التعليق على مقدمة سنن الدارمي 65

الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 65، ألقاها

أهمية العلم وفضل تعلمه

يُشدد على أهمية تعلم العلم قبل ذهاب أهله، ويُحث على التدرج في طلب العلم. يُوضح أيضًا معنى الربانيين وأهمية حسن التربية في العلم.

صفات العلماء ومراتب تحصيل العلم

يشرح معنى الربانيين والأحبار ومراتب تحصيل العلم، ويبين أهمية العمل بالعلم وخشية الله تعالى. يُعدد المراتب وهي الاستماع والإنصات والحفظ والعمل والنشر.

فضل تعلق القلب بالآخرة وثقة العبد بربه

يُبين فضل تعلق القلب بالآخرة وآثاره على حياة المسلم، ويذكر أمثلة على ثقة العبد بربه مثل هاجر، ويُظهر كيف أن الله لا يضيع من تعلق قلبه به.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه، في باب فضل العلم والعالم: «قال أخبرنا أبو نعيم، وهو الفضل بن دكين، قال: وجعفر بن عون، قال: حدثنا مسعر وابن كدام، عن عمر بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد، وهو ثقة كثير الإرسال، قال: قال أبو الدرداء: تعلموا قبل أن يقبض العلم، فإن قبض العلم قبض العلماء، وإن العالم والمتعلم في الأجر سواء». وهذا الأثر فيه انقطاع، فسالم بن أبي الجعد لم يسمع من أبي الدرداء. وأما قوله: «تعلموا قبل أن يقبض العلم، فإن قبض العلم قبض العلماء»، صح هذا من قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عبد الله بن عمر في صحيح الإمام مسلم: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور العلماء، وإنما يقبض العلم بقبض العلماء». فهذا المعنى صحيح وثابت، أن قبض العلم بذهاب أهله، قبض العلم بذهاب أهله، إذا ذهب العلماء مات العلم معهم، مات العلم معهم. فلهذا وردت آثار كثيرة عن السلف رضوان الله تعالى عليهم في حثهم وترغيبهم في طلب العلم قبل أن يقبض أهله، قبل أن يقبض أهله، يعني إذا وجد من أهل العلم من يعلم ويبث العلم، فينبغي الحرص على أخذ العلم منهم قبل أن يقبضوا ويموتوا، فيذهب هذا العلم معهم، يذهب هذا العلم معهم. فهذا في حث وترغيب على تعلم العلم وأخذ العلم قبل ذهاب أهله، وقبل ذهاب العلم، وذهاب العلم بذهاب حملته. قال رحمه الله: «أخبرنا هارون بن معاوية، وهو صدوق، قال: عن حفص بن غياث، وهو أبو عمر الكوفي، ثقة فقيه، قال: عن أبي عبد الله القرساني». وأبو عبد الله القرساني مجهول الحال. قال: «عن الضحاك، وابن مخلد، أبو عاصم النبيل، ثقة ثبت، قال: ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب». قال: حق على كل من قرأ القرآن أن يكون فقيها. وهذا الأثر فيه ضعف. وقد صح عن بعض السلف في تفسير الآية: «ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب»، أن الرباني من يعلم صغار العلم قبل كباره، من يعلم صغار العلم قبل كباره. وهذا من حسن التربية في العلم، من حسن التربية في العلم أن يعلم العالم صغار العلم لمن يحتاج له قبل أن يعلمه كبار العلم. وهكذا أيضا المتعلم والطالب، فإنه يبدأ بصغار العلم قبل كباره. وهذا من حسن التربية في العلم، وكذلك حسن التدرج في تحصيل العلم. فما يبدأ طالب العلم المبتدئ مثلا في العقيدة يبدأ بالطحاوية أو بالتدمرية، وهما درس الكتب الصغار في باب العقيدة، كالوصول الثلاثة مثلا، والنواقض الإسلام، وقواعد الأربع، ونحوها. وهكذا مثلا يبدأ في النحو بالقطر، وهما درس الأجرومية والأشروح لها. لا شك