدأ إن شاء الله القراءة في هذه الرسالة: «شرح السنة» للإمام إسماعيل بن يحيى المزني، رحمه الله، ابتداءً في هذه الليلة، من يوم السبت السادس عشر من شهر شوال عام 1439 للهجرة. في هذه الدورة المباركة المكثفة في دار الحديث في الشحر، بمركز السنة بطيبة. وهذه الرسالة «شرح السنة» لها عدة إطلاقات استعملها أهل العلم. فتطلق السنة، ويراد بها ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خلقية أو خلقية. وتطلق السنة، ويراد بها هدي النبي عليه الصلاة والسلام وطريقته، سواء كان في باب الاعتقاد أو في باب المعاملات أو في باب العبادات. وتطلق السنة، ويراد بها ما يتعلق بالاعتقاد، ما يتعلق بأمور الاعتقاد. وهذا هو المراد في هذه الرسالة «شرح السنة»، أي ذكر ما يتعلق بأمور العقيدة. ومثلها من المؤلفات التي صنفت وعنيت في هذا الباب، يراد بالسنة ما يتعلق بأمور العقيدة، كـ«شرح السنة» للإمام البربهاري، وهكذا «أصول السنة» للإمام أحمد، و«السنة» للخلال، وغيرها من كتب أهل العلم. وقبل البدء بهذه الرسالة، نقرأ ترجمة مختصرة لمؤلف هذه الرسالة. هذه الترجمة منقولة من كتاب «سير أعلام النبلاء» للإمام الذهبي، رحمه الله. قال الإمام الذهبي، رحمه الله: «المزني، أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل، الإمام العلامة، فقيه الملة، علم الزهاد. أبو إبراهيم إسماعيل بن عمر بن مسلم المزني المصري، تلميذ الشافعي. والمزني نسبة إلى مزينة بنت كلب، وهي قبيلة كبيرة مشهورة. قال رحمه الله: ولد في سنة موت الليث، من سعد، سنة خمس وسبعين ومئة. حدث عن الشافعي، وعلي بن معبد، ونعيم بن حماد، وغيرهم. وحدث عنه كبار الأئمة: أبو بكر بن خزيمة، وأبو بكر بن الزياد النيسابوري، وأبو جعفر الطحاوي، وأبو نعيم الأصبهاني، وعبد الرحمن بن أبي حاتم. وكان رأسًا في الفقه، له مختصر في الفقه امتلأت البلاد به، وشرحه عدة من الكبار، بحيث يقال: كانت البكر يكون في جهازها نسخة من مختصر المزني. يعني كتابه في الفقه، يسمى بـ«مختصر المزني»، من شدة الاهتمام به، كانوا إذا جهزوا البكر للزواج يكون من أمور جهازها هذا الكتاب. قال رحمه الله: وكان زاهدًا، عالما، مناظرًا، محتجًا. صنف كتبًا كثيرة: الجامع الكبير، والجامع الصغير، والمنثور، والمسائل المعتبرة، والترغيب في العلم، وكتاب الوثائق. قال الشافعي: المزني ناصر مذهبي. وكان متعبدًا، زاهدًا، معظما للعلم وأهله. وكان يقول: أنا خلق من أخلاق الشافعي. كان إذا فاتته صلاة الجماعة، صلى تلك الصلاة خمسًا وعشرين مرة. إذا فاتته صلاة الجماعة، صلاها خمسًا وعشرين مرة، يعني لأجل أن ينال أجر الجماعة. وكان يغسل الموتى، تعبدًا واحتسابًا. ويقول: تعانيت غسل الموتى، ليخشع قلبي، فصار لي عادة أصبح شيء معتاد. قال: وهو الذي غسل الشافعي. ومن جملة تلامذته العلامة أبو القاسم عثمان بن بشار الأنماطي، شيخ شيخ البصرة زكريا بن يحيى الساجي، شيخ ابن سريج. توفي في رمضان، لست بقين منه، سنة أربع وستين ومائتين للهجرة، وهو ابن تسع وثمانين سنة. طيب، هذه الرسالة ألفها الإمام المزني، رحمه الله، لما أشيع عنه بعض أعدائه أنه يقول بخلق القرآن. فسأله بعض أهل العلم في ذلك الزمان، فألف رحمه الله هذه الرسالة وكتبها. فبسند هذه الرسالة، قال علي بن عبد الله الحلواني: كنت بطرابلس المغرب، فذكرت أنا وأصحابنا السنة، إلى أن ذكرنا أبا إبراهيم المزني. فقال بعض أصحابنا: بلغني أنه كان يتكلم في القرآن ويقف عنده. يعني يقف في القرآن، والوقف في القرآن، الواقفية هم طائفة من طوائف الجهمية. قال: وذكر آخر أنه يقول له: أو أنه يقوله. إلى أن اجتمع معنا قوم آخرون، فغمّ الناس ذلك غمّا شديدًا. يعني ما سمعوا مما ينقل عنه، رحمه الله، وهو منه بريء. قال: فكتبنا إليه كتابًا، نريد أن نتعلم منه، يكتب إلينا «شرح السنة» في القدر والإرجاء والقرآن والبعث والنشور والموازين، وفي النظر. فكتب، يعني هذه الرسالة. قال: