الدرس في آثار وآداب الصيام 18، ألقاها
يكتسب المؤمن عزة النفس بترك الشهوات والتواضع وعدم سؤال الناس. هذه العزة تعزز النفس وتجعلها تتجنب الدناءات.
يُحرم سؤال الناس من غير حاجة، ويُشجع على الصدقة والتكافل بين الناس. اليد العليا خير من اليد السفلى.
شهر الصيام فرصة للمدخنين لترك التدخين واستغلال الشهر لتحسين أنفسهم. نسأل الله التوفيق للخير.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قائد الغر المحجلين، صلوات الله وسلامه عليه. أما بعد، فإن شاء الله تعالى نواصل ما قد ذكرناه بالأمس من آثار هذا الشهر العظيم وآدابه. اكتساب العزة، عزة النفس، اكتساب عزة النفس في هذا الشهر أو في صيامه، فتقدم معنى أن من عزة نفس أهل الإيمان أنهم لا يتشبهون بأهل الكفار، لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «فديننا هو له فيه العزة وفيه التمكين وفيه الكفاية، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين، ولكن المنافقين لا يفقهون». فلهذا، عباد الله، كذلك تجد أنه في هذا الشهر يكتسب العبد هذه العزة العظيمة التي ما حلت في نفس إلا سمت هذه النفس وعلت، وصارت لها الفضائل العظيمة والأخلاق الفاضلة، وكرهت أو الأخلاق السافلة والرديئة. قد تقدم معنا ما جاء عن ابن عباس والحسين بن علي والسهيل وغيرهم من الصحابة، ذكره الشيخ الألباني في «الصحيحة» أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يقول: «إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها». فلهذا، فهذه عزة النفس التي تكره هذه الدناءات الأمور وتتنزه عنها وتعمل بمعالي الأمور والأخلاق الفاضلة، فهذه العزة وليس هي التكبر، لأن بعض الناس يخلط بين هذا وهذا. فالكبر بطر الحق وغمط الناس واحتقارهم، فالكبر غمط الناس واحتقار الناس، وأيضًا رد الحق، فهذا الكبر الذي ذكره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأما عزة النفس فهي شيء آخر من الأخلاق الفاضلة، وهي أيضًا ليست منافية للذلة لأهل الإيمان، الله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. فهذه الذلة للمؤمنين ليس المراد أنها ذلة ضد العزة، بل هذه الذلة هي عزة عزة نفس، والمراد بها التواضع لها للإيمان وبدل ما يكون لهم من حقوقهم، وليس المراد الإدلال الذي يكون مثلًا بالحاجة إليهم في الأمور الشخصية. وإنما قد يكون هذا الذلة في الحاجة إلى أهل الإيمان بالتعاون معهم في طاعة الله جل وعلا، وفي ردع العدو، وفي كذلك الأمور التي يتعاون الناس فيها، وليس في الذلة في الأمور الشخصية. ومن أعظم هذه الأمور التواضع لأهل الإيمان، فإنه من أعظم السمات التي تعتز بها النفس، ولهذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكر أن «ما ازداد عبدًا بعفو إلا عزة»، كلما تواضع وعفا وأصلح، كلما ازدادت عزته وشرفه وقدره عند الله قبل الناس، عند الله قبل الناس. فلهذا العزة هذه اكتسبها العبد في هذا الشهر، وهي من وجوه معنى تأتي هذه العزة من وجوه عدة. فمن ذلك أن العبد يترك شهوات الحلال التي حلها الله عز وجل له، يتركها لله سبحانه وتعالى، وهو قادر على أن يأتيها، مثل الطعام والشراب، وأيضًا شهوة الفرج، فهذا يتركها في صيامه. فما دام أنه قد ترك هذه، فهو من باب أولى سيترك ما هو حرام، بل وسيترك كذلك ما هو دنيء، وسيترك أيضًا محقرات الأشياء، فهذه عزة نفس يكتسبها العبد في هذا الصيام. فهو يمنع نفسه من الحلال الذي يمنع نفسه مما قد أحله الله عز وجل له، لكن حرمه عليه في هذا الموضع، فهو قادر على أن يمنع نفسه من سفاسف الأمور ودناءاتها، وأيضًا من الحرام مما يدله كالزنى، وكذلك اللواط، وكذلك هذه الفواحش