الدرس في كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، وكانت بمسجد ( خالد العمر ) بمنطقة المقد بالحامي يوم الجمعة 18 فبراير 2011م . ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المقطع أهمية الأمانة والرعاية في الإسلام، ويشير إلى عظم أمر الأمانة وضرورة القيام بها. الإخلال في أمر الأمانة يؤدي إلى اختلال الأمور وفساد الرعية.
يؤكد النص على أهمية الرعاية والرفق بالرعية مستشهدا بالأحاديث النبوية والآيات القرآنية. يشدد على مسؤولية الراعي أمام الله يوم القيامة.
يُظهر المقطع اهتمام الأنبياء والصالحين برعايتهم وتفقدهم لأمورهم. يُبرز كيف كان الأنبياء يهتمون بأمر توحيد الله وطاعته ويُنصحون ذريتهم باتباع الصراط المستقيم.
يؤكد المقطع على أهمية الرعاية ومسؤولية الراعي تجاه رعيته. يشدد على ضرورة قيام ولاة أمور المسلمين برعاية رعيتهم بالعدل وتحكيم شرع الله.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئة أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تأمتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. نحمد الله جل وعلا الذي وفقنا لمثل هذه النعمة العظيمة والجلوس بيت من بيوت الله جل وعلا نتذاكر قال الله جل وعلا قال رسوله عليه الصلاة والسلام، وهذا من عظيم نعم الله جل وعلا على العباد. يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقنا منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا﴾. هذه الآية يبين فيها ربنا جل وعلا أمرا عظيما وهو أمر الأمانة، ومن الأمانة أمر الرعاية والرعايات. فأمر الرعاية أمر عظيم، وأمر الرعايات والقيام بها من الأمور العظيمة، مما يدل على هذا عجز السماوات العظيمة عن حملها، عجزت الأرض عن حملها، عجزت الجبال عن حملها وتوليها، وتولي الأمانات. وأمر الرعاية أمر عظيم أشفقنا من حمل هذه المسؤولية العظيمة، وأمر هذه الرعاية العظيمة وحملها الإنسان، إنه كان ظلوما جهولا. ويقول ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعم ما يعبكم به إن الله كان سميعا بصيرا﴾. بين ربنا جل وعلا عظم أمر الأمانة وأمر الرعاية، ثم أمر الله سبحانه وتعالى بالقيام بأداء هذه الأمانة ورعاية هذه الأمانة حق الرعاية. قال سبحانه وتعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾. شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى له كتاب عظيم اسمه "السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية"، وذكر في مقدمة كتابه رحمه الله تعالى أن هذا الموضوع وهو أمر السياسة الشرعية وأمر إصلاح الراعي والرعية مبني على آيتين عظيمتين في كتاب الله جل وعلا. وذكر هذه الآية: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾، وذكر قول الله جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾. وهذا من فقهه رحمه الله تعالى الفقه العظيم، فإن جل موضوع الرعاية والإصلاح فيها مبني على الالتزام لهذين الأمرين العظيمين ولهاتين الآيتين العظيمتين. فمن التزمها وقام بما دلت عليه من حقوق وأوامر فإنه بإذن الله جل وعلا يصلح أمره وتصلح رعيته، الكل يصلح الراعي يصلح والرعية تصلح إذا هم امتثلوا لأمر الله سبحانه وتعالى وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام. وحذر ربنا سبحانه وتعالى من الإخلال في هذا الأمر، من الإخلال بهذا الأمر، من الإخلال في أمر الأمانة وفي أمر الرعية، فقال سبحانه وتعالى كما سمعتم في الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون﴾. فحذر ربنا سبحانه وتعالى عباده من الإخلال في