الخوف من الله

المحاضرة بعنوان الخوف من الله، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر الأحد ٢٠ ربيع أول ١٤٣٦هـ ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

عبادة الخوف من الله وأثرها في ترك المعاصي

يبيّن المقطع أن الخوف من الله عبادة عظيمة تدفع العبد لاجتناب المحرمات، مستدلاً بآيات وأحاديث تصف المؤمنين بالخوف والوجل من عدم القبول. كما ينبه إلى قسوة القلوب في العصر الحاضر وندرة البكاء خاشياً لله في الخلوة.

خشية الله وعلاقتها بالعلم والعمل الصالح

يوضح أن خشية الله ثمرة للعلم، وأن العلماء هم أخشى الناس لله، مما يحفز المؤمنين للمسارعة في الخيرات وتقديم طاعة الله على مصالح الدنيا. هذا الخلق أهلهم لأن يسميهم الله رجالاً وأبراراً في كتابه العزيز.

صفات الأبرار وثمرات خوفهم في قيام الليل

يستعرض صفات الأبرار من الوفاء بالنذر وإطعام الطعام لوجه الله خوفاً من يوم عبوس قمطرير، وما آتاهم الله من نضرة وسرور يوم القيامة. ويبين كيف أن خوف الله أقلق مضاجعهم فصاروا قياماً بالليل ركعاً وسجداً، مستشهداً بآيات السجدة والذاريات وقول سلمان الفارسي.

