مختصر فقه الأسماء الحسنى  39

مختصر فقه الأسماء الحسنى 39

الدرس في مختصر فقه الأسماء الحسنى 39، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

أسماء الله القدير، القادر، المقتدر ودلالاتها على كمال القدرة الإلهية

يشرح الشيخ عبد الرزاق العباد دلالة الأسماء الثلاثة الواردة في القرآن على ثبوت صفة القدرة الكاملة لله مستشهداً بالآيات. ويبين أن كمال القدرة يظهر في الإبداع والتدبير والإحياء والبعث وتوجيه القلوب دون عجز.

القدر وصفة القدرة وآثار الإيمان بهما العقدية

يوضح المقطع علاقة القدر بصفة القدرة الإلهية مستدلاً بالوحي وأقوال السلف، محذراً من إنكار القدر لكونه طعناً في القدرة. ويستعرض ثمار الإيمان في تقوية التوكل والصبر وحسن الظن بالله عملياً.

آثار الإيمان باسم الله القدير في تثبيت الفؤاد وسلامة الصدر

يسوق مواقف تاريخية كغزوة الأحزاب وإبراهيم في النار دليلاً على القدرة المطلقة، ثم يبين ثمار الإيمان بهذا الاسم في تثبيت القلب عند الشدائد، وسلامة الصدر من الحقد، والعزيمة على الطاعة مع الرضا بالقضاء.

دعاء ختامي بطلب الفقه والتوفيق

يختتم المتحدث بالدعاء إلى الله أن يمنح الفقه في الدين والتوفيق لكل خير مستحضراً قدرة الله على ذلك. ويختم المحاضرة بالحمد لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد في كتابه "مختصر فقه الأسماء الحسنى": أسماء الله القدير، القادر، المقتدر، وجمعها لأن معناها متقارب. قال: وجميع هذه الأسماء وردت في القرآن، وأكثرها وروداً القدير، ثم القادر، ثم المقتدر. يعني أكثر ما ورد في القرآن ذكر اسم الله القدير مقارنة مع اسمي القادر والمقتدر، فأكثر هذه الأسماء وروداً في القرآن القدير، ثم القادر، ثم المقتدر. قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾. ذكر هذه الآية دليلاً على اسم الله القدير، وكما ذكرنا أن هذا الكتاب مختصر فهو يكتفي بذكر الدليل والدليلين ونحو ذلك. وقال تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾. وفي آيات أخرى أيضاً ذكر باسم الله القدير والقادر. وقال تعالى: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا ﴾. "مقتدر" دليل اسم الله المقتدر. وقلنا: طريقة المؤلف في هذا الكتاب يذكر دليل الاسم من القرآن إذا وجد في القرآن، وإذا لم يوجد في القرآن وإنما ورد في السنة ذكر دليله من السنة. ثم يذكر معنى هذا الاسم، ثم يذكر ما يتعلق به من الآثار والثمار. قال: وجميعها - يعني هذه الأسماء الثلاثة - تدل على ثبوت القدرة صفة لله، لأن ما من اسم إلا وتضمن صفة، فالقدير تضمن صفة القدرة لله عز وجل صفة، والقادر كذلك تضمن القدرة صفة لله، والمقتدر كذلك تضمن ثبوت القدرة صفة لله. قال: وأنه سبحانه كامل القدرة، يعني لأن صفات الله حسنى غاية في الحسن والكمال والتمام، فتثبت لله عز وجل صفة القدرة وأنها قدرة كاملة. قال: فبقدرته أوجد الموجودات، فوجود هذه المخلوقات دليل قدرته. وبقدرته دبرها، أوجدها ثم دبر أمرها من رزقها ومن تعليمها، وكذلك إيجاد ما تحتاجه من مصالح، فكل ذلك بقدرة الله. وبقدرته سواها وأحكمها، وبقدرته يحيي ويميت ويبعث العباد للجزاء، ويجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، كل ذلك من قدرة الله الذي إذا أراد شيئاً قال له كن فيكون. فبقدرته يقلب القلوب ويصرفها على ما يشاء ويريد، فالله قادر أن يزيغ قلب هذا وأن يهدي قلب ذاك، فيهدي من يشاء ويضل من يشاء، ويعطي من يشاء ويمنع من يشاء، وكل ذلك بقدرته سبحانه وتعالى. قال: يقلب القلوب ويصرفها على ما يشاء ويريد، ويهدي من يشاء ويضل من يشاء، ويجعل المؤمن مؤمناً والكافر كافراً، والبر براً والفاجر فاجراً. ومن كمال قدرته سبحانه وتعالى - لأنه قلنا ثبوت هذه الصفة وثبوت كمالها لله سبحانه وتعالى - فمما يدل على كمال قدرته سبحانه وتعالى أنه لا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء أن يعلمه، ﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾، فهذا يدل على كمال قدرته سبحانه وتعالى. وهكذا من كمال قدرته خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، وما مسه من لغوب، سبحانه وتعالى، أي من تعب وإعياء، وهذا يدل على كمال قدرته. وهكذا من كمال قدرته لا يعجزه أحد من خلقه ولا يفوته، فالكل تحت حكمه وتدبيره وتصريفه سبحانه وتعالى، فالكل في قبضته عز وجل، وهذا يدل على كمال قدرته. وأيضاً مما يدل على كمال قدرته أن كل شيء تحت طوعه وتحت أمره، فإذا قضى أمراً أن يقول له كن فيكون، سبحانه وتعالى، وهذا يدل أيضاً على كمال قدرته سبحانه وتعالى. والأمثلة على هذا كثيرة جداً. قالوا: من أصول الإيمان العظيم الإيمان بالقدر، والقدر هو القدرة كما جاء عن الإمام أحمد كما سيأتي معنا. قال: القدر قدرة الله، القدر قدرة الله. فلذلك العلماء يذكرون القدر عند الكلام