آثار وآداب الصيام 7

الدرس في آثار وآداب الصيام 7، ألقاها

فضل شهر رمضان في مغفرة الذنوب

شهر رمضان فرصة للمغفرة لمن صامه إيمانًا واحتسابًا، حيث تُغفر الذنوب والزلات. الصيام والقيام من الأعمال التي تُكسب المغفرة.

دور الاستغفار في نيل المغفرة

الاستغفار له أهمية كبيرة في نيل مغفرة الله، وقد ورد ذكره في القرآن والسنة النبوية. كثرة الاستغفار تُعد من أسباب المغفرة.

أسباب مغفرة الله وتفاصيل الدعاء بالمغفرة

من أسباب مغفرة الله كثرة الاستغفار والدعاء بالمغفرة والانكسار بين يديه. سيد الاستغفار له أهمية خاصة في طلب المغفرة والتوبة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فإن شاء الله تعالى، كما اعتدنا أيها الإخوة، نأخذ بعض آثار هذا الشهر العظيم. ومن آثاره كذلك التي دلت عليها الأدلة المغفرة، فشهر رمضان هو شهر الصيام والقيام وغيره، كذلك هو شهر المغفرة، تغفر فيه الذنوب والزلات. وقد جاء ذلك في الأدلة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فمن ذلك ما جاء في البخاري ومسلم في حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه». هما حديثان، ومن أصحاب الزهري من يجعلهما حديثًا واحدًا، كما كان يقول سفيان: «من صام وقام رمضان». وأكثر أصحاب الزهري يقولون: «من قام رمضان». وكان مالك يأتي بالحديثين معًا. وهذا يدل على أن الزهري كان يحدث بهذا تارة، وهذا تارة، وكلاهما صحيح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه». وأيضًا الحديث الآخر: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه». وهذا أكثر أصحاب الزهري. والمهم أن الحديثين صحيحين: «من صام رمضان»، و«من قام ليلة القدر». وأيضًا بعضهم -كما قلنا- يضم «من قام» مع الصيام: «من صام وقام». فيحمل القيام على قيام الشهر كله، فيدخل فيه ليلة القدر. فهذا الحديث يدلنا على الأمر الذي أردناه، وهو مغفرة الذنوب. وأن من صام هذا الشهر العظيم غفر الله عز وجل له ذنوبه، إيمانًا بالله جل وعلا، أي على التوحيد، واحتسابًا للأجر والثواب. كذلك أيضًا جاء في السنن في حديث كثير بن مرة عن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه صعد المنبر وقال: «آمين، آمين، آمين». فقالوا له: يا رسول الله، إنك لم تكن تصنع ذلك. فقال: «آتاني جبريل، فقال: رغم أنف رجل أدرك أبويه أو أحدهما ولم يدخلاه الجنة، قل آمين. فقلت: آمين. ورغم أنف رجل أدرك رمضان أو دخل عليه رمضان ثم انسلخ ولم يغفر له، قل آمين. فقلت: آمين. ورغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل عليك، قل آمين. فقلت: آمين». وجاء أيضًا هذا الحديث من طريق أخرى عن أبي هريرة من طريق سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة، ولم يذكر قضية المنبر، وإنما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رغم أنف رجل أدرك أبواه أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة، ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ ولم يغفر له، ورغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل عليه». اللهم صل على محمد. فهذا الحديث يدلنا أيضًا على المغفرة التي تكون في رمضان. وأن الخاسر هو الذي يخرج عليه رمضان ولم يغفر الله عز وجل له. لماذا لم يغفر الله عز وجل له؟ لأنه لم يتعرض لمغفرة الله سبحانه وتعالى، ولم يتعرض لمغفرة الله جل وعلا. والمغفرة المراد بها -كما قال العلماء- هي ستر الذنب، فلا تكون فيه عقوبة في الدنيا ولا في الآخرة. المغفرة: ستر الذنب عن الذنب، يكون موجودًا ومكتوبًا، لكنه يستره الله عز وجل، فلا يعاقب العبد في الدنيا ولا في الآخرة. والتوبة أعم، فالتوبة هي محو هذا الذنب، وكذلك ما كان معه من ذنب. فالتوبة أعم من المغفرة. لكن أحيانًا يطلق التوبة في مكان الاستغفار، ويطلق الاستغفار في مكان التوبة، وهو مما يكون بينهما عموم وخصوص. يعني إذا اجتمعا، فالمغفرة المراد بها محو الذنب أو ستر الذنب، والتوبة محوه. وإذا تفرقا، فيدخل هذا في هذا، يعني إذا ذكر الاستغفار دخلت فيه