العظيمة، فإنه سيترفع عنها ويعتز بنفسه عنها، لأن هذه من أعظم الدناءات ومن أعظم الأشياء التي تحتقر فيها النفس، وهي هذه الشهوات. فالشهوة تبعث إلى الذل، تبعث إلى الذل، من تبع الإنسان شهوته فإنه أذل نفسه، أذل نفسه عند من لا يستحق، وأذلت النفس عند عباد الله عز وجل، وأيضًا أو كأنك تحتاج منهم إلى شيء، وخاصة الإلحاح في مثل هذه الأشياء، فهذا ذل لغير الله جل وعلا. فالذي تتشوف نفسه إلى ما في يد الناس، وكذلك سؤالهم، غالبًا ما يكون يبتعد عن الله عز وجل وعن سؤال الله، ومن احتاج إلى الله جل وعلا وسأل الله سبحانه وتعالى لم يحتج إلى ما في أيدي الناس. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. كذلك أيضًا يكتسب هذه العزة في صيامه من تركه للممارات والمجادلات، وترك أيضًا الصياح، فإن النبي صلى الله عليه وعليه وسلم قد ذكر في الحديث الذي هو مشهور، في قول النبي صلى الله عليه وعليه وسلم: «فإذا كان صوم يوم يحجكم فلا يرفث ولا يصخب ولا يجهل». وهذا الحديث هو معروف في الصحيحين، حديث الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة. فهذا الحديث دلنا على أن من اكتسب هذه الأمور أيضًا فهو في عزة نفس، يعز نفسه أن تدخل في هذه الممارات وهذا الصياح، يصايح هذا ويصايح هذا، وأيضًا يخرج مع الجيران يضاربهم وكذا، فهذا ليس من أخلاق المؤمن، وهذا يترفع عنها أهل الإيمان. ما ينبغي أن يسلك نفسه في مثل هذه الأشياء، بل ينبغي عليه أن يترفع، ولهذا من صفات النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه نبينا صلوات الله عليه وسلامه سبحانه وتعالى أنه وصفه في التوراة أنه «ليس بصخاب في الأسواق»، ليس بصخاب، معنى صياح يصيح في الناس ويصيح في الأسواق ويجادل ويهاجر، هذا ليست من أخلاق الأنبياء ومن أخلاق النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بل هذه أيضًا ليست من أخلاق أهل الإيمان. فلهذا فالصيام يبعث عزة النفس من هذا الباب كذلك. وكذلك عباد الله أيضًا من التربية العظيمة التي ربانا الإسلام عليها أننا لا نسأل إلا الله جل وعلا، معنى إذا أردنا أن نسأل نسأل الله سبحانه وتعالى، نتوجه إلى الله جل وعلا. فلهذا تجد أن في هذا الشهر أجل الإيمان وأهل الأموال الذين عندهم أموال من أهل الإيمان يبذلونها للفقراء، يبذلونها للفقراء حتى لا يحوجونهم إلى السؤال، لا يحوجونهم إلى السؤال والإدلال. وتجد أن الله عز وجل قد وصف أهل الإيمان بالعزة في مثل هذه الأمور، أي بسؤال الناس أو الإدلال النفس لأجل هذه الأمور. فقال الله عز وجل: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾. فهذه الذلة للمؤمنين، ليس المراد أنها ذلة ضد العزة، بل هذه الذلة هي عزة عزة نفس، والمراد بها التواضع لها للإيمان. فقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أشد الناس فقرًا، وكان أحدهم إذا انقطع شسعُه سأل الله عز وجل، معنا من شدة تعلقهم بالله أنه لا يجعل قلبه معلقًا بغير الله، حتى في الأمور التي أمور الرزق وأمور المال وكذا، لا يتعلق قلبه بما في أيدي الناس، بل يتعلق قلبه بالله سبحانه وتعالى، لأنه هو مالك هذه الأموال سبحانه وتعالى، وهو مسخرها ومعطيها جل وعلا. ولهذا تجد في هذا الشهر العظيم الناس يعطي بعضهم بعضًا من الصدقات وكذا، فيكتفي الناس أو كثير من الناس بما أعطوا، بما أعطوا، ولا يحوجهم ذلك إلى السؤال. ولأنه كما هو معلوم في ديننا أن السؤال من غير حاجة، السؤال الناس أموالهم من غير حاجة، هذا منهي عنه، قد جاءت النصوص عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم المتكاثرة في النهي عن السؤال من غير حاجة. فقد جاء، مثلًا، أخرج