أمر الأمانة وفي أمر الرعية. وهكذا ذم ربنا سبحانه وتعالى من أخلى في قيامه بهذا الأمر، قال جل وعلا عن النصارى ورهبانية ابتدعوها: ﴿ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها﴾. النصارى ابتدعوا في دين الله جل وعلا هذه الرهبانية التي ابتدعوها، ما كتبها الله جل وعلا عليهم، وإنما كتب عليهم ابتغاء رضوان الله جل وعلا. والقول الثاني أنه جل وعلا لم يأمرهم بهذه الرهبانية، بل احدثوها من عند أنفسهم، لكن قالوا فعلناها وعملناها ابتغاء رضوان الله جل وعلا. وكما يقول من ابتدع: نريد بذلك الخير ونريد بذلك رضوان الرب جل وعلا، كما قالت النصارى وكما أخبر الله جل وعلا عنهم في كتابه الكريم: ﴿ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها﴾. فذمهم الله جل وعلا لأنهم لم يقوموا بأمر هذه الرعاية، مع أنه أمر مبتدع ابتدعوه، شددوا على أنفسهم فشدد الله سبحانه وتعالى عليهم بأن ألزمهم بأن يقوموا بما كان سببا في التشديد عليهم، ومع هذا فرطوا وقصروا، وما رعوا ما التزموا به حق الرعاية، فوقعوا في الإحداث في دين الله جل وعلا والإخلال بالقيام بأمر هذه الرعاية. والنبي عليه الصلاة والسلام يبين عظيم أمر الرعية وأمر الرعاية، فقد ثبت عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما في الحديث المتفق عليه قال: سمعت رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته، وكلكم راع ومسؤول عن رعيته». فبين عليه الصلاة والسلام عظيم هذا الأمر، وأن أمر الرعاية أمر عظيم، فما من أحد إلا وقد استرعي رعايته، فالإمام إمام المسلمين قد تولى أمرا عظيما في هذا الباب، وهكذا الرجل في أهله، وهكذا المرأة في بيتها، حتى الخادم، حتى الخادم مسئول عن هذه الرعاية وعليه رعاية تجاه سيده وتجاه مال سيده. وهذا يدلنا على عظيم هذا الأمر، فما اختل أمر وما اختلت الأمور إلا بسبب الإخلال بهذا الأمر، حتى هذا الكون، هذا الكون إنما يختل نظامه وأمره حين يحصل الإخلال في القيام بأمر الرعاية. النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وارضاه لما سئل عن الساعة متى الساعة يا رسول الله؟ قال عليه الصلاة والسلام: «إذا ضيعت الأمانة، إذا ضيعت الأمانة». حصل التقصير والتفريط في أمر الأمانات وفي أمر الرعاية. قال عليه الصلاة والسلام: «إذا ضيعت الأمانة»، قال: «وكيف إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله». وإسناد الأمر إلى غير أهله من الإخلال في أمر الرعاية، لأن الواجب أن تسند الأمور إلى أهلها، فمن كان يستحق أن يكون راعيا في هذا الباب فهو الذي يتولى هذا الباب وهذا المقام. أمر الأئمة في المساجد ليس لكل أحد، هذه رعية وهذه رعاية من الإيمان لتلك الرعية، فالواجب أن يكون في هذا المقام من هو أهل، وهكذا في أمر الأذان، فالمؤذن كما أقول: مؤتمن والإيمان مضمون، كما في حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه وارضاه في مسند الإمام أحمد رحمه الله تعالى. وهكذا الرعايات كثيرة، ما من أحد إلا ووكل برعاية ووكل برعية يقوم عليها، وهذا يدلنا على عظيم هذا الأمر. والنبي عليه الصلاة والسلام كذلك أثنى على من قام بهذا الأمر، من قام بأمر رعيته وبأمر الرعاية، أثنى عليه النبي عليه الصلاة والسلام. قال عليه الصلاة والسلام كما جاء في مسلم من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال عليه الصلاة والسلام: «إن المقسطين على منابر من نور، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا». فأثنى عليهم النبي عليه الصلاة والسلام، بل ذكر لهم هذا الفضل العظيم عند الله جل وعلا، وأنهم على منابر من نور. لماذا؟ لأنهم قاموا بحق رعيتهم تمام الرعاية، واجتهدوا في ذلك اجتهادا عظيما. بل ربنا سبحانه وتعالى أيضا في كتابه الكريم أثنى على القائمين بهذه المسؤولية والقائمين بأمر الرعية وبما استرعاهم الله جل وعلا عليه. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿والذين هم لآماناتهم وعهدهم راعون﴾. فهم قائمون وهم راعون لمسترعاهم الله جل وعلا عليه، فقاموا بذلك حق القيام، فأثنى الله جل وعلا عليهم، ووصف أنهم هم المؤمنون حقا الذين آمنوا بالله جل وعلا حق الإيمان. وهكذا كذلك نبينا صلى الله عليه وسلم حذر من الإخلال بهذا الأمر، فالنبي عليه الصلاة والسلام أخبر أن شر الرعاة الحطمة، كما جاء في حديث عياض بن حمار رضي الله تعالى عنه وهو حديث متفق عليه. فقد دخل على عبيد الله بن زياد فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «إن شر الرعاء الحطمة». يعني الذين عندهم عنف، فلا يتعاملون مع رعيتهم كما أوجب الله سبحانه وتعالى، وإنما عندهم عنف وعندهم شدة والعياذ بالله تجاه رعيتهم. قال له عياض بن حمار: احذر أو إياك أن تكون منهم، إياك أن تكون منهم. فحذره في رعيته بأن يشفق عليهم وبأن يرفق بهم. ولذلك أيضا النبي عليه الصلاة والسلام دعا لمن رفق برعيته، ولم يشفق على رعيته. ثبت عند الإمام مسلم رحمه الله تعالى من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وارضاها قالت: سمعت رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فشق عليه، ومن رفق بهم فارفق به». فتأمل عبد الله هذا الحديث، وأنت قد ولاك الله جل وعلا رعية، هل أنت ممن هو شفيق برعيته ومشفق عليهم ورفيق بهم، أو أنت وعياذ بالله ممن يشق على رعيته ويتعامل معهم بالشدة والعنف؟ فانظر موضعك من هذا الحديث. ففي الحديث وعيد شديد لمن ولاه الله جل وعلا رعية وشدة عليها ولم يرفق بها، فالأمر بالرفق يتحصل بسببه الخير العظيم، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه». فينبغي في أمر الرعية أن يكون فيها الرفق، أن يكون معه الرفق. ليست الشدة سواء كان إماما عاما أو كانت له إمامة خاصة ورعية خاصة، فالرفق مطلوب من الجميع، الرفق مطلوب من الراعي لرعيته بأن يرفق بهم وأن لا يشق عليهم وأن لا يعاملهم بالشدة. فالنبي عليه الصلاة والسلام يدعو بهؤلاء الذين يرفقون، ويدعو على هؤلاء الذين هم يشقون على رعاياهم. وهكذا كذلك الأحاديث كثيرة عن النبي عليه الصلاة والسلام الدالة بل الحاثة والآمرة بالإحسان إلى الرعية، بالإحسان إلى الرعية وعدم التشديد عليها والاهتمام بأمر مصالح الرعية، فإن الأمر جد خطير، فالأمر ليس بالهين، ليس الأمر بالهين، لأن كل أحد سيسأل يوم القيامة عن رعيته وعن ما استرعاه ربنا جل وعلا عليه. كما سمعتم في الحديث: فالإمام راع ومسؤول عن رعيته، مسؤول عن هذه الرعية في الدنيا في القيام بأمرها وإذنه، ومسؤول يوم القيامة عن هذه الرعية، سيسأل عنها. وهكذا كذلك الرجل في بيته، وهكذا المرأة، وهكذا الخادم، وهكذا جميع من ولاهم الله جل وعلا هذه الرعايات. ولا يسأل أحد من أمر الرعاية، ليس هناك أحد يسلم من أمر الرعاية، فما من أحد إلا وقد استرعاه الله جل وعلا رعية، فالحذر الحذر من الإخلال في أمر الرعية. ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين عن معقل بن يسار رضي الله تعالى عنه وارضاه قال: سمعت رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول: «ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة». وفي لفظ: «ولم يحطها بنصحه، ما من عبد يسترعيه الله رعية ولم يحطها بنصحه إلا لم يرح رائحة الجنة». وفي مسلم أيضا من حديث معقل بن يسار رضي الله تعالى عنه وارضاه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ما من أمير يلي أمرا من أمور المسلمين ثم لم يجتهد في نصحهم إلا لم يدخل معهم الجنة». أي يحرم دخول الجنة، يحرم دخول الجنة مع رعيته، قد تدخل رعيته الجنة وهو يحرم من دخول الجنة مع رعيته، لماذا؟ لأنه لم يجتهد، لم يجتهد في نصح رعيته، ولم يجتهد في تحصيل ما يكون سببا في صلاح رعيته، فتدخل رعيته الجنة وهو يحرم من دخول الجنة والعياذ بالله. وهذا وعيد شديد في حق من أخلى بأمر رعيته ولم يحطها بنصحه، وهذا يدلنا على خطورة هذا الأمر، وهو أمر الإخلال بأمر الرعية، والرعايات كثيرة، الرعايات كثيرة كما سمعتم. ومن أعظم هذه الرعايات رعاية الإمام الأعظم لرعيته، ورعاية ولاة أمور المسلمين لرعيتهم ولمجتمعاتهم. وهكذا رعاية من ينيبهم هؤلاء ولاة الأمور من نواب الرئيس أو نواب الملك أو نواب كذلك الأمراء، وهكذا يدخل في هذا الوزراء ونواب الوزراء، ويدخل في هذا كذلك المحافظون ومن ينيب هؤلاء المحافظون، ويدخل في هذا كذلك من أمرهم المحافظون على مناصب وعلى ولايات، ويدخل النواب هؤلاء، ويدخل في هذا رؤساء الأقسام، ويدخل في هذا كذلك المدراء، مدراء الدوائر، ويدخل في هذا رؤساء الأقسام. فالرعايات عديدة كثيرة، كل هؤلاء قد استرعوا هذه الرعايات وهذه المسؤوليات وهذه الأمانات، فلابد من القيام بها حق القيام. نذكر بعض النماذج في كتاب الله جل وعلا أجداد له على اهتمام الصالحين بأمر رعايهم. فقد ذكر ربنا عز وجل في كتابه الكريم نماذج عن هؤلاء الصالحين من الأنبياء وغيرهم من الذين قاموا بأمر الرعاية وقاموا بها حق رعايتها. فهذا الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام يقول الله جل وعلا عنه في كتابه الكريم: ﴿وصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾. فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون، نظروا كيف اهتمام الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام بأمر رعيته وبأمر ذريته، فإنه ينصحهم وإنه يوصيهم بالتمسك بتوحيد الله جل وعلا والتمسك بهذا الدين العظيم الذي اصطفاهم الله جل وعلا له، وبأن لا يموت إلا على هذا الدين وعلى هذه الحنيفية وعلى هذا الإسلام. وهكذا إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام لما أمره ربنا عز وجل أن يترك ذريته بواد غير ذي زرع عند بيته المحرم، فاستجاب إبراهيم الخليل لأمر ربه جل وعلا ترك ذريته: ﴿ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهو إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون﴾. إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام امتثل أمر ربه جل وعلا، فجاء بزوجته أم إسماعيل وابنها وتركهم في هذا المكان الطيب المبارك، ثم رحل امتثال لأمر ربه جل وعلا. حتى ماتت أم إسماعيل رضي الله تعالى عنها، وتزوج إسماعيل من جرهم. جاء إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، وانظروا كيف الاهتمام بأمر الرعية، أمر الرعية شق الطرق، جاء من مسافات بعيدة عليه الصلاة والسلام يتفقد رعيته، يتفقد تركته، يتفقد ذريته، قطع المسافات الطويلة البعيدة. فجاء كما جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في الصحيحين، فجاء عليه الصلاة والسلام ووجد زوجة إسماعيل، سألها عن طعامهم، سألها عن شرابهم، فاشتكت، اشتكت وقالت: نحن بشدة وكذا وكذا. فقال: «إذا جاء زوجك فقره السلام وقول له يطلق أو يترك عتبة بابه». أو كما قال عليه الصلاة والسلام. وأراد من إسماعيل أن يطلق