التوبة، وإذا ذكرت التوبة دخل فيها الاستغفار. لكن تجد أن كثيرًا من الأحاديث التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيها مغفرة الذنب، وتجد كثيرًا منها العلماء يقولون: إن هذه المغفرة هي مغفرة الصغائر خاصة، وليس توبة، يعني يتوب الله عز وجل عليه. فالتوبة عموم، ولهذا جاء في حديث أبي هريرة: «الجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر». وفي حديث أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من توضأ نحو وضوئي هذا، غفر الله له ذنوبه ما لم تغش الكبائر». وغيرها من الأحاديث يبين فيها النبي صلى الله عليه وسلم أن المغفرة حاصلة، لكن عند عدم وجود الكبائر. وكأن الكبائر لا تغفر إلا بالتوبة. فالتوبة تكون أعم من المغفرة، أو أعم من الاستغفار. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، فهنا المراد بها التوبة، أي لا يتوب الله عز وجل على العبد ويغفر ذنبه، أو إذا كان مشركًا لا يغفر الله عز وجل للمشرك، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. فتبين معنى أن المغفرة هي ستر الذنب، إذا اجتمعت مع التوبة، وإلا قد تكون في محل التوبة. فهنا الآن عندنا مغفرة الذنوب في هذا الشهر العظيم. والمغفرة -كما قلنا- تكون لتعرض العبد إلى هذه الأمور التي تؤدي إلى مغفرة الله عز وجل. فمن ذلك الصيام الصحيح، الذي أراده الله عز وجل، والأعمال أيضًا الصالحة غير الصيام. جاء في حديث حذيفة في الصحيحين لما قال عمر: «من يحفظ حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الفتنة؟» قال حذيفة: «أنا». «فتنة الرجل في أهله وماله وجاره، تكفرها الصلاة والصيام والصدقة». كذلك أيضًا تذكر النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة في الوضوء، وفي الصلاة، وفي الحج، وفي الصيام، وفي غيرها من العبادات، أن الله عز وجل يغفر ذنب من فعل كذا وكذا. وهذا كله في تعرض لمغفرة الله جل وعلا. كذلك أيضًا من الأسباب التي يتعرض بها العبد لمغفرة الله جل وعلا أنه يستغفر الله، يكثر في الاستغفار لله جل وعلا. وقد جاءت الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة. الله عز وجل في كثير من الآيات يأمر عباده أن يستغفروه سبحانه وتعالى، وكذلك على لسان الأنبياء. الله عز وجل قال على لسان نوح: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾. وقال أيضًا على لسان هود: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾. وغيرها من الآيات التي ذكرها الله عز وجل في كتابه بالأمر بالاستغفار. وكذلك أيضًا فضل المستغفرين، كما ذكر الله عز وجل أهل الإيمان وأهل الصلاة، فذكر منهم والمستغفرين بالأسحار، الذين يستغفرون بالأسحار. وهذا الشهر من أعظم الفرص التي يجدها الشخص في الاستغفار في ذلك الوقت، لأن غالبًا أكثر الصائمين يقومون لأجل السحور، لأجل أن يتسحروا في وقت السحر، وهو قريب الفجر، فيستغل هذا الوقت بالاستغفار، إما بعد السحور بعد ما يتسحر، أو قبل ما يتسحر قبل أن يأتي سحوره، فيستغل هذا الوقت بالاستغفار، لعل الله عز وجل يدخله في هؤلاء الذين ذكرهم الله وأثنى عليهم، وأنهم يستغفرون بالأسحار. كذلك أيضًا جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحاديث كثيرة، من ذلك حديث رواه الإمام أحمد، وكذلك الترمذي، عن بلال بن كعب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أنس، وبلال ضعيف، إلا أن الحديث قد جاء عن أنس من طرق، فهو حديث صحيح. يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «يقول الله عز وجل: يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ولا أبالي. يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني لغفرت لك. يا ابن آدم، لو جئتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لم تشرك بي شيئًا، لقيتك بقرابها مغفرة». هذا الحديث العظيم حديث قدسي ينسبه نبينا صلى الله عليه وآله وسلم إلى ربه. وهذا الحديث من هذا الباب، وهو حديث قال بعض الصلحاء -كما ذكر الحافظ ابن حجر- أنه أرجى حديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فقال الله عز وجل، يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت ما كان منك ولا أبالي. وهذا يدل على أن من التعرض لمغفرة الله جل وعلا أن الإنسان يدعو ويرجو في دعائه المغفرة، أن الله عز وجل يغفر له ذنوبه. يدعو الله عز وجل، وكذلك يرجو. والرجاء هذا المراد به الإلحاح والحث على المغفرة. ومعنى ذلك أن الإنسان يكثر من الاستغفار. والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم. وكلما استغفر الإنسان أكثر، فإن الله عز وجل يغفر له ذنبه، بل يغفر له ذنوبه. فلهذا قال الله عز وجل: ﴿يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي﴾. يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني لغفرت لك. هذا يدل على الحث على الاستغفار، وأن الإنسان لا يترك الاستغفار أبدًا، وأنه من أعظم العبادات طاعة لله جل وعلا، أي الاستغفار لله جل وعلا. فثم قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «يا ابن آدم، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لم تشرك بي شيئًا، لقيتك بقرابها مغفرة». يدل على أن التوحيد لا بد منه للمغفرة، ما تكون إلا بالتوحيد. أما قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، ففي هذا الحديث حث عظيم على التعرض لمغفرة الله جل وعلا، والتعرض تكون بالدعاء والرجاء، وكذلك بالاستغفار. ونبينا صلى الله عليه وآله وسلم كان أكثر الناس استغفارًا، وهو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، لكنه كان يستغفر كثيرًا. صلوات الله وسلامه عليه. تقدم معنا حديث الذي رواه أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إنه لا يغلب على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مئة مرة». إنه لا يغلب على قلبي، أي: لا يصيبني شيء من هذا الباب، وهذا من تواضعه صلى الله عليه وآله وسلم، وإلا فهو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كله لله، كله عمله لله سبحانه وتعالى، قد بلغ مبلغًا عظيمًا جدًا لم يبلغه أحد من خلق الله جل وعلا، فهو أفضل الخلق عند الله جل وعلا. كذلك جاء في صحيح البخاري حديث أبي هريرة أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة». أكثر من سبعين مرة، وهو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وكذلك أيضًا في الصحيح عن عبد الله بن مسعود قال: «إن كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المجلس الواحد أكثر من مئة مرة يقول: أستغفر الله وأتوب إليه». إنه التواب الرحيم. فهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكثر من استغفار الله في مجالسه، وهو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فلهذا ينبغي علينا أن نكثر من هذا الاستغفار. وقد جاء في حديث عبد الله بن بسر، وذكره شيخنا في «الصحيح المسند»: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارًا كثيرًا». طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارًا كثيرًا، أنه يستغفر الله دائمًا، استغفر الله، وخاصة -كما قلنا- هذا أعظم وأفضل وقت للاستغفار، هو وقت السحر، وقت السحر، عن قرب الفجر، هذا أفضل وقت للاستغفار. فهذه الأشياء هي من التعرض -كما قلنا- لمغفرة الله جل وعلا: الدعاء، والأعمال الصالحة، ومنها الصيام، وفي هذا الشهر العظيم، كذلك أيضًا الدعاء بالمغفرة، وكذلك الرجاء والحث والانكسار بين يدي الله جل وعلا، هذا أيضًا من التعرض لمغفرة الله. وكثرة الاستغفار، كثرة الاستغفار أيضًا مما يتعرض فيه أيضًا لمغفرة الله جل وعلا. كذلك أيضًا هناك أمور تدخل في هذا الباب، وهي من التعرض لمغفرة الله. جاء في البخاري ومسلم في حديث شداد بن أوس في ذكر سيد الاستغفار، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «سيد الاستغفار: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت». فهذا الحديث جمع أشياء قبل الاستغفار، وسماه النبي صلى الله عليه وآله وسلم سيد الاستغفار، أفضل استغفار يستغفر به العبد. وكذلك