دعاء الختام والصلاة على النبي

يختتم المتحدث بدعاء يسأل الله أن يجعلهم من عباده المتقين الخائفين، ثم يصلي ويسلم على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. هذا الدعاء يختم المحاضرة بطلب الثبات على الخوف والخشوع.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فمن العبادات العظيمة التي يتعبد العبد ربه جل وعلا بها: عبادة الخوف من الله جل وعلا، ومن عقابه، ومن عذابه وناره. فعبادة الخوف عبادة عظيمة؛ لأن العبد إذا خاف وحقق الخوف من الله جل وعلا، فإن هذا يوجب الابتعاد عن الذنوب والمعاصي، وترك المحرمات؛ لأنه يخاف، كما قال جل وعلا: ﴿ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ [الأنعام: 15]، ﴿ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ [الزمر: 13]. فالخوف من أعظم الأسباب التي تعين العبد على ترك الذنوب والمعاصي والمخالفات والمحرمات. وإنما يقع العبد في الذنوب والمعاصي إذا ضعف عنده الخوف، يضعف الخوف عنده من الله عز وجل أو من عذابه وعقابه، فإنه يتجرأ على فعل المعاصي، ويقع في المعاصي ولا يبالي؛ لأن الذي سيردعه ضعيف، وهو الخوف في القلوب. ولذلك الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ﴾ [البقرة: 40]. وقال جل وعلا: ﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 175]. ويقول الله عز وجل: ﴿ وَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ ﴾ [المائدة: 44]. بل يقول الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ﴾ [الأحزاب: 37]. والله جل وعلا أثنى على أنبيائه ورسله المبلغين لرسالاته جل وعلا حين قاموا بهذا الأمر العظيم، وهو الخوف من الله جل وعلا، كما قال سبحانه: ﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾ [الأحزاب: 39]. فأنت يا عبد الله، عليك أن تحقق الخوف من الله يا عز وجل، كن على خوف ووجل من الله جل وعلا، مهما كان عندك من الأعمال، ومهما كانت عندك من الطاعات، لا تغتر، لا تغتر بأعمالك يا عبد الله؛ لأنك لا تدري هل قبلت منك أم لم تقبل. لا تغتر، كن مع إتيانك بالأعمال الصالحات والطاعات خائفاً من الله جل وعلا. قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ﴾ [المؤمنون: 60]. ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا ﴾ أي: من الأعمال الكثيرة والقربات والطاعات، ومع هذا قال: ﴿ وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ﴾ أي: خائفة ﴿ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ﴾. جاء في المسند وغيره عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: يا رسول الله، هم الذين يسرقون ويشربون الخمر ويفعلون ويفعلون ثم يخافون؟ قال: «لا يا بنت الصديق، وإنما هم الذين يصلون ويصومون ويتصدقون ويخافون أن لا يقبل ذلك منهم». هكذا أخبر الله عز وجل عنهم، مع رجائهم العظيم بالله عز وجل، والإكثار من الأعمال، والمسارعة والمسابقة في مرضات الله جل وعلا، إلا أنهم كذلك عندهم خوف في قلوبهم، ووجل وإشفاق، كما قال جل وعلا واصفاً عباده المؤمنين: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [الأنفال: 2]، ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ﴾ [الأنفال: 4]، ﴿ لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ [الأنفال: 4]. هؤلاء حق المؤمنون، وهذه أوصافهم العظيمة. وكما قال جل وعلا: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ﴾ [المؤمنون: 58]، ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ﴾ أي: خائفون، إن عذاب ربهم غير مأمون، عندهم خوف وجل. وهكذا كان أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، إذا وعظهم النبي عليه الصلاة والسلام، وجلت قلوبهم، ودمعت عيونهم. لماذا وجلت قلوبهم ودمعت عيونهم؟ لوجود الإيمان في القلوب. الإيمان إذا وجد في القلب كان له الأثر على الظاهر: تدمع العيون، توجل القلوب. كما في حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: «وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون». هكذا أهل الإيمان، أهل القلوب السليمة. اليوم، الكثير من الناس، إلا من رحم الله، كم يسمع من المواعظ؟ نعم، أين الخوف من الله عز وجل؟ القلوب صارت قاسية. من منا هذا الذي دمع؟ نعم، وأخرج الدمع في خلوة بينه وبين الله، بينه وبين الله، ذكر الله عز وجل خالياً ففاضت عينه، كما في حديث أبي هريرة في البخاري ومسلم في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه». ما في أحد عنده قد يبكي الإنسان في المسجد، وكذا ما من ناس، هذا الله يعلم بينه وبينه، لكن خالياً هنا ما أحد عندك، ما أحد عندك بينك وبين الله، حتى أقرب الناس إليك ما يدري، لا أولادك ولا زوجتك ولا أبوك ولا أمك، بينك وبين الله خالياً، قرأت آية، نعم، تذكرت شيئاً فأدمعت عيناك، لله سبحانه وتعالى، تعظيم لكلامه سبحانه وتعالى. من منا دمع؟ هذا الدمع في أسبوعه أو في شهره؟ وتمر الأسابيع ونخلو، نكون في خلوات بيننا وبين الله عز وجل. نعم، أين الدمع؟ أين الدمع؟ أين فيضان هذه العيون بالدمع؟ فإذا الأمور فيها ما فيها، والقلوب والقلوب فيها ما فيها، العيون لن تدمع إذا كانت القلوب قاسية. وإنما الدمع الذي يخرج من العيون هو تعبير عما هو في القلوب، هذا تعبير عما في القلوب، يخرج الدمع من غير قصد منك، يخرج قسراً عنك، يخرج قسراً، ربما تحاول منعه فهو يخرج؛ لأنه تعبير عما في القلب. هذا الدمع الحار الذي يخرج، هذا غسيل للقلب، الغسيل الذي حصل داخل القلب، خرج من العيون، ما في منفذ آخر لهذا الغسيل للقلب. عظمة شعائر الله، وجل قلبك، حصل غسيل داخلي، أين الغسيل هذا؟ أين ما هذا الغسيل يخرج من العيون؟ سبحان الله. الله جل وعلا أثنى على عباده المؤمنين المشفقين، الوجلين، العلماء، المسارعين: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ [فاطر: 28]. لماذا خص الله جل وعلا العلماء بالخشية؟ لأنهم أحق الناس بهذا الوصف، وأعظمهم الأنبياء، لأن العلم يورث الخشية. لما كان العلم يورث الخشية من الله جل وعلا، كان العلماء أخشى الناس بعد الأنبياء لله جل وعلا. ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾، ما قال "العباد"، قال "العلماء"، لأن العلم هو الذي ورث الخشية. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ألا إني أعلمكم بالله وأخشاكم له». كلما كان الإنسان على علم بالله جل وعلا، وحق لله جل وعلا، كان أخشى من غيره. وإذا قصر العبد، قصر خوفه. الله عز وجل أثنى على المسارعين في مرضاته: ﴿ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ﴾ [المؤمنون: 61]. ما الذي جعلهم يسارعون؟ ما الذي جعلهم يتنافسون؟ الساحة الآن مفتوحة، الميدان مفتوح للعمل مع الله جل وعلا، نعم، لكن من الذي يتنافس في هذه الميادين؟ ميادين الطاعات وميادين الخير. انظروا ميادين الشر، انظروا ميادين الشر، وكم الذي يتنافس فيها من الناس بأموالهم وغير ذلك؟ ميادين كثيرة، ميادين شر يتنافس فيها الكثير من الناس. لكن انظروا إلى ميادين الطاعات وميادين الخير، من الذي يتنافس فيها؟ القليل من الناس، ممن يسارع ويسابق ويتنافس في هذه الميادين. لماذا؟ لأنهم يخافون من الله جل وعلا. لما حققوا الخوف من الله جل وعلا، دفعهم ذلك إلى المسابقة في مرضات الله، والمسارعة والتنافس. كما قال عز وجل: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ﴾ [الأنبياء: 90]. إنهم كانوا يسارعون في الخيرات، ويدعوننا رغبا ورهبا: رغبا رجاء، ورهبا خوفا، وكانوا لنا خاشعين. عندهم التنافس، وعندهم المسارعة، وعندهم المسابقة، رجاء ثواب الله، وخشية عقاب الله. سبحانه وتعالى، أثنى الله عز وجل على عباده الخائفين، وسمّاهم رجالاً، لأنهم الرجال حقاً، الرجال حقاً هم أهل الخوف وأهل الخشية، هذه الرجولة الحقيقية. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [النور: 36-38]. سماهم رجالاً، لماذا؟ لأنهم لبوا النداء، دعاهم منادي الله عز وجل: حي على الصلاة، حي على الفلاح، فأقبلوا. لم تلههم تجاراتهم عن ذكر الله وإقام الصلاة، مهما كانت عندهم من تجارات، لم تلههم، تركوها وأتوا، ولبوا منادي رب العالمين جل وعلا. ما الذي يجعل صاحب هذا الدكان يغلق دكانه، وآخر بجنبه لا يغلق دكانه؟ هذا أغلق دكانه وجاء إلى المسجد، وآخر لم يغلق دكانه بجنبه. هذا أغلق، وهذا لم يغلق. لماذا؟ وربما هذا الذي أغلق أفضل حالاً من هذا، نعم، أو ربما أسوأ منه حالاً، أسوأ، ما عنده إلا الشيء اليسير وتجارة يسيرة، أما هذا فربما عنده تجارة عظيمة، ما يضره لو أغلق دكانه خمس سنوات ولم يتاجر، الذي معه يكفيه. ومع هذا، هذا صاحب تجارة اليسيرة أغلق دكانه وجاء إلى المسجد، وهذا لم يغلق دكانه. الخوف من الله. هذا أغلق دكانه لأنه عنده خوف من الله، يعلم أنه إذا لم يذهب سيعاقب. وهذا ألهته تجارته عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. ولذلك سماهم الله عز وجل بأنهم رجال. وهكذا الله عز وجل سماهم أبراراً، البار الحقيقي هو الخائف من الله عز وجل. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا * إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا * يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا ﴾ [الإنسان: 7-11]. سماهم أبراراً، لماذا؟ لأنهم اتصفوا بهذه الصفات العظيمة. ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا * يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ﴾، لماذا؟ ﴿ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا ﴾. ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ﴾. إذن ماذا تريدون؟ إذا كنتم تطعمون ولا تريدون منا جزاء ولا شكور، إذن ماذا تريدون؟ ﴿ إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا ﴾. هذا الذي دفعنا إلى إطعامكم، وإلى إعطائكم ما أعطيناكم من الطعام والمال وغير ذلك. ما نريد منكم، لا تقولون: جزاكم الله خيراً، ولا شكراً، لا نريد منكم جزاء ولا شكور، وإنما الدافع لنا على هذا الأمر: الخوف من الله جل وعلا. ﴿ إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا ﴾. فماذا كانت النتيجة من الله عز وجل؟ أخبر: ﴿ فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا ﴾. نظرة وسروراً: نظرة في وجوههم، وسروراً في قلوبهم. فأتوا يوم القيامة وعليهم النضرة، ظاهرة البهاء والحسن ظاهر على وجوههم، نعم، والنور على أعضائهم: نور السجود، ونور في الأصابع من التسبيح والاستغفار، نضرة واضحة، هذه الأعضاء سجدت لله عز وجل، وعظمت ربها جل وعلا، وسبحت واستغفرت، وركعت وقرأت، يكون عليها النور يوم القيامة، والنضرة واضحة، تشع منها النضرة، هذا الظاهر والباطن. ﴿ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا ﴾، سروراً في القلوب، لا يعلم من مقدار هذا السرور إلا الله سبحانه وتعالى، السرور لا يمكن أن يصفه أحد، لا يمكن أن يصفه أحد، وذلك جزاء ما قدموا في هذه الدنيا. وانظروا، الخوف من الله كيف دفعهم إلى فعل هذه الأمور، والمسارعة فيها لأجل مرضات الله سبحانه وتعالى، لأن الخوف وجد في قلوبهم، فكانت منهم هذه المسارعة والمسابقة والتنافس في ميادين الطاعة. أثنى الله عز وجل على الخائفين، ما الذي يجعل هؤلاء يقومون لله جل وعلا ركعاً وسجداً، وغيرهم نائم؟ غيرهم من الناس نائم في خطيط، يغط طول الليل، أو في سهر في قيل وقال، أو في متابعة مسلسلات تلفزيونية ومصائب وقنوات، وهذا قائم لله عز وجل، راكع، خاشع. شتان، شتان بين من استغل هذا الليل، وظلمة الليل، وهو قائم لله سبحانه وتعالى، يقرأ ويصلي ويسبح ويستغفر، وآخر لاهٍ ساهٍ غافل ضاحك. الفرق: الخوف، الخوف، أقلق مضاجعهم، الخوف من الله عز وجل أقلق مضاجعهم، حتى صار الأمر كأن بينهم وبين جنوبهم، وبين مضاجعهم جفوة، جفاء، مخاصمة، لقلة اضطجاعهم وهجوعهم، حتى كأن خصاماً صار بينهم، بين جنوبهم وبين مضاجعهم. ﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ ﴾ [السجدة: 16]، تتجافى، تخاصم، كأنها خصومة حاصلة. ﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ [السجدة: 16]. وكما قالوا: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ [الذاريات: 17-18]. ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ﴾، ﴿ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ﴾، قليلا من الليل ما يهجعون، ما ينامون، قليلا، وبالأسحار هم يستغفرون. نومهم قليل، تكفيهم الساعات الثلاث، وهذا ينام ثماني ساعات في قطيط وفي نوم، وهذا لم ينم ثماني ساعات. لماذا نام هذا ثماني ساعات، وهذا لم ينم ثماني ساعات؟ الخوف من الله، أثر، ما في نوم، طار النوم، طار النوم، شيء هنا يقلقه، لم يصر آمناً من مكر الله، ينام ويقضي في نوم. هذا عنده خوف، نعم، الخوف من الله أثر، أقلق مضاجع هؤلاء، فلذلك كان ركعاً وسجداً لله سبحانه وتعالى. ورضي الله تعالى عن سلمان الفارسي إذ يقول: «إذا صلى الناس العشاء، إذا صلى الناس العشاء، كانوا على ثلاث أحوال، ثلاث أصناف». إذا صلى الناس العشاء، كانوا على ثلاث أحوال. له عليه، لا له ولا عليه. الصنف الأول: له، والصفة الثانية: عليه، والثالث: لا له ولا عليه. فقالوا: يا سلمان، كيف؟ من الذي له، ومن الذي عليه، وما معنى من له، ومن عليه، ومن لا له ولا عليه؟ قال: أما الذي له، فرجل صلى العشاء في جماعة، ثم استغل غفلة الناس وظلمة الليل، فقام يصلي لله جل وعلا، فهذا له. وأما الذي عليه، فرجل صلى العشاء، ثم استغل غفلة الناس وظلمة الليل، فانتهك محارم الله، هذا عليه. ورجل صلى العشاء، ثم استغل غفلة الناس وظلمة الليل، فنام، قال: هذا لا له ولا عليه. أقل شيء: نم، لا لك ولا عليك. هكذا يقول سلمان: لا لك ولا عليك. المشكلة: لكن عليك، إذن أنت في خانة الذي هو عليك. تعلمون: صفحة صفحة، له، صفحة، عليه، دائن ومديون. فإذن الخوف يا عباد الله، إذا وجد في القلوب جاء الخير. انظروا الآن، الناس يتقاتلون، يأكلون أموال بعضهم بعضاً، وقطعوا الأرحام، ويفعلون ويفعلون ويفعلون. الخوف هنا، الخوف ضعيف. ما ندري كم نسبة الخوف في القلوب؟ صار لا يبال، الواحد يكذب بكل سهولة، يسمع الحرام بكل سهولة ولا يبالي، ينظر الحرام بكل سهولة، فكان يأكل مال أخيه المسلم، يمكر ويتحايل ويكذب ويغش ويفعل ما يفعل. هنا الخوف ضعيف. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من عباده المتقين الخائفين. صلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.