هذه الزوجة لأنها ما أثنت خيرا، ولأنها اشتكت. فذهب عليه الصلاة والسلام، فجاء إسماعيل وأخبرته زوجته بالخبر، فقال لها: ذاك أبي، وقد أمرني أن أطلقك، فألحق بأهلك. وهكذا بعد زمن يأتي ويقطع هذه المسافات الطويلة. انظروا يأتي يريد أن يتفقد رعيته، ثم لا يجد ابنه إسماعيل، ومع هذا يرجع المرة الثانية. وقد تزوج إسماعيل من امرأة أخرى من جرهم، ويسأل الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام زوجة إسماعيل، فأثنت خيرا وحمدت الله جل وعلا. فأمرها أن تقري إبراهيم السلام وتقول له: أمسك عتبة بابك. فأمره أن يمسك زوجته لأنها أثنت خيرا ولم تشتكي مثل الأولى. ورحل عليه الصلاة والسلام، وجاء المرة الثالثة، المرة الثالثة كذلك قطع المسافات حتى يأتي يتفقد رعيته. يتفقد رعيته، اهتمام مع أنه في دعوة الله جل وعلا ومع قيام بأمر عظيم، ليس هو حين يرحل نعم لأجل دنيا أو غير ذلك، لا وإنما يرحل بأمر الله سبحانه وتعالى في أرض الله جل وعلا. وفي المرة الثالثة لاقى إسماعيل، واحفظوا الحديث الشاهد أنه عليه الصلاة والسلام تفقد أمر رعيته، يتفقد أمر رعيته بين الحين والآخر. لأن هذه مسؤولية، مسؤولية لا بد أن يرعاها حق رعايتها. وهكذا ذكر ربنا عز وجل من النماذج في كتابه الكريم: ﴿أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعده قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون﴾. انظروا يهتمون بأمر التوحيد، ينصحون رعيتهم بأمر التوحيد، هؤلاء أنبياء الله جل وعلا الذين أرسلوا بالتوحيد، فكانوا يوصون وينصحون رعاياهم بأمر التوحيد، فنصحهم وأوصاهم بأمر توحيد الله سبحانه وتعالى. وهذا من اهتمام أنبياء الله جل وعلا بأمر رعيتهم وبأمر ذريتهم. وهكذا ذكر ربنا عز وجل من النماذج في كتابه الكريم سليمان عليه الصلاة والسلام، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون﴾. ذكر بعض التفسير: فهم يوزعون أي يصطفون، يصطفون أمام سليمان، كل واحد يصطف، وسليمان يتفقد يتفقد الرعية، صفا صفا صفا صفا، فهم موزعون وهم كذلك صفوف يتفقدون، يتفقد سليمان عليه الصلاة والسلام رعيته لأنها مسؤولية لأنها مسؤولية. وذلك كان يتفقد هذه الرعية العظيمة من الإنس والجن والطير، مسؤولية عظيمة واملكة عظيمة وهبه الله جل وعلا لسليمان عليه الصلاة والسلام، فهي مسؤولية عظيمة، ولذلك كان يتفقد هذه الرعية وهذه الرعاية ويقوم بها حق القيام. ولذلك أيضا تفقد الطير، كما قال جل وعلا: ﴿وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين لو عذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين﴾. فمكث غير بعيد، فقال: ﴿حط لما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين إني وجدت امرأة تملكهم أوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون﴾. انظروا تفقد الطير، تفقد الرعية، حتى هذا الهدهد، هدهد كان غائبا، هدهد كان غائبا، فسليمان عليه الصلاة والسلام من دقة تفقده لرعيته ومن اهتمامه لأمر رعيته أنكر ذلك: أين الهدهد؟ مع أنه واحد، مع أنه واحد، نملة عظيمة فيها وفيها وفيها وفيها. ومع هذا ما غفل عن أمر هدهد، كان غائبا، تفقد عظيم لأمر الرعية، مما يدلنا على حرص أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام بأمر رعيتهم. ومن النماذج الذي ذكر ربنا عز وجل في كتابه الكريم مما يدل على اهتمام الصالحين الأنبياء وغيرهم لأمر رعاياهم: تلك النصائح وتلك التوجيهات العظيمة من لقمان لابنه. إذ قال لقمان لابنه وهو يعظه: ﴿يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور﴾. توصيات ونصائح عظيمة، ونصاحه بقوله: ﴿ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير﴾. نصائح وتوجيهات عظيمة للرعية، هل اليوم موجودة عند من استرعاهم الله سبحانه وتعالى هذه الرعية؟ هل يتفقدون أمر توحيد الرعية؟ هل يتفقدون أمر الصلاة؟ هل يتفقدون أمر القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ هل يتفقدون أمر كذلك حتى المشي كيف تمشي ذريتهم؟ هل تمشي المشي الصحيح الموافق لشرع الله سبحانه وتعالى أم أنه تمشي مشيا مخالفا؟ وهذا كيف كلامهم، وكيف يتكلمون؟ هل عندهم أدب في كلامهم؟ هل هم ممن يخفض صوته أو ممن يرفع صوته؟ أمور عظيمة نتعلق برعاية الرعية، كان الصالحون يهتمون بها اهتماما عظيما. مما يدلك على اهتمام أنبياء الله جل وعلا واهتمام الصالحين بأمر رعاياهم. وهكذا النبي عليه الصلاة والسلام تعلمون النصوص الكثيرة في سنته عليه الصلاة والسلام التي فيها النصائح العظيمة لهذه الأمة، فضلا عن الرعية الخاصة لذريته ومن كان قريبا إليه عليه الصلاة والسلام. فهو الذي أوصى هذه الأمة بسلوك الصراط المستقيم، حتى على التمسك بالكتاب والسنة، حذرها من ابتداع في دين الله جل وعلا، علمها أمر صلاتها، أمر زكاتها، أمر صيامها، أمر حجها، أمر معاملاتها، بلغ الدين كاملا، وقام بهذه الرعاية عليه الصلاة والسلام حق رعايتها. وهو القائد عليه الصلاة والسلام، كما في صحيح مسلم رحمه الله تعالى من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال عليه الصلاة والسلام: «ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يوجّه أمته إلى خير ما يعلمه لهم وأن يحذرها شر ما يعلمها لهم». فأنبياء الله جل وعلا كلهم قد قاموا بهذا الأمر وبهذه الرعاية. أمر يكون سببا لهلاك الرعية فحذروها من ذلك، وأمر كذلك فيه صلاح للرعية وخير لها فأمروها بذلك. وترك النبي عليه الصلاة والسلام الأمة على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغون عنها إلا هالك. والنماذج كثيرة تدلنا على حرص الأنبياء وحرص الصالحين وأهل الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. فقد كانوا من حرص الناس، وقد ضربوا أروع الأمثلة وأروع النماذج في الاهتمام بأمر رعيتهم، فعلموا أبناءهم الآداب، علموا أبناءهم الأخلاق. هذا إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى كان يقول: كانوا يضربوننا على العهد وعلى الشهادة ونحن صغار. فكان الصحابة وكان التابعون يربون أولادهم وهم صغار على هذا الأمر العظيم، على الشهادة بأن لا يتعجلوها، وبأن لا يتسرعوا فيها. أضف إلى ذلك غير ذلك من الأخلاق العظيمة ومن الآداب السامية. فكان جيل الصحابة من أفضل الأجيال، وما ذلك إلا لقيام ذلك الرعيم الذي أثنى عليه ربنا جل وعلا في كتابه، وبشره النبي عليه الصلاة والسلام بأفضل البشارات للقيام بهذا الأمر العظيم، وهو أمر الرعية. فكما سمعتم من أعظم أنواع هذه الرعايات: رعاية الإمام، ورعاية ولاة أمور المسلمين تجاه رعاياهم، تجاه رعاياهم. وذلك كانت الفضائل العظيمة لمن هو أكثر رعاية، ولمن كان هو أكثر استرعاء للرعاية. فالنبي عليه الصلاة والسلام في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أخبر أن الله جل وعلا يظل يوم القيامة يظل يوم القيامة في ظله يوم لا ظل إلا ظله سبعة، وذكر منهم: إماما عادلا. فولي أمر المسلمين إذا كان عادلا برعيته فليبشر بهذا الخير العظيم وهه البشرى العظيمة. فعلى ولاة أمور المسلمين أن يراعوا رعيتهم بأن يحكموا فيهم بالعدل، بأن يحكموا فيهم بالعدل، وأن ينظروا في مصالحهم، وأن يلبوا كذلك حقوقهم، وأن يحكموا فيهم شرع الله سبحانه وتعالى، وأن