القواعد والأصول الجامعة 55

الدرس في القواعد والأصول الجامعة 55، ألقاها

مقدمة في وجوب تقييد الألفاظ

يجب تقييد اللفظ بملحقاته من وصف أو شرط أو استثناء، كما هو واضح في لغة العرب والعرف الجاري. هذا الأصل مهم لضمان عدم فساد المخاطبات وتغير الأحكام.

أهمية القيود والشروط في الأحكام والعقود الشرعية

يجب اعتبار القيود والشروط في الأحكام الشرعية والعقود، مستدلاً بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية. الشروط والقيود تؤخذ بعين الاعتبار ما لم تخالف الشرع.

دور القرائن في تفسير الألفاظ الشرعية

الألفاظ الشرعية تُفهم مع قيودها واستثناءاتها، مع دور القرائن ومقتضى الأحوال في تفسيرها بشكل صحيح. يشمل ذلك الوصية والطلاق والعتق والحلف وغيرها.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعدي رحمه الله في كتابه «القواعد والأصول الجامعة»: القاعدة التاسعة والعشرون: يجب تقييد اللفظ بملحقاته من وصف أو شرط أو استثناء أو غيرها من القيود. يجب تقييد اللفظ بملحقاته من وصف أو شرط أو استثناء أو غيرها من القيود. هذه من القواعد الأصولية أنه إذا ذكر اللفظ وكان هذا اللفظ مقيدًا بقيد من وصف أو شرط أو استثناء أو غيرها من القيود كالبدل أو التوكيد أو غير ذلك، وجب تقييد اللفظ بهذا القيد. فلو قال قائل مثلًا لشخص: «اشتر لي شاة سمينة»، فذهب واشتر له شاة عادية، هل يكون هنا قد أتى بالمقصود؟ الجواب: لا. لماذا؟ لأن اللفظ هنا مقيد بوصف، وهو كون هذه الشاة سمينة. إذا لم يأت له بسمينة، لم يلزم أخذها؛ لأنه لم يأت له بما قيد به هذا اللفظ. وهكذا كذلك غيرها من القيود، كما سيأتي ذكره. شيء من ذلك فيما سيذكره المؤلف رحمه الله. ومثل ذلك مثلًا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «في الغنم السائمة زكاة». السائمة يعني التي ترعى أكثر الحول من الأرض مما أنبته الله سبحانه وتعالى. فهذه هي التي تجب فيها الزكاة. فقوله عليه الصلاة والسلام: «في الغنم السائمة زكاة»، مفهوم المخالفة أن غير السائمة ليس فيها زكاة. فما دام أن هذا اللفظ قيد بهذا الوصف، فإنه يستفاد منه ثبوت هذا الحكم مع وجود هذا الوصف. فإذا عدم هذا الوصف، انتفى الحكم. إذا كان هناك غنم، لكن غير سائمة، فليس فيها زكاة. قالوا: هذا الأصل واضح معلوم من لغة العرب وغيرها، ومن العرف الجاري بين الناس؛ يعني أن يقيد اللفظ بما قيد به. لو قال شخص رجل لمرأته: «إن خرجت من البيت فأنت طالق»، هنا الآن الطلاق مقيد بشرط، وهو الخروج من البيت. فيجب اعتبار هذا الشرط. فلا تطلق مطلقًا، وإنما إذا حصل هذا الشرط، وهو خروجها من البيت. قالوا: لأنه لو لم يعتبر ما قيد به الكلام، لفسدت المخاطبات وتغيرت الأحكام، ووقعت الخصومات بين الناس بسبب ذلك. هذا يقول: «أنا قيدت الكلام بقيد»، والآخر لم يعتبر هذا القيد، فيقع الخصام والنزاع. قالوا: هذا مضطرد في كلام الله، وكلام رسوله، وكلام جميع الناطقين. فكما أننا نعتبر هذه القيود في الكتاب والسنة، كذلك نعتبرها في كلام الناس، ونحكم عليهم بما نطقوا به من إطلاق أو تقييد. فمثلًا قول الله جل وعلا: ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾، هنا