بسم الله الرحمن الرحيم، عصمنا الله وإياكم بالتقوى، ووفقنا وإياكم لموافقة الهدى. أما بعد، فإنك سألتني أن أوضح لك من السنة أمرًا، تصبر نفسك على التمسك به، وتدرأ به عنك شبه الأقاويل، وزيغ محدثات الظالمين. وقد شرحنا لك منهاجًا موضحًا، لم آلُ نفسي وإياك فيه نصحًا. بدأت فيه بحمد الله، ذي الرشد والتسديد. الحمد لله أحق من ذكر، وأولى من شكر. وعليه أثني الواحد الصمد، ليس له صاحبة ولا ولد. جل عن المثيل، فلا شبيه له ولا عديل. السميع البصير العليم الخبير المنيع الرفيع. ابتدى رحمه الله هذه الرسالة بذكر البسملة، اقتداءً بكتاب الله جل وعلا، فإنه مبدوء بالبسملة. وعليه الصلاة والسلام، كان يبدأ رسائله بذكر «بسم الله الرحمن الرحيم». ثم دعا للسائل بالعصمة، أن يعصمه الله عز وجل من الضلالة والغواية والزيغ، وذلك بتقوى الله جل وعلا. فقال: «عصمنا الله وإياكم بالتقوى». لأن تقوى الله جل وعلا سبب للاستقامة والسداد والعصمة من الضلال والغواية، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾. فتقوى الله عز وجل سبب عظيم لسلامة العبد من الضلالة والغواية. ثم دعا الله جل وعلا أن يوفقهم لموافقة الهدى، يعني موافقة الصواب. والمراد بالهدى هو ما كان موافقًا للكتاب والسنة، لأن الهداية في كتاب الله جل وعلا، وفي سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. ومن تمسك بالوحيين، وفق للهدى. ثم قال: «أما بعد، فإنك سألتني أن أوضح لك من السنة...» إلى آخره. وهذا فيه بيان أن تأليف هذه الرسالة كان جوابًا لمن سأله أن يكتب له شيئًا يوضح به عقيدة السلف. وكذلك أيضًا بيان عقيدة المؤلف، رحمه الله، وما يعتقده في هذه الأبواب من أبواب العقيدة: في القدر والإرجاء والقرآن، وغيرها. وأن ينتفع بذلك السائل، عندما يقرأ هذه العقيدة. وهذه العقيدة مستنبطة من الكتاب والسنة، موافقة لما كان عليه السلف، رضوان الله عليهم، من الصحابة ومن بعدهم. فيكون ذلك مسليًا للإنسان، وكذلك معينًا له على السير على الصراط المستقيم، وما كان عليه السلف، رضوان الله عليهم، من الصحابة ومن بعدهم. وبه يعلم ضلال من خالف هذه العقيدة، واتبع الأهواء والآراء، وأقاويل الرجال، ومحدثات الأمور. وأشار رحمه الله إلى أنه لم يألُ نفسه فيه نصحًا، في هذه الرسالة. فهو حرص كل الحرص على أن تكون هذه الرسالة نافعة للسائل، فيها ما يشفي غليله، ويروي عليله. ثم حمد الله جل وعلا، الذي يستحق الحمد، سبحانه وتعالى، فهو جل وعلا أولى وأحق من ذكره الذاكرون، وأولى من يشكر، جل وعلا، لأن النعم كلها بيده، فهو معطي النعم ومصرف النعم، جل وعلا. وهو القائل: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾. فأثنى على الله جل وعلا. ومن هذا الثناء: بيان توحيد الله جل وعلا، وتفرده بالعبادة. وأنه جل وعلا الواحد الأحد الصمد، أي الذي تصمد إليه الخلائق، وتعتمد إليه، وتلجأ إليه في طلب حوائجها. الذي ليس له صاحبة ولا ولد، لكمال إغناه، سبحانه وتعالى. جل عن المثيل، فلا شبيه له ولا عديل، أي جل أن يماثله أحد، فلا أحد من المخلوقات يماثل الخالق، سبحانه وتعالى. كما قال ربنا جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. وليس له عديل، أي من يعادله ويكافئه، كما قال عز وجل: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، أي من يكافئه. وذلك لكماله، وهو المتصف جل وعلا بصفات الكمال، التي هي غاية في الوصف والحسن. ثم ذكر رحمه الله ابتداءً بذكر ما يعتقده في هذه المسائل العقيدة. قال رحمه الله: «العلو عال على عرشه، وهو دان بعلمه من خلقه. أحاط علمه بالأمور، وأنفذ في خلقه سابق المقدور. يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور». ذكر رحمه الله في بداية هذه الرسالة: ذكر مسألة العلو. وأن الله جل وعلا عال على عرشه، كما قال سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾. وقال عز