بعده أيضًا حديث عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما قال أبو بكر الصديق: «يا رسول الله، دلني على دعاء أدعو به في صلاتي». قال: «قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم». فتبين من هذين الحديثين أن هناك أمور ينبغي أن يجعلها المستغفر نصب عينيه، وأيضًا يفعلها ويقولها. ففي الحديث الأول، حديث سيد الاستغفار، أولًا يبدأ بتوحيد الله: «لا إله إلا أنت». وأنا عبدك، خلقتني، وأنا عبدك، اعتراف بربوبية الله جل وعلا وألوهيته سبحانه وتعالى. خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك، وهذا أيضًا فيه أن العبد يبين أنه على طاعة الله، وأنه لم ينقض عهد الله عز وجل. أن الله عز وجل قد أخذ ميثاق بني آدم: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾. فهذا الميثاق والعهد الذي أخذه على بني آدم لشهادتهم لربوبية الله عز وجل وألوهيته، وهو -كما قال العلماء- هو الفطرة التي خلق الله عز وجل عليها الإنسان. ما يذكر هذا العهد الذي أخذه الله، لكن هو الفطرة، أن الله عز وجل خلق العباد على الفطرة، يعرفون الله عز وجل. ما من عبد يخلقه الله عز وجل ولو كان طفلًا صغيرًا إلا وهو يعرف الله. معنى هذا العهد الذي أخذه الله، لكن هو الفطرة. فلهذا قال: «اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت». أي: أكون على طاعة الله عز وجل ما استطعت، أجتهد في طاعة الله، وما حصل مني من تقصير فيأتي بعده في الشق الثاني. معنى أني أستغفرك منه، فقال: «وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت». وهذا فيه استعاذة مما صنع الإنسان من شره. ولو بد أن الإنسان ليس معصومًا من الخطأ إلا من عصمه الله، فهو واقع في الخطأ لا محالة. لكن الإنسان إذا وقع في هذا، أولًا يعترف أنه وقع لله عز وجل، يعني يعترف لله، ويستعيذ بالله عز وجل من هذا الشر: «أعوذ بك من شر ما صنعت». ولهذا أيضًا في حديث أبي ذر أن الله عز وجل يقول: «يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب، فاستغفروني أغفر لكم». فالخطأ واقع من الإنسان، يخطئ بالليل والنهار، الله عز وجل -كما ذكرنا في حديثه مع موسى- يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل. فإذا ارتكب ذنبًا في الليل تاب وأناب إلى الله عز وجل، وإذا كان في النهار تذكر في الليل قبل أن ينام، أو عند الصلاة تذكر أنه أذنب هذا الذنب، فاستغفر الله وتاب إليه. فكل هذا يدخل في هذا الباب. فقال في هذا الدعاء، وهو سيد الاستغفار: «أبوء بنعمتك علي، وأبوء بذنبي». وهنا نظر إلى النعمة، وأبوء بذنبي. ولهذا يقول العلماء -كما ذكر الإمام ابن القيم- أن أعلم الناس بالله هو الذي ينظر بعينين: ينظر إلى نعمة الله عز وجل عليه، وينظر إلى عيب نفسه. ينظر إلى نعمة الله، وينظر إلى عيب نفسه، فيعترف أولًا يشكر الله عز وجل على نعمته، ويعترف بذنبه. فإذا حصل هذا، فإنها تحصل المغفرة بإذن الله جل وعلا. أو كما قال رحمه الله، أي: الإمام ابن القيم رحمه الله. فلهذا ذكر هنا في هذا الحديث: «أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت». فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. فهذا في هذه الأمور العظيمة: التوحيد، وكذلك الاعتراف بربوبية الله وألوهيته، وكذلك الاعتراف بالذنب والاستعاذة منه، وكذلك أيضًا ذكر نعمة الله عز وجل عليك، ثم بعد ذلك الاستغفار لله جل وعلا. فهذه من الأسباب أو مما يتعرض فيه لمغفرة الله جل وعلا ورحمته سبحانه وتعالى. فهذه بعض الأسباب التي يتعرض فيها لمغفرة الله جل وعلا، ومنها -كما قلنا- وهو بيت قصير: هذا الشهر العظيم، وصيامه، فإنه أيضًا مما يتعرض به لمغفرة الله جل وعلا. وكما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه». وكذلك أيضًا قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «رغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ ولم يغفر له». فنسأل الله جل وعلا أن يغفر لنا ذنوبنا وأخطاءنا، ويتوب علينا سبحانه وتعالى. والحمد لله رب العالمين.

شاركنا على