أن هذا من حسن التصرف. وفي الغالب من فعل ذلك يتحصل على العلم المطلوب، بل ربما يبقى في تخبط وتخفلت عليه الأمور، ويرى يعني صعوبة في باب العلم، ورغم يؤدي به الأمر إلى ترك طلب العلم. والسبب عدم التدرج وحسن الاختيار في ابتداء الطلب. ولهذا كما سمعنا يبدأ بصغار العلم قبل كباره. قال رحمه الله: «أخبرنا هارون بن معاوية، عن حصين، عن أشعث بن سوار، عن الحسن، أي البصري، قالوا: لا ينهاهم الربانيون والأحبار». قال: الحكماء العلماء. وهذا الأثر فيه ضعف، أشعث بن سوار ضعيف. لكن تفسيره لهذه الآية، فبت عن بعض أهل العلم وبعض المفسرين ذكر نحو ذلك. قال ابن كثير رحمه الله: الربانيون العلماء والعمال، أرباب الولايات، والأحبار العلماء. والعالم سمي بالحبر لكثرة علمه، لكثرة علمه. وقد يقال له كذلك البحر، كما لقب بذلك عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، كان يلقب بالحبر، ويلقب بالبحر، لسعة علمه وكثرته. قال: «أخبرنا محمد بن عيينة، وهو مقبول، عن أبي إسحاق الفزاري، وهو إبراهيم بن محمد، ثقة حافظ، وكان صاحب سنة، كان إذا دخل الثغر مبتدع أخرجه». الثغور أي الثغور التي يرابط فيها المجاهدون في سبيل الله، إذا جاء مبتدع أخرجه، ولم يسمح له بالبقاء، لبغضه لأهل البدع والأهواء. ودخل دمشق، فلما أراد أن يحدث، قال: من كان يرى القدر فلا يحضر مجلسنا. ولما قبض هارون الرشيد رحمه الله على أحد الزنادقة الذين عرفوا بالوضع والكذب على النبي عليه الصلاة والسلام، قال: وضعت ألف حديث، وضعت ألف حديث، وحللت فيها الحرام، وحرموا فيها الحلال. فقال له: أين أنت من أبي إسحاق، ومن المبارك ينخلانها لك نخلا؟ يعني يميزان الصحيحة منها من الضعيف. قال: عن عطاء، عن السائب، عن سعيد بن جبير، وهو من كبار تلاميذ عبد الله بن عباس، قال: كونوا ربانيين، قال: علماء فقهاء. وهذا الأثر وإن كان ظاهره يعني أنه يقبل في الشواهد، فمحمد بن عيينة مقبول، يعني إذا توبع، وأبو إسحاق الفزاري روى عن عطاء، عن السائب، بعد الاختلاط. إلى الأثر فيه ضعف. ومعنى ما ذكره سعيد بن جبير رحمه الله صحيح، أن الربانيين والأحبار هم العلماء والفقهاء. قال رحمه الله: «أخبرنا عبيد الله بن سعيد، قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: يراد للعلم الحفظ والعمل والاستماع والإنصات والنشر». وهذا الأثر صحيح. قال: يراد للعلم الحفظ، يعني أن يحفظ هذا العلم، وهذا الذي ينتفع به طالب العلم، الذي يبقى معه وينتفع به هو الحفظ، سواء كان حفظ القرآن أو حفظ السنة، أو حفظ يعني العلوم، وما يتيسر منها، وما يتيسر منها من نثر أو منظوم، مع الفهم، مع الفهم. فالذي يبقى وينتفع به هو الحفظ. ولهذا قال الصاحب بالرحبية: فاحفظ، وكل حافظ إمامه. وهكذا العمل، وهو ثمرة العلم، ثمرة العلم. والعمل أن تتعلم وتتفقه من أجل أن تعمل بهذا العلم، وتتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى. قال: والاستماع والإنصات، يعني الاستماع للعلم، تستمع له وتنصت، وإن كان هذا قبل الحفظ، أولا الاستماع. وقبل ذلك يذكر بعض السلف النية، أول العلم النية، كما قال المبارك رحمه الله: ثم الاستماع والإنصات، ثم الحفظ، ثم العمل، ثم النشر. يعني بعد أن تستمع وتحفظ وتعمل بهذا العلم، ثم النشر، أي تعلمه لغيرك، كما أنك انتفعت بهذا العلم وعملت به، فإنك تنفع غيرك وينتفع غيرك بما تعلمت. قال رحمه الله: «وأخبرني أحمد بن محمد، أبو عبد الله، عن سفيان بن عيينة، قال: أجهل الناس من ترك ما يعلم، وأعلم الناس من عمل بما يعلم، وأفضل الناس أخشعهم لله». وهذا الأثر صحيح. يقول سفيان بن عيينة رحمه الله: أجهل الناس من ترك ما يعلم، يعني ترك العمل بما يعلم، هذا من الجهل، هذا من الجهل العظيم، وإن كان عندهم من العلم ما عنده. فإذا لم يعمل بهذا العلم فهو جاهل، جاهل بحقيقة العلم وثمرة العلم، لأن ثمرة العلم هو العمل. قال: وأعلم الناس من عمل بما يعلم، وإن كان علمه قليل بالنسبة للأول، إن كان علمه دون الأول، لكن يعمل بما يعلم، فهذا أعلم، هذا أعلم من ترك العمل بما يعلم، لأن هذا هو حقيقة العلم، وثمرة العلم هو العمل. قالوا: أعلم الناس من عمل بما يعلم، العلم الشجرة، وثمرتها العمل. قالوا: أفضل الناس أخشعهم لله، يعني مع العلم أن يكون عنده خشية من الله سبحانه وتعالى. وهذا هو حقيقة العلم، إنما يخشى الله من عباده العلماء. فإذا كان على هذا الوصف فهو من أفضل الناس. قال رحمه الله: «أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقي، عن عبيد الله بن عمر، عن زيد، هو ابن أبي أنيسة، عن سيار، عن الحسن، هو البصري، قال: من هو مان لا يشبعان، من هو من في العلم لا يشبع منه، ومن هو من في الدنيا لا يشبع منها». فمن تكون الآخرة همه وبثه وسدمه، ومعنى همه وبثه وسدمه، يعني أحزانه، آلامه، يحزن لها ويألم لها، يكفي الله ضيعته، ويجعل غناه في قلبه. ومن تكون الدنيا همه وبثه وسدمه، يفشي الله عليه ضيعته، ويجعل فقره بين عينيه، ثم لا يصبح إلا فقيرا، ولا يمسي إلا فقيرا. وهذا الأثر صحيح إلى الحسن من قوله، فهو مقطوع صحيح. وقد صح أيضا نحو ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة في السنن، صححه شيخنا رحمه الله، وذكره في الصحيح المسند مما ليس بالصحيحين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من هو مان لا يشبعان، من هو من في دنيا، ومن هو من في علم»، يعني الذي عنده نهمة ورغبة ومحبة للعلم، فهذا لا يشبع من العلم، لا يشبع من العلم، فتجده دائما وهو مع العلم يحضر مجالس العلم، يحفظ، يراجع، يذاكر، يبحث، فوقته كله وأكثره مع العلم. وهكذا الذي عنده نهمة على الدنيا، شغف ومحبة ورغبة وتعلق بالدنيا، فإنه لا يشبع منها، مهما أعطي، ومهما وجد، ومهما حصل، فإنه يجد ماذا محبة ورغبة وطلب وتعلق، ربما يقضي يومه كله ووقته كله مع الدنيا، ومع ذلك فلا يشبع منها. ثم ذكر: من تكن الآخرة همه وبثه وسدمه، يكفي الله ضيعته، إلى آخر ما ذكر، ورد أيضا وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو ذلك، فيما جاء في حديث زيد بن حارثة، وجاء أيضا عن غيره من الصحابة رضي الله عليهم، في قوله عليه الصلاة والسلام: «من أصبح وهمه الآخرة، جمع الله عليه شمله، وجعل غناه بين عينيه، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن أصبح همه الدنيا، فرق الله عليه شمله، وجعل فقره بين عينيه، ولم تأته من الدنيا إلا ما كتب له». يعني من علق قلبه بالآخرة، وجعل همه وتفكيره، آلامه، أحزانه كلها في الآخرة، ينظر إلى ما عند الله سبحانه وتعالى، ويحرص على العمل بما يرضي الله، وما يقربه إلى الله سبحانه وتعالى، فالله عز وجل يكفيه هم الدنيا، جعل الله غناه بين عينيه، يعني القناعة بما أتاه الله سبحانه وتعالى. وكذلك يسد الله عز وجل حاجته، وأتته الدنيا