يطبقوا حكم الله جل وعلا فيهم، لا يتعدوا عليهم، ولا يظلموا رعيتهم. وهكذا عليهم باختيار الصالحين للذين يقومون بأمورهم، فلا يختارون لهم البطانة السيئة، هم ولاة الأمور، أولا عليهم أن يختاروا البطانة الصالحة، البطانة الصالحة التي تعينهم على الرعية. وهكذا أن يجعلوا لرعيتهم من هو صالح للقيام بأمر هذه المسؤوليات. فالأمة تحتاج إلى من يرعاها، تحتاج إلى كثير من من يرعاها. وتعلمون المسؤوليات كثيرة، المسؤوليات كثيرة، أمور تتعلق بالأوقاف، أمور تتعلق بأمر الصناعة، أمور تتعلق بأمر الزراعة، أمور تتعلق بأمر البحر، أمور تتعلق بأمر التربية والتعليم، أمور تتعلق بأمر المحاكم الشرعية، أمور تتعلق بأمر كذا بأمر كذا. هذه أمور كلها كثيرة تحتاج إلى من يقوم بها ممن يسترعيهم الإمام هذه الرعاية. فالواجب على ولاة أمور المسلمين أن يختاروا الأهل لمن يقوم بمثل هذا الأمر العظيم، وليس الأمر لمن هب ودّ. وعلى الرعية أن تسمع وتطيع لولاة أمور المسلمين، وأن تعينهم على هذه الرعاية، تعينهم على هذه الرعاية. وعلى ولاة أمور المسلمين بل على كل أحد أن لا يطلب الإمارة، ولا يسعى، ولا يحرص عليها، لأنه إذا طلبها لم يعن عليها. فالنبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح قال: «لا تطلب الإمارة، لا تطلب الإمارة، فإنك إن طلبتها عن مسألة لم تعن عليها أو وكلت إليها، وإن عطيتها من غير مسألة أعنت عليها». على الرعية أن تسمع وتطيع، كم من النصوص في الكتاب والسنة الأمر بطاعة ولاة أمور المسلمين، كم من أحاديث بسنة النبي عليه الصلاة والسلام بالسمع والطاعة والنصح لولاة أمور المسلمين. ومن ذلك الحديث العظيم حديث برق بن مالك في مسلم قال عليه الصلاة والسلام: «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة». قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم». لا تكون الرعية سببا في ماذا في إخلال أمر راعي، فلا تحدث الفوضى، ولا تحدث الزعزعات، ولا تحدث القلاقل، لأن صلاح الراعي بصلاح الرعية، وصلاح الرعية بصلاح الراعي. فكيف الرعية الآن تريد ماذا أن تسقط هذا الراعي أو أن تسعى فيما يكون سببا في إسقاطه وسببا في حصول القلاقل؟ الأمر يعود على الجميع، لا يعود على الراعي فقط، أنت تظن أن الأمر سيعود على الراعي فقط، لا والله، الأمر سيعود على الجميع. فإذا حصل فساد الرعية فسد الراعي، وإذا صلح الراعي صلحت الرعية، فالأمر ماذا؟ فالأمر مرتبط. ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام أخبر كما في صحيح مسلم: أن «خيار الأئمة من أحبتهم رعيتهم ودعوا لهم، وشرار الأئمة من دعا عليهم رعيتهم وسبوهم». فيدلنا على ترابط هذا الأمر. وهكذا كذلك أمر رعاية الآباء لذرياتهم ولأبنائهم، فهذا من الرعية العظيمة ومن الأمر العظيم. وكما سمعتم في الحديث: فالأب راع، والرجل راع في أهله مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها. الأبناء نعمة من الله جل وعلا وهبهم، والذرية كذلك من الله سبحانه وتعالى. ولذلك كان من دعاء أهل الإيمان عباد الرحمن في كتابه الكريم أن قالوا: ﴿ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما﴾. فيدعون الله سبحانه وتعالى بالذرية الصالحة. وهكذا بأن يهدي لهم قرة الأعين، وهم هؤلاء الأولاد. وهذا زكريا عليه الصلاة والسلام يقول عنه ربنا جل وعلا في كتابه الكريم قال سبحانه وتعالى: ﴿إني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله ربي رضيا﴾. وهذا إبراهيم كما سمعتم: ﴿ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع﴾. وهكذا كذلك ربنا عز وجل يقول في كتابه الكريم