الإمام البخاري ومسلم من حديث الزهري عن حمزة بن عبد الله بن عمر عن نبيه عن عمر بن خطاب رضي الله عنه أنه قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: لا زالت المسألة بأحدكم حتى يأتي يوم القيامة وليس على وجهه مزعة لحم». وخرج أيضًا لإمام مسلم رحمه الله من حديث قعقاع بن حكيم عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من سأل الناس تكثرًا فإنما يسألهم جمرًا من جهنم، فليستقل أو ليستكثر». فلهذا منع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذلك الأمر، ومن أعطي مالًا فليس هو مثل من سأل، من أعطي مالًا ممكن أنه يأخذه. فقد جاء أيضًا كذلك في الصحيحين، في حديث الزهري عن سالم عن نبيه عن عمر أنه قال: «كنت أسأل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيعطيني، ثم أسأله فيعطيني، ثم قال لي: يا عمر، إن هذا المال من أخذه من غير مسألة ولا استشراف نفس بورك له فيه». معنى أخذه من غير مسألة، أو قال: من أعطاه الله عز وجل هذا المال من غير سؤال ولا استشراف نفس فليتموله، يعني يأخذه ويستمتع به، أعطاه الإنسان أو أعطاه الإنسان مالًا، قال له: خذ هذا المال لك، فهذا هو لم يأتي به على المسألة، ولم يأتي به أيضًا كذلك عن استشراف نفس، وإنما أعطي هذا المال. فقال: فخذه وتموله، أخذه واشتري له، اشتري لك حاجاتك به، وما لا فلا تتبع به نفسك، وما لا فلا تتبع به نفسك. واليد العليا خير من اليد السفلى، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وما لا فلا تتبع به نفسك»، أي إذا كان ليس من هذا الطريق، لا تتبع به نفسك، إذا كنت لأجل سؤال أو تسأل الناس أو تستشرف لأجل أن تأخذ بعض ما في أيدي الناس، فهذا خطأ. لكن ما جاءك من هذا المال فتموله، وجاء كذلك هذا الحديث في صحيح مسلم عن عبد الله بن سعدي رضي الله عنه عن عمر أنه قال: «استعملني عمر في عمالة»، معنى يجمع الصدقة، قال: «فجئته بها، فقال له عمر: خذ هذا لك»، قال: «يا أمير المؤمنين، إنما عملت ذلك لله، ما عملت لأخذ مال»، فقال: «خذ هذا لك»، فقال عمر رضي الله عنه: فقال له أي بعد ما منع أن يأخذه: «كنت عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم آتيه بالمال فيقول: هذا لك»، قال: «لا أخذه»، أو يقول له: «أعطي من هو أفخر مني»، كان عمر رضي الله عنه يقول للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أعطي من هو أفخر مني»، فيقول له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «هذا لك»، لأنه جمع الصدقة من الناس، فأعطاه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أجرته. فكان عمر يقول: «لا أعطيه يا رسول الله، من هو أفخر مني»، ثم قال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذاك الكلام الذي ذكرنا: «يا عمر، من أعطي من هذا المال من غير شراف نفس ولا سؤال، أو قال: ولا مسألة، فليتموله، وما لا فلا يطبع به نفسه». فلهذا، عباد الله، فإذن المسألة من عيب الناس، ولهذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم حث على سؤال الله عز وجل في كل شيء. جاء في مسند الإمام أحمد، والترمذي، من حديث حنش الصنعاني عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «يا غلام، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله». وجاء كذلك في صحيح مسلم، في حديث جرير بن عبد الله البجلي أنه قال: «حدّثني الحبيب الأمين، ألا إنه حبيب إلى قلبي، وهو أمين على حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه، قال: إنه سمعه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «كُنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سادس ستة، أو سابع سبعة»، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ألا تبايعوني؟»