وجل: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، في ستة مواضع من القرآن. والعرش أعلى المخلوقات، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. وذكر علو الله جل وعلا بذاته، استعمله بعض أهل العلم، كما ذكرها ابن أبي زيد القيرواني، وهكذا أيضًا أبو جعفر بن أبي شيبة، وعثمان بن سعيد الدارمي، ويحيى بن عمار، والحافظ أبو نصر الوائلي، وابن عبد البر، وأحمد بن ثابت الطرقي، والشيخ عبد القادر الجيلاني، وعبد العزيز القحطاني، وطائفة من أهل العلم. ذكروا علو الله جل وعلا بذاته. وأرادوا بذلك الرد على أهل الأهواء الذين نفوا علو الله جل وعلا. فهم ذكروا ذلك من باب البيان والتوضيح، وإثبات هذه الصفة على حقيقتها لله جل وعلا. وقوله: «وهو دان بعلمه من خلقه». يعني أن علو الله جل وعلا لا ينافي دنوه من خلقه، فهو عال على عرشه، وقريب من خلقه بعلمه وإحاطته. وقربه بعلمه وإحاطته، لا ينافي علوه سبحانه وتعالى. وصفة العلو صفة ذاتية، لا تنفك عن الذات، لا تنفك عن الذات. بخلاف صفة الاستواء، فهي صفة فعلية. والاستواء صفة فعلية. وأما العلو فهو صفة ذاتية. والله عز وجل له العلو المطلق: علو الذات، وعلو القهر، وعلو القدر. وصفة العلو ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة. ففي الكتاب آيات كثيرة تدل على علو الله سبحانه وتعالى، منها قول الله جل وعلا: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾. وقوله عز وجل: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾. وقوله جل وعلا: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾. وقوله سبحانه: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ﴾. وقوله جل وعلا: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾، وغيرها من الآيات الكثيرة الدالة على علو الله. وكذلك الآيات الدالة على إنزال الكتاب: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾. الإنزال يكون من علو إلى سفل. وهكذا آيات الصعود إليه: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾. وهكذا آيات العروج إليه: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾. كل هذه الآيات تدل على إثبات علو الله جل وعلا. وهكذا في السنة أحاديث كثيرة في الصحيحين، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله كتب في كتاب، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي». وفي صحيح الإمام مسلم، من حديث معاوية بن الحكم، في قصة الجارية، سألها الرسول صلى الله عليه وسلم: «أين الله؟» قالت: في السماء. قال: «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله. قال: «أعتقها، فإنها مؤمنة». فأثبت لها الإيمان بهذه العقيدة: أن الله جل وعلا في السماء، أي في العلو. وهكذا أجمع أهل العلم وأهل السنة على إثبات علو الله جل وعلا. ونقل ذلك غير واحد من أهل العلم. وكذلك أيضًا دل على إثبات العلو العقل، وذلك أن العلو صفة كمال، والسفل صفة نقص. وكل كمال، فإن الله عز وجل أحق أن يوصف به. وهكذا الفطرة، فإن الإنسان مفطور، إذا أراد أن يتوجه إلى الله جل وعلا بالدعاء، فإنه يتجه إلى جهة العلو، فيرفع يديه إلى السماء، ويدعو الله جل وعلا. هذه عقيدة أهل السنة والجماعة: إثبات علو الله جل وعلا. بخلاف أهل البدع والأهواء، من المعتزلة وغيرهم، فإنهم ينفون صفة العلو. فمنهم من يقول: إن الله كان الله، وليس له مكان، وهو على ما كان. كما يقول بعض الأشاعرة. ومنهم من يقول: إن الله في كل مكان. وغير ذلك من الأقوال الباطلة التي يعتقدها أهل الأهواء والبدع. قال رحمه الله بعد ذلك: ذكر ما يتعلق بالقضاء والقدر. قال: «فالخلق عاملون بسابق علمه، ونافذون لما خلقهم له من خير وشر. لا يملكون لأنفسهم من الطاعة نفعًا، ولا يجدون إلى صرف المعصية عنها دفعًا». أشار بهذه الجمل إلى ما يتعلق بمسألة القضاء والقدر. قال: «فالخلق عاملون بسابق