جعل الله عز وجل الأخوة بين الناس مقيدة بهذا القيد وبهذا الشرط، بالتوبة وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. إذا اجتمعت هذه الشروط، حصلت الأخوة بيننا وبين من كان كافرًا. إذا تخلف هذا الشرط، تخلف الحكم. إذا لم يتوبوا ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فليسوا بإخوة لنا في الدين. وهكذا أيضًا قول الله جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، حج البيت بدل من قوله على الناس، فدل على أن وجوب الحج مقيد بالاستطاعة. إذا من لم يكن مستطيعًا، فلا يجب عليه الحج. وهكذا أيضًا في كلام النبي عليه الصلاة والسلام، كما سمعنا في قوله عليه الصلاة والسلام: «في الغنم السائمة زكاة». وهكذا أيضًا في غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي قيد فيها النبي عليه الصلاة والسلام كثيرًا من الأحكام بقيود من وصف أو شرط ونحوه، فلا بد من اعتبارها. وهكذا أيضًا كذلك اعتبار ذلك بكلام الناس، فمن ذكر شيئًا وقيده بقيد، وجب اعتبار هذا القيد والأخذ به، وعدم إلغائه. فإذا قال شخص لآخر: «اشتر لي شاة حلوبًا»، فذهب واشتر له شاة عادية ليست بحلوب، هل أتى بالمطلوب؟ الجواب: لا. لم يأت بما طلب منه صاحبه؛ لأنه قيد كلامه بوصف أن تكون حلوبًا. إذا لا بد من اعتبار هذا الوصف. قال: ونحكم عليهم بما نطقوا به من إطلاق أو تقييد. وهذا إذا لم يخالف الشرع. أما إذا كان القيد أو هذا الوصف مخالفًا للشرع، فلا اعتبار به. لو قال شخص مثلًا: «أنا سأتزوج بالمرأة الفلانية بشرط أنها تدخل على إخواني وتصافحهم وتسلم عليهم»، نقول: هذا الآن النكاح مقيد بهذا الشرط. هل هذا الشرط معتبر؟ الجواب: لا. لماذا؟ لأنه مخالف للشرع. فلا اعتبار بمثل هذا الشرط. قال: ويدخل في هذا الأصل من الأحكام ما لا يعد ولا يحصى من ألفاظ المتعاقدين، وصفة العقود. فلو تزوج رجل امرأة بشرط وقيد، ليس كمن تزوج بلا شرط ولا قيد، فيختلف هذا عن هذا. وهكذا أيضًا لو اشترطت المرأة على من أراد الزواج بها شرطًا، ليس كمن لم تشترط شيئًا. لو قالت حين خطبها الرجل: «أنا أوافق على الزواج بك بشرط أنك لا تخرجني من بلدي»، هذا الشرط يجب اعتباره إذا أراد الزواج بها، فيوفي بهذا الشرط. وأخرى لم تشترط شيئًا، إذا يختلف الحكم. وإن كان الفعل واحد، هذا زواج، وهذا زواج، وهذا نكاح، وهذا نكاح، لكن هذا بشرط، وهذا بغير شرط، فيختلف في الحكم. وهكذا أيضًا في البيوع مثلًا، لو باع بيعًا، باع سلعة للمشتري، واشترط عليه أن يسلمها له بعد يومين مثلًا، وآخر باع السلعة ولم يشترط شيئًا. هنا يعتبر هذا الشرط. أو اشترط أن يؤخر الثمن ويدفعه بعد مدة معينة، جاز ذلك. وآخر باع ولم يشترط، فهذا الشرط معتبر بخلاف الآخر. قال: ومن شروط الموقفين والموصين، كذلك من شروط الموقفين والموصين. إذا أوقف شخص وقفًا واشترط شرطًا أو وصفًا، لا بد من اعتبار هذا الوصف. لو قال: «هذا البيت وقف للفقراء والمساكين»، إذا لا يكون لغيرهم. أو قال: «هذا البيت وقف لطلبة العلم»، فلا يكون لغير طلبة العلم. لا بد من اعتبار هذا الوصف. وهكذا أيضًا في الوصية، إذا أوصى شخص