، فقال: «على ما نبايعك يا رسول الله؟»، فقال: «لا تبايعوني»، فبسط يده، فقال: «نبايعك يا رسول الله»، فقال: «بايعوني على شهادة أن لا إله إلا الله، وإقامة الصلوات الخمس، واطيعوا أمرِي»، ثم قال كلمة خفية، فسمعته يقول: «ولا تسألوا الناس شيئًا»، قالوا: «لا تسألوا الناس شيئًا»، فقال عوف بن مالك رضي الله عنه: قال: «فرأيت أولئك القوم، إنه ليسقط أحدهم عليه الصوت، فما يسأل أحدًا أن يأخذوا هذا»، من كمال عزة أنفسهم أنهم لا يجعلون، لا يسألون ولا يحتاجون إلى أحد من الناس. ولأن الاحتياج للناس غالبًا هو ذل، غالبًا هو ذل، خاصة في مثل هذه الأمور، فلهذا كان يترفعون الصحابة رضي الله عنهم عن مثل هذا، فكانوا لا يسألون الناس شيئًا. وكان أبو بكر رضي الله عنه من هؤلاء القوم الذين كانوا لا يسألون الناس شيئًا، حتى أنه يسقط عليه الصوت فيخرج من راحلته فيأخذه، ولا يقول لأحد: هكذا الصوت. وهذا من كمال عزتهم، وكذلك من كمال أيضًا أنفسهم، لأنهم سألوا الله عز وجل كل شيء، فاستغنوا عن أن يسألوا المخلوقين، فاستغنوا عن أن يسألوا المخلوقين مما في أيديهم، لأن هذا الذي في أيدي المخلوقين أو في قدراتهم هو أصلا لله عز وجل. فلهذا فيسألوا الأصل وهو الله سبحانه وتعالى، فإذا سألت فسأل الله، لكن كما قلنا كما أجاز الشرع أن الإنسان يسأل أحيانًا يسأل أحيانًا في المضايق التي تضيق على الإنسان. فجاء، مثلًا، في حديث قبيصة بن مخارق الهلالي رضي الله عنه أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسأله، فأعطاه، ثم سأله فأعطاه، ثم قال: «يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة: رجل تحمل حمالة»، رجل تحمل حمالة في الناس، فيعطى حتى يصيب قوامًا من عيش، أو سدادًا من عيش، يعني رجل تحمل حمالة، يعني تحمل دين، أراد أن يصلح بين الناس أو بين قبيلتين، فتحمل دينهم. يعني لابد أن يكون هناك مثلًا خاصة إذا كان هذا الخلاف في أموال، فيأتي هذا الشخص ويجد أن هذا الطرف ما يريد أن يتنازل عن حقه، وهذا الطرف ما يريد أن يتنازل عن حقه، فيقول هذا المصلح: خلاص، هذا المال أنا أتحمله، لا تسأل هذا الشخص، اسألني أنا، أو لا تسأل هؤلاء، خلاص أنا سيتحمل هذا المال وسأرده عليه. قد يكون هذا الرجل ليس عنده ذاك المال الذي سيرده، لكنه تحمل لأجل أن يصلح بين المسلمين، لأجل إصلاح ذات بينهم، خاصة إذا كان بين طوائف، حتى ولو كان بين اثنين، فتحمل حمالة الدين، فإنه يعطى، وله أن يسأل، وله أن يأخذ من زكاة المال أو من صدقة الناس لأجل أن يؤدي هذا الدين. هذا لأنه ليس له هذا، ليس له، وإنما لغيره، مثل الذي يسعى لغيره، مثلًا إنسان يعرف إنسان مريض، أو إنسان مثلًا محتاج، فيقول مثلًا: يدل مثلًا أهل الخير على هذا الشخص، هذا ليس من سؤال الناس، وإنما هذا يرشدهم إلى الخير، يرشدهم إلى أن تكون هذه صدقتهم في موضعها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ورجل أصابته جائحة في ماله»، فله أن يسأل حتى يصيب سدادًا من عيشه، قال: «قوامًا من عيشه»، أصابته جائحة، مثلًا عنده مزرعة احترقت، وهو كسبه، أو عنده بيت مثلًا فيه ماله، فأخذ اللصوص ماله، أيضًا كذلك، حتى في جسمه مثلًا أصابه مرض عزكم الله، وشفى الله عز وجل جميع المسلمين من هذه الأمراض التي تأتي الآن، مثل الأمراض السرطان وغيره. فمثلًا لو أصيب بهذا وهو ما وجد مثلًا مالًا، فله أن يسأل لأجل أن هذا يعتبر من الجوائح، يعتبر من الجوائح، يسأل مثلًا الناس لأجل أنه يعالج نفسه بهذا، أو العلاجات. أما إن كان المرض