علمه، ونافذون لما خلقهم له من خير وشر». يعني أن أعمال العباد مخلوقة لله سبحانه وتعالى. وما يعملونه، فالله عز وجل قد علمه. وكل ما يصدر منهم من خير وشر، فهو من خلق الله سبحانه وتعالى. لا يخرج ذلك عن خلق الله سبحانه وتعالى. وأنهم لا يملكون لأنفسهم من الطاعة نفعًا، يعني لا يملكون أن ينفعوا أنفسهم إلا بما كتب الله وأراده الله. ولا يدفعون عن أنفسهم من المعصية، ويصرفونها إلا ما أراد الله عز وجل أن يصرفه عنهم. وهذا رد على كلا الطائفتين الضالين في هذا الباب: من القدرية والجبرية. وقبل أن نذكر عقيدة القدرية والجبرية، أولًا نعلم عقيدة أهل السنة والجماعة في باب القضاء والقدر. وذلك أن أهل السنة والجماعة يعتقدون أن كل شيء فهو بقضاء الله وقدره. وأن الله عز وجل خالق للخير والشر، لا يخرج ذلك عن خلق الله وإيجاده. كما قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. وقوله جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾. فجميع أعمال العباد مخلوقة لله جل وعلا. ولا يتحقق الإيمان بالقضاء والقدر إلا بالتحقيق الإيمان بمراتبه الأربع: وهي العلم والكتابة والمشيئة والخلق. العلم والكتابة والمشيئة والخلق. فأولًا: تؤمن أن الله عز وجل قد علم كل شيء. علم ما كان، وعلم ما العباد عاملون. وعلم جل وعلا ما سيعملونه في المستقبل. لا يخرج ذلك عن علم الله جل وعلا. كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. وقال جل وعلا: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾. فلا يخرج شيء عن علم الله جل وعلا. هذه أول مرتبة من مراتب القدر: العلم. ثم الإيمان بالكتابة: أن الله عز وجل كتب ذلك في اللوح المحفوظ. كما قال ربنا جل وعلا: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾. وهكذا أيضًا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، كما في قوله: «إن أول ما خلق الله القلم، قال: أكتب. قال: وما تكتب؟ قال: أكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة». قال: «فجرى القلم في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة». فتؤمن أن كل شيء قد كتبه الله سبحانه وتعالى. ثم المرتبة الثالثة: مرتبة المشيئة. وهو الإيمان بأن الله جل وعلا قد شاء كل شيء. ولا يخرج شيء عن مشيئة الله، من أفعال العباد وأعمالهم، ومن خلق الله سبحانه وتعالى وإيجاده. كما قال جل وعلا: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾. وقال عز وجل: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾. فكل شيء بمشيئة الله سبحانه وتعالى. ثم المرتبة الرابعة: وهي مرتبة الخلق. أن تؤمن أن كل شيء فهو من خلق الله سبحانه وتعالى: الخير والشر. لعموم قول الله: ﴿وَاللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. و﴿اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾. و﴿خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾. فإذا آمن العبد بهذه المراتب الأربع، فإنه يحقق الإيمان بالقضاء والقدر. فظل في هذا الباب طائفتان: القدرية والجبرية. القدرية: وهم نفات القدر. نفوا أن يكون لله عز وجل مشيئة وخلق في أفعال العباد. وقالوا: ليس لله عز وجل مشيئة وخلق في أفعال العباد. وإنما العبد هو الذي يخلق فعل نفسه، هو الذي يخلق فعل نفسه. ليس لله مشيئة في أفعال العباد، وليس لله جل وعلا خلق لأفعالهم. فنفوا عن الله جل وعلا القدر في أفعال العباد. وفي مقابلهم: الجهمية، وهم الجبرية، غلاة مثبتة القدر. فقالوا: إن الله عز وجل هو الخالق لكل شيء. لكن العبد ليس له مشيئة. فنفوا عن العبد المشيئة. قالوا: ليس له اختيار، وإنما هو كالشجرة في مهب الريح. تأتي الريح تحركها يمينًا، وتحركها شمالًا. قالوا: هكذا المخلوق، ليس له أي اختيار. الله عز وجل خلق أفعاله، لكن ليس له مشيئة. فهو مجبر على كل ما يفعله. لذا يسمون بالجبرية، لأنهم يقولون بأن المخلوق مجبور على كل أفعاله. فهم يفعلون ما يفعلون من الذنوب والمعاصي، وهم مجبرون على ذلك. لماذا؟ قالوا: لو كان الله عز وجل خلق هذه الأفعال فيهم، ثم عاقبهم عليها، لكان هذا ظلمًا من الله جل وعلا. قالوا: أن الله خلق أفعال العباد، أو جعل العبد له مشيئة واختيار، ثم عاقبه على فعله لما يفعل من الذنوب والمعاصي، لكان هذا ظلمًا. وهذا من جهلهم. وعقيدة أهل السنة والجماعة: أن العبد له مشيئة، وله اختيار. لكن مشيئته تابع لمشيئة الله. مشيئة المخلوق تابع لمشيئة الله. كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. هذه الآية فيها رد على القدرية والجبرية. فقوله جل وعلا: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ﴾ رد على الجبرية الذين يقولون: أن العبد ليس له مشيئة. فالله عز وجل أثبت له مشيئة. وقوله: ﴿إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ رد على القدرية الذين يقولون: بأنه ليس لأفعال العباد مشيئة، ما دام أن الله لم يشأ أفعال العباد، ولم يخلقها. وأهل السنة يقولون: بأن أفعال العباد مخلوقة. وأن العبد له اختيار، وهو يفعل الشيء باختياره. وهذه الأفعال مخلوقة لله. والعبد يفعلها بنفسه. فإن قيل: كيف يعذبه عليها، وهو قد شاءها الله سبحانه وتعالى؟ فكيف يعذبه عليها؟ فالجواب: أن الله عز وجل بين للعبد طرق الهداية وطرق الغواية. كما قال جل وعلا: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾. وقال: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾. فهو يسلك طريق الغواية باختياره وإرادته. فهو الذي يوقع نفسه في غضب الله، ويعرض نفسه للعقوبة. كما أنه لو سلك طريق الهداية، وطريق السداد والاستقامة، لكان من الناجين. ويرد على القدرية بقول الله جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾. الله خلقكم وما تعملون. ما هنا لها معنيان، كما قال أهل العلم: إما أن تكون مصدرية، ويكون المعنى: والله خلقكم وعملكم. والله خلقكم وعملكم. وهذا يدل على أن عمل العبد مخلوق. وإما أن تكون موصولة، بمعنى «الذي». ويكون المعنى: والله خلقكم، والذي تعملون. والذي تعملون. وعلى كل، فهي دالة على أن أفعال العباد مخلوقة. فإن قيل: أليس في أفعال العباد شر؟ فيقال: نعم. الشر من خلق الله، لكنه ليس من فعل الله. فليس في أفعال الله شر. أفعال الله كلها خير. وإنما الشر هو من فعل العبد، هو الذي يباشر فعل الشر، ويفعله باختياره وإرادته. وكان من دعاء النبي عليه الصلاة والسلام: «والشر ليس إليك». أي لا يضاف إليك. فالشر يضاف إلى الله جل وعلا خلقًا، ولا يضاف إليه فعلًا. وليس في أفعال الله شر محض. إبليس لا شك أنه من رؤوس الشر، خلقه الله عز وجل لحكمة ومصلحة وغاية، وهو ابتلاء العباد وامتحانهم. فليس في خلقه شر محض. النار لا شك أنها شر على أهلها، لكن خلقها الله عز وجل لحكمة، هي تخويف للعباد، وإنذار لهم في وقوع من معصية الله سبحانه وتعالى. فليس في أفعال الله سبحانه وتعالى شر محض. طيب، فإذن في أفعال العباد كلها مخلوقة لله جل وعلا. والعبد عليه أن يعمل بطاعة الله، ويجتنب معصية الله. هو لا يدري ما الذي كتبه الله عز وجل عليه. لكن مع ذلك عليه أن يسلك سبل الهداية وسبل النجاح، ويسأل من الله جل وعلا التوفيق والسداد. ولما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة أن ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة، ومقعده من النار. قالوا: يا رسول الله، ففيما العمل إذن؟ لماذا نعمل؟ قال: «اعملوا، فكل ميسر لما خلق له». فمن كان من أهل السعادة، فسيسر لعمل أهل السعادة. ومن كان من أهل الشقاوة، فسيسر لعمل أهل الشقاوة. ثم قرأ قول الله جل وعلا: ﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَىٰ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ﴾. طيب، اكتفي بهذا القدر إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على