بوصية واشترط فيها شرطًا أو ذكر فيها وصفًا، فلا بد من اعتبار هذا الوصف. كان يقول مثلًا: «هذه الوصية أوصي بها للأيتام أو للمساكين أو لطلبة علم أو نحو ذلك»، فيعتبر هذا الوصف وهذا القيد. قالوا: ومن القيود والاستثناءات في كلام المطلقين والمعتقين، كذلك أيضًا لا بد أن يقيد اللفظ بما قيد به من الاستثناء. كقول الرجل لامرأة: «إن خرجت فأنت طالق»، إذن إذا لم تخرج فلا تطلق؛ لأن الطلاق هنا مقيد بشرط، وهو الخروج. أو يقول: «إن كلمت فلانًا فأنت طالق»، وهنا لا تطلق إلا إذا كلمت فلانًا؛ لأن هذا الطلاق مقيد بشرط، فلا بد من اعتبار هذا الشرط. وهكذا أيضًا المعتقين، لو أراد شخص أن يعتق عبدًا من عبيده، فقال: «إن فعلت كذا فأنت حر»، إذا لا يصبح حرا إلا بهذا الشرط الذي اشترطه إذا فعله صار حرا، وإن لم يفعله بقي عبدًا. قال: ومن القيود في كلام الحالفين والمعترفين بحق من الحقوق على الصفة التي أقروا بها. كذلك أيضًا في كلام الحالفين، لو قال: «والله لا أكلم فلانًا إن دخل بيت فلان»، هنا الآن حلف مقيد بشرط، وهو أن يدخل بيت فلان. أو «والله لا أكلم فلانًا إن كلم فلانًا من الناس»، هذا الآن حلف مقيد بشرط، فلا بد من اعتبار هذا القيد. إذا لم يكلم فلانًا، فليس عليه حنث. إن كلمه ولم يحنث بذلك. وهكذا أيضًا الاعتراف بحق من الحقوق على الصفة التي أقروا بها، إن قالوا مثلًا: «أنت يا فلان في ذمتك عشرة آلاف ريال»، فقال: «أقر بذلك»، لزمه ذلك. قال: وكما أننا نعتبر القيود اللفظية، فكذلك نعتبر القرائن ومقتضى الأحوال وما يحف بالكلام من الأسباب المهيجة والغايات المقصودة. يقول: كما أننا نعتبر القيود اللفظية؛ يعني الوصف والشرط والبدل ونحوها، كذلك نعتبر القرائن ومقتضى الأحوال؛ يعني إن حصل قول، لكن هذا القول حصل في حال من الأحوال يعذر فيها صاحبه، فإنه يعذر. كمن طلق مكرها، رفع السلاح على رأسه، وقيل له: «طلق وإلا الرصاص في رأسك»، فطلق. هل يقع الطلاق؟ الجواب: لا. لا يقع؛ لأنه مكره. إذن لا بد من اعتبار ماذا؟ القرائن ومقتضى الأحوال. وهكذا من حلف أنه لا يدخل بيت فلان، فجاء اثنان فحملوه وأدخلوه داخل هذا البيت، هل يحنث؟ الجواب: لا؛ لأن هذا حصل منه على سبيل الإكراه. وهكذا أيضًا ما يحف بالكلام من الأسباب المهيجة، مثلًا لو قال: «والله أو قال لمرأته إن دخلت بيت فلان فأنت طالق»، قال ذلك لأنه أخبر أن في هذا البيت منكر، فهيجه ذلك على تعليق ماذا؟ الطلاق بهذا الشرط. ثم تبين أن هذا الكلام غير صحيح، فهل تطلق إذا دخلت؟ الجواب: لا. لماذا؟ لأنه قال ذلك على أنه يوجد في هذا البيت منكر، فهيجه ذلك إلى التلفظ بهذا اللفظ الذي هو في الحقيقة لا يريد ظاهره. ولا يريد أن يقع الطلاق عليها. إذن يعتبر هذه القرائن. فما دام أن الذي هيجه هو هذا، وهذا أمر ليس بصحيح، إذن لا يقع الطلاق. هذا معنى كلامي رحمه الله. قال: والله أعلم. هذا معنى هذه القاعدة: يجب تقييد اللفظ بملحقاته من وصف أو شرط أو استثناء أو غيرها، كالبدل أو التوكيد، وكذلك أيضًا النظر في القرائن ومقتضى الأحوال أو الأسباب المهيجة على اليمين ونحوها. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على