وهي راغمة، تأتيه الدنيا وما يسد حاجته في عيشه، وفي حياته، ما يكفيه. وهكذا العكس، من أصبح همه الدنيا، يفكر في الدنيا، لا يفكر في الآخرة، ولا فيما عند الله سبحانه وتعالى، همه وكيف يجمع المال، وكيف يتحصل على المال، بأي طريق، وبأي سبيل، فهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: جعل الله فقره بين عينيه، فقير، ما عنده شيء، ولو كان عنده ما عنده في يده من المال، لكنه في الحقيقة فقير، لعدم غناء القلب، وقناعة القلب. قال: ولم يأتي من الدنيا إلا ما كتب له، ما سيأتي إلا المكتوب، ولو عمل ما عمل، ولو أضاع من وقت ما أضاع. وفي اللفظ الآخر: فرق الله عليه شمله، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأتي من الدنيا إلا ما كتب له. وهذا في هذا اللفظ، هذا الأثر يقول: جعل فقره بين عينيه، ثم لا يصبح إلا فقيرا، ولا يمسي إلا فقيرا، بسبب تعلق القلب بالدنيا، وكذلك أيضا السعي لأجلها، وعدم تعلق القلب بالآخرة، وما عند الله سبحانه وتعالى. وهذا أيضا من فضائل العلم، لأنه تعلق صاحب العلم بالعلم، والعلم عبادة وطاعة، العلم عبادة وطاعة، فكون صاحب العلم عنده رغبة ومحبة وتعلق بالعلم، وتحصيله وطلبه، فهو في طاعة لله سبحانه وتعالى، فالله عز وجل يكفيه هم الدنيا، ويسد حاجته التي يحتاج لها في أمر معاشه وحياته. وهذا يدلنا على فضل العلم، وأن صاحب العلم لا يضيعه الله، لا يظن طالب العلم أنه إذا طلب العلم وتفرغ للعلم، وترك أعمال الدنيا، أنه سيضيع أبدا، ما سيضيعه الله سبحانه وتعالى، لأنه ترك شيئا لله، وأقبل على شيء حث الله سبحانه وتعالى عليه، كيف يضيعه؟ كيف يضيعه؟ والذي رغبك في العلم، وحثك، وذكر لك فضائله وأجره وثوابه، ثم يضيعك أبدا، هذا من سوء الظن، هذا من سوء ظن العبد بربه، أن يظن أنه إذا تفرغ للعلم، وأقبل على العلم، أنه سيضيع، أو سيضيع مستقبله، كما يقول بعض الناس، إذا رأى طالب علم تفرغ للعلم، ورحل إلى العلم، يقول: أنت ستضيع مستقبلك، كيف ستتزوج؟ كيف ستبني بيتا؟ كيف؟ وكذا، وهذا من سوء الظن، هذا من سوء الظن بالله جل وعلا. وانظر إلى زوجة إبراهيم سارة، لما وضعها أو هاجر لما وضعها إبراهيم مع ابن إسماعيل عند البيت، قبل أن يملأ البيت، ترك معها جرابا فيه تمر، وصيقاء فيه ماء، ثم ولّى. قالت: يا إبراهيم، لمن تدعنا؟ وإبراهيم لا يجيبها. يا إبراهيم، لمن تدعنا؟ وهو لا يجيبها. قالت: الله أمرك بهذا؟ فالتفت إليها، قال: نعم. قالت: إذن لا يضيعنا الله. هذا من عظيم توكلها، وثقتها بالله سبحانه وتعالى. قالت: إذا كان هذا الأمر من الله، إذن ما يضيعنا الله. ولهذا ما ضيعها الله سبحانه وتعالى، لما فرغ ما عندها من الماء في السقاء، وانتهى ما عندها من التمر في الجراب، وجاع ولدها، وجعل يتلبط من الجوع، يتقلب. قامت أخذت بالسبب، تنظر، فصعدت على الصفا، ثم نزلت إلى المروة، حتى فعلت ذلك سبع مرات، فكان ذلك سعي الناس اليوم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. ثم بعث الله عز وجل لها الملك، فضرب على الأرض، فانبعث ماء زمزم، إلى آخر ما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام في تلك المنقبة، وهي في صحيح البخاري، من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. الشاهد أن الله جل وعلا ما ضيعها، ما عظيم ثقتها الله، وأن الله عز وجل لا يضيعها. وكذا أيضا طالب العلم أيضا.

شاركنا على