القواعد والأصول الجامعة 59

الدرس في القواعد والأصول الجامعة 59، ألقاها

أداء الواجبات عن الغير بنية الرجوع

تناول المقطع الأول القاعدة الثانية والثلاثين من كتاب القواعد والأصول الجامعة، حيث أوضح أنه إذا أدى شخص واجبًا عن غيره بنية الرجوع عليه، فله الحق في المطالبة بما دفعه. الأمثلة تشمل أجرة الرضاعة والنفقة على الأهل والمماليك والبهائم.

أحكام الرجوع في النفقة والهبة

يتناول هذا الفصل أحكام الرجوع في النفقة والهبة، حيث يشرح شروط رجوع الشخص على غيره بما أنفق أو دفع، ويبين أن النية تلعب دورًا هامًا في ذلك. إذا نوى الرجوع كان له ذلك، وإلا فلا رجوع له.

نية الرجوع في أداء الدين عن الغير

إذا أدى شخص دينًا عن آخر بدون نية الرجوع أو الهبة، فهناك خلاف حول ما إذا كان له الرجوع على المدين أم لا. العبادات التي تحتاج إلى نية مثل الزكاة والكفارات والنذر لا يصح أداؤها عن الغير إلا بإذنه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعد رحمه الله في كتابه «القواعد والأصول الجامعة»: القاعدة الثانية والثلاثون: «من أدى عن غيره واجبا بنية الرجوع عليه رجع، وإلا فلا». هذه القاعدة: «من أدى عن غيره واجبا» أي من الواجبات، وهذا الواجب سيأتي أنه يقيد بما لا يشترط فيه النية، بما لا يشترط فيه النية، فيجوز أن يقوم غيره مقامه في أداء هذا الواجب. أما ما يشترط فيه النية، فإنه لا يجزئ أن يقوم غيره بفعله. قال: «واجبا بنية الرجوع عليه» يعني أن يعمل هذا العمل الواجب وينوي أن يرجع إلى صاحبه فيطالبه بما دفع. قال: «رجع» يعني إذا نوى الرجوع له أن يرجع إلى من أدى عنه هذا الواجب ويطالبه بما أدى عنه. «وإلا فلا» يعني إن لم ينو الرجوع، فإنه لا يرجع فيطالبه بما أدى عنه؛ لأنه حينئذ يكون قد وهب ما دفع عنه، فلا يرجع فيه. قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾. قال: لأن أجرة الرضاع على الأب، فإذا أرضعت الأم الطفل له، فقد قامت عنه بواجب، فترجع بالأجرة على الأب. أجرة الرضاعة تكون على الأب، كما أنه يجب عليه النفقة، كما قال جل وعلا: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. كذلك إذا احتاج الرضيع إلى من يرضعه، فإن الأب هو الذي يتحمل أجرة الرضاعة. فلو أن الأب مثلا فارق امرأته، ثم ولدت وأرادت الأم أن ترضع ولدها، فإن أرضعته ولم تنو الرجوع على الأب بمطالبته بأجرة الرضاع، فليس لها أن ترجع وتطالبه. وأما إن أرضعته ونوت أن ترجع على الأب وتطالبه بأجرة الرضاع، فإن لها ذلك؛ لأن الأصل أن أجرة الرضاع عليه. كما أنه لو رفضت أن ترضعه مثلا، وجئ لهذا المولود والرضيع بمرضعة، فمن يتحمل أجرة هذه المرضعة هو الأب. فالأب هو الذي يتحمل أجرة المرضعة. فإن تبرعت الأم وأرضعت من غير مقابل، فلها ذلك. وإن أرضعت ونوت بذلك الرجوع على الأب بنفقة الرضاع، فلها ذلك. ومثل ذلك من أنفق على زوجة غيره وأولاده، أن النفق الواجبة -قال: «الواجبة»؛ لأن المستحبة قد ينوي بها الصدقة، فلا يرجع، بخلاف النفقة الواجبة التي يحتاج لها أهل البيت- قال: «أو على من تجب عليه نفقتهم من المماليك والبهائم ونوى الرجوع رجع». كذلك يقول: من أنفق على زوجة غيره، لو أن رجلا سافر، ثم انقطع خبره وانقطعت نفقته على أولاده وزوجته، وعنده مثلا مماليك وبهائم، فقام جاره بالنفق عليهم. النفق الواجبة، هل له أن يرجع على هذا الزوج بما أنفق وما دفع أم لا؟ فهذا من هذا الباب. إن نوى الرجوع على الزوج بما أنفق وما دفع، له ذلك، يرجع عليه ويطالبه بما أنفق. وإن لم ينو الرجوع، ونوى بذلك الصدقة عليهم أو الهبة لهم، فليس له الرجوع؛ لماذا ليس له الرجوع؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه». فهو لما لم ينو الرجوع ونوى أن يهبهم ما أنفق وما أعطى، فلا يجوز له أن يرجع في هبته. قال: «وخصوصا إذا كانت العين بيده كالمرتهن والأجير ونحوهم». نعم، كذلك أيضا المرتهن الذي في يده الرهن، أعطى زيد لعمر دينا، وقال: أطالب برهن توثيق لهذا الدين، فوضع عنده بهيمة، مثلا ناقة. هذه الناقة تحتاج إلى نفقة وإلى طعام، فإذا أنفق عليها المرتهن، فله أن يرجع على صاحبها بما أنفق وبما أطعم. إنه الرجوع، وإن لم ينو الرجوع، فإنه لا يرجع عليه. قال: «وكذلك من أدى عن غيره دينا ثابتا عليه لغريمه، فله الرجوع إذا نوى الرجوع». زيد يطالب عمر بدين أخذه منه عمر، وعمر ما عنده شيء، فجاء محمد وقال لزيد: هذا الدين الذي على عمر كم الدين؟ قال: عشرة آلاف. قال: خذ هذه عشرة آلاف. فأدى محمد الدين الذي على عمر لزيد، أدى عنه هذا الواجب، هل له أن يرجع ويطالب عمر بما أدى عنه؟ نقول: إنه يرجع، فله أن يرجع، يأتي إلى عمر ويقول: يا عمر، أنا سددت عنك هذا الدين الذي يطالبك به زيد، والآن أعطني إياه. وإن لم ينو الرجوع، وإنما نوى ماذا؟ أن يؤدي عنه هذا الواجب هبة منه وصدقة منه، فلا يرجع. قال: «فإنه في هذه المسائل التبرع أو لم ينو الرجوع لم يرجع»؛ لأنه لم يوكله، ولم يأذن له -يعني لم يجعله وكيلا عنه حتى يؤدي عنه- فيأتي يطالبه. وكذلك أيضا لم يأذن له -يعني بالإذن إذنا عاما- أن يؤدي عنه هذه الواجبات. فما دام أنه تبرع بذلك ولم ينو الرجوع عليه، فإنه لا يرجع إليه ويطالبه؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام -كما سمعنا-: «العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه». وهناك مسألة ثالثة، وهو إذا أدى عنه من غير نية الرجوع أو نية الهبة، أدى عنه هذا الواجب -كما سمعنا في أداء الدين لغريمه- قال: خذ هذا الدين الذي على عمر، وما نوى أن يرجع عليه، وفي نفس الوقت لم ينو أنها هبة، أراد فقط أن يدفع -يعني ذي الزيد- وكثرة سؤاله لعمر، هل له أن يرجع ويطالب عمر بما أدى عنه أم لا؟ فظاهر كلام المؤلف رحمه الله هنا أنه لا يرجع. وقول آخر: أن له الرجوع إذا أدى عنه، ثم أراد الرجوع لعمر، وهو لم ينو أنها هبة له، فله أن يرجع. وهذا أظهر أنه له أن يرجع ويطالب عمر بما أدى عنه. قالوا: هذه المسائل في الديون التي لا تحتاج إلى نية -يعني لا يحتاج إلى نية في فعلها- فالإنسان لما ينفق على أهله وعلى أولاده وعلى بهائمه، ما ينوي عند أن نفق عليهم، فهذه الأعمال تصح من غير نية، فلهذا يجوز أن يقوم غيره بفعلها. كذلك سداد الدين ما اشترط فيه النية، بل لو سدد قهرا، لو سدد قهرا صح؛ يعني لو أن عمر قال لزيد: ما أعطيك دينك، فقبض على عمر، وعمر عنده مال، قيل له: أعطيه دينه، فيعطيه بالقوة، هل يصح وتبرأ ذمة عمر؟ الجواب: نعم تبرأ؛ لأنه لا يشترط فيه سداد الدين النية. فهذه الأعمال الواجبات لا يشترط فيها النية، فلهذا يصح أن يقوم غيره مقامه في سدادها. قال: «فأما ما يحتاج إلى نية كالزكاة والكفارات والنذر وغيرها» فمن أداها عن غيره لم يرجع؛ لأن الأداء لا يفيد؛ لأن الذي عليه الزكاة ونحوها لم يوكل الدافع. فهذه العبادات تحتاج إلى نية في إخراج الزكاة، وهكذا الكفارة -سواء كانت كفارة يمين أو كفارة الظهار أو كفارة يعني غيرها من الكفارات- كذلك النذر، هذه لابد فيها من نية، فحينئذ لا يؤدي غيره عنه هذا الواجب إلا إذا أذن له، إلا إذا أذن له أن يؤدي عنه فله ذلك. وأما إن لم يأذن له، فإنه لا يصح. وحينئذ إذا أدى عنه، فلا يأتي طالبه؛ لأنه لأن هذا العمل أصلا لا يصح إلا بنية، فلا يجزئ ولا يغني عنه ما أداه عنه. فعلى هذا تقيد هذه القاعدة: «من أدى عن غيره واجبا» يقيد مما لا يشترط فيه النية، مما لا يشترط فيه النية، «بنية الرجوع عليه رجع، وإلا فلا». صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على