الدرس في التعليق على تفسير سورة الكهف 4، ألقاها
يشرح تفسير آية وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم، حيث بعث الله أصحاب الكهف بعد نوم طويل ليتساءلوا عن مدة لبثهم. يُبين أن الله أطلعهم على حقيقة لبثهم تحقيقا لحكمة بعثهم وتعليما للناس.
يشرح المقطع فوائد مستخرجة من قصة أصحاب الكهف، منها الحث على العلم والمباحثة فيه، والأدب في التعامل مع المسائل غير المعروفة، وصحة الوكالة في البيع والشراء. يُظهر أهمية هذه الدروس في الحياة اليومية للمسلم.
يعدد المقطع الفوائد المستفادة من قصة أصحاب الكهف، منها طلبهم الطعام الطيب والتحرز من الفتن. كما يحذر من العودة إلى ملّة الكفر ويبين أنّ العودة إليها تُعتبر خسارة أبدية.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام العلامة أبو رحمة الناطر السعدي رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾، قال قائل منهم: «كم لبثتم؟» قالوا: «لبثنا يوما أو بعض يوم»، قالوا: «ربكم أعلم بما لبثتم، فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة، فلينظر أيها أزكى طعاما، فليأتكم برزق منه، وليتلطف، ولا يشعرن بكم أحدا، إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم، ولن تفلحوا إذا أبدا». قال: «يقول تعالى: وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ مِنْ نَوْمِهِمْ الطَوِيلِ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ، أي: ليتباحثوا للوقوف على الحقيقة من مدة لبثهم»، قال قائل منهم: «كم لبثتم؟» قالوا: «لبثنا يوما أو بعض يوم»، وهذا بناء على ظن القائل، وكأنهم وقع عندهم اشتباه في طول مدتهم، فلهذا قالوا: «ربكم أعلم بما لبثتم»، فرد العلم إلى المحيط علمه بكل شيء جملة وتفصيلا. وهذا فيه أن مرور الأيام على الموتى مرورا سريعا، كما أن النائم ربما ينام الساعات الطويلة فيستيقظ ويظن أنه لم ينم إلا ساعة. وهكذا يكون مرور الأيام على الموتى إلى قيام الساعة، فإنها تمر عليهم مرورا سريعا. فهؤلاء أنامهم الله جل وعلا ثلاثمائة سنين، ثلاثمائة وتسع سنين، ومع ذلك مرت عليهم كأنها يوما أو بعض يوم. قال: «ولعل الله تعالى بعد ذلك أطلعهم على مدة لبثهم، لأنه بعثهم ليتساءلوا بينهم، وأخبر أنهم تساءلوا وتكلموا بمبلغ ما عندهم، وصار آخر أمرهم الاشتباه»، يعني اشتبه عليهم المدة التي لبثوها، فلابد أن يكون قد أخبرهم يقينا. علمنا ذلك من حكمته في بعثهم، وأنه لا يفعل ذلك عبثا، يعني أن الله عز وجل بعثهم ليعلموا المدة التي مكثوها، وهكذا يعلم الناس بحالهم وأمرهم. قال: «ومن رحمته بمن طلب علم الحقيقة في الأمور المطلوب علمها، وسعى لذلك ما أمكنه، فإن الله يوضح له ذلك»، وبما ذكر فيما بعده، وبما ذكر فيما بعده من قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾، فلولا أنه حصل العلم بحالهم لم يكونوا دليلا على ما ذكر، يعني في قوله جل وعلا: أنه لما بين للناس أمرهم وعثر عليهم، جعل ذلك جل وعلا من الأدلة الدالة على وقوع الساعة، وكذلك أيضا وقوع البعث والنشور. قال: «ثم إنهم لما تساءلوا بينهم، وجرى منهم ما أخبر الله به، أرسلوا أحدهم بورقهم، أي: بالدراهم»، «فاعبثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة»، قال: التي كانت معهم، ليشتري لهم طعاما يأكلونه من المدينة التي خرجوا منها، وأمروه أن يتخير من الطعام أزكاه، أي: أطيبه وألذة، وأن يتلطف في ذهابه وشرائه وإيابه، وأن يختفي في ذلك ويقفي حال إخوانه، ولا يشعرن بهم أحدا. وذكروا المحذور من اطلاع غيرهم عليهم، وظهورهم عليهم، أنهم بين أمرين، إما الرجم بالحجارة، يعني: إن طلعوا عليهم وعرفوهم، فهم إما أن يرجمونهم بالحجارة، قال: فيقتلونهم أشنع قتلة، لحنقهم عليهم وعلى دينهم، وإما أن يفتنوهم عن دينهم ويردوهم في ملتهم. وفي هذه الحال لا يفلحون أبدا، بل يخسرون في دينهم ودنياهم وأخرهم. قال: «وقد دلت هاتان الآيتان على عدة فوائد، منها الحث على العلم وعلى المباحثة فيه، لكون الله بعثهم لأجل ذلك»، يعني أن يتباحثوا وينظروا علم المدة التي مكثوا فيها. قال: «ومنها الأدب فيمن اشتبه عليه العلم أن يرده إلى عالمه، وأن يقف عند حده»، يعني إذا لم يعلم حكما مسألة من المسائل، فإن من الأدب أن يرد العلم إلى عالمه، فيقول: الله أعلم، ولا يخوض في شيء لا يعلمه. قال: «ومنها صحة الوكالة في البيع والشراء، وصحة الشركة في ذلك»، ووجه ذلك أنهم وكل أحدهم أن يشتري لهم طعاما، فدل ذلك على صحة الوكالة. قال: «ومنها جواز أكل الطيبات والمطاعم اللذيذة إذا لم تخرج إلى حد الإسراف المنهي عنه»، لقوله: «فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه»، فهم طلبوا أن يشتري لهم الطعام الطيب والأحسن، وهذا يدل على أنه لا بأس للإنسان أن يأكل الطيبات وأطعمة اللذيذة والطيبة إذا لم يخرج ذلك إلى حد الإسراف، لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾، فإن لم يكن في ذلك إسراف أو تبذير، فإنه على أصل الإباحة. قال: «وخصوصا إذا كان الإنسان لا يلائمه إلا ذلك»، يعني لا يلائمه إلا الطعام الطيب. قال: «ولعل هذا عمدة كثير من المفسرين القائلين بأن هؤلاء أولاد ملوك، لكونهم أمروه بأزكى الأطعمة لأنهم تعودوا على ذلك وألفوا ذلك»، فلذلك طلبوا أن يأتي لهم بالطعام الطيب، قال: «التي جرت عادة الأغنياء الكبار بتناولها». ومنها الحث على التحرز والاستخفاء والبعد عن مواقع الفتن في الدين، واستعمال الکتمان في ذلك على الإنسان وعلى إخوانه في الدين، يعني حتى لا يوصل إليهم الشر أو يصابوا بشيء من السوء، فيتحرز ويستخفي ويبتعد عن مواقع الفتن، فإن هذا أمر مطلوب. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إن السعادة لمن جنب الفتن، إن السعادة لمن جنب الفتن، إن السعادة لمن جنب الفتن، ولمن ابتلي فصبر فواها»، رواه الترمذي من حديث المقداد بن الأسود رضي الله تعالى عنه. فالبعد عن مواضع الفتن من أسباب السلامة والسعادة، وهو أمر مطلوب، وكما في قوله عليه الصلاة والسلام: «من وجد ملجأ أو معاذا فلعذ به». قال: «ومنها شدة رغبة هؤلاء الفتية في الدين، وفرارهم من كل فتنة في دينهم، وتركهم أوطانهم في الله»، فهم لأجل رغبتهم في الدين الحق، وتحقيق توحيد الله جل وعلا، وبغض ما كان عليه قومهم من الشرك وعبادة الأصنام، فروا من مدينتهم التي يعيشون فيها، ورضوا بالجلوس في ذلك المغارة الذي أخبر الله سبحانه وتعالى فيه بشأنهم. قال: «ومنها ذكر ما اجتمع عليه الشر من المضار والمفاسد الداعية لبغضه وتركه، وأن هذه الطريقة هي طريقة المؤمنين المتقدمين والمتأخرين»، لقولهم: «ولن تفلحوا إذا أبدا»، وفيه كذلك أيضا من الفوائد أن الأمم السابقة كانوا لا يعذرون في الكفر، ولو كان ذلك على سبيل الإكراه، يعني: ولو كره أحدهم على الكفر فكفر، فإنه يؤاخذ بذلك ويعاقب عليه، بخلاف هذه الأمة، فإن الله عز وجل من تيسيره عليها وتخفيفه عما كان في الأمم الماضية من الآصار، وكذلك أيضا الشدائد، أن الإنسان إذا أكره على الكفر فكفر ظاهرا مع اطمئنان قلبه بالإيمان، فإنه لا يؤاخذ بذلك. ووجد ذلك في قوله: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾، يعني: إن عدتم إلى ملتهم، ولو كان ذلك على سبيل الإكراه، فإنهم يحصل لهم الخسارة، وهذا يدل على أنهم لا يعذرون بالوقوع في الكفر، ولو كان ذلك على سبيل الإكراه. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.