ليس بذات الذي مثلًا يجعله يسأل الناس ويدل نفسه عند الناس، وهو مثلًا قد يعالجه بشيء بسيط، أو يعالجه هنا وهناك، لكن نفسه تريد مثلًا أن تذهب إلى الخارج، فيقوم ويسأل الناس، هذا خطأ، هذا خطأ. لكن من اضطر إلى مثل هذه الأمور وأصابته هذه الحاجة، فله ذلك أيضًا. كذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ورجل أصابته فاقة»، معنى الثالث هذا: رجل أصابته فاقة، أي فقر وشهد من قومه ثلاثة من ذوي الحجة، من ذوي العقل، يعني يشهدون أن هذا الرجل، معنى من قومه ومن يعرفه، أن هذا الرجل أصابته فاقة، فقر، ما عنده شيء، ما عنده شيء يطعم نفسه ولا أهله، أو عنده شيء بسيط جدًا، معنى ما يقوم بهم. فقال: «فيشهد على ذلك ثلاثة من ذوي الحجة»، انظر إلى التشديد في هذا الأمر، السؤال ليس بهينة أن الإنسان يسأل الناس أموالهم. فلهذا شدد الشرع في هذا، فقال: «يشهد عليه ثلاثة من ذوي الحجة أن فلانًا أصابته فاقة»، حتى يصيب قوامًا من عيش، أو سدادًا من عيش. ثم قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «وما سوى ذلك يا قبيصة فهو سحت يأخذه صاحبها سحتًا». فلهذا فالمسألة أمرها شديد، فينبغي للمسلم أنه لا يعود نفسه على السؤال. والآن كثرة سؤال الناس، وخاصة بعدما جاء هذا البليغ القات، هذا أصبح الناس يسألون الناس لأجل القات، إذا ما وجد معناه، تجد أحيانًا معناه شباب يرثى لهم، شباب في قوة شبابه وفي ريعان الشباب، تجد أن القات يذهب يسأل الناس ألفًا أو خمسمائة، أجل أن يكمل مال القات، يذهب يسأل من هنا ومن هنا، ويدل نفسه لأجل خمسمائة أو ألف، حتى يكمل المال الذي معه لأجل أن يشتري هذه البلية. وتجد أيضًا أن هذه البلية العظيمة فتحت بابًا عظيمًا في السؤال، أكثر السؤال الآن الذين يسألون الناس إنما يسألونهم لأجل هذا، لأجل أن يأخذ بعضهم، يسخر أولاده، يضع هذا في مسجد، وهذا في مسجد، ثم إذا جئت إلى الظهر تجد الرجل قد أخذ القات، وهو جالس في تك أو في شيء، ومخزن لأجل أنه قد جمع هذا المال لأجل هذا القات، والعياذ بالله. فهذه عادة دنيئة، لا ينبغي أن الإنسان يستكثر منها، إلا إذا اضطر الإنسان، أما يجعل هذه مهنة، فهذه سفالة، وهذه أيضًا من سفاسف الأمور التي تنزه عنها المؤمن. ولا ينبغي أن تكون عملًا للإنسان، إلا كما قلنا: إذا اضطر الإنسان يسأل الناس لأجل الحاجة، أو أنه يدل الناس للفقراء وكذا، فهذا ما في شيء. وكذلك من أعطي من مال فهو ليس من اليد السفلى، وإنما الصحيح الذي جاءت به الأحاديث أن اليد السفلى هي السائلة، واليد العليا هي المعطية، اليد السفلى هي السائلة، كما جاءت بذلك الأحاديث، منها ما جاء في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في سنن أبي داود، «اليد العليا خير من اليد السفلى»، فاليد السفلى هي السائلة، وليست الآخذة. فالآخذة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أعطي من هذا المال من غير مسألة ولا استشراف نفس فليأخذه وليتموله»، ولا ينبغي أنه يضع وجهه، ويذهب ما وجهه بالسؤال للناس دائمًا في مثل هذه الأمور، وخاصة كما قلنا: هذه البلية القاتل وغيره الذي أوقع كثيرًا من المسلمين، وخاصة في بلدنا، في السؤال، حتى كثرته، تفشت هذه المسألة، فأصبحت عادة وعملًا لكثير من الناس. وهذا الشهر هو فرصة عظيمة لمن ابتلي بهذا القاتل أن يتركه، لمن ابتلي بهذا القاتل أو هذه السجائر، هذه فرصة عظيمة أيضًا أنه يعز نفسه عن مثل هذه الدناءات، وهذه الخبائث التي أدت بكثير من المسلمين إلى أمور لم تحمد عقباها. فنسأل الله عز وجل أن يوفقنا للخير، وأن يجعلنا هداة المهتدين، لا ضالين ولا مضلين، والحمد لله رب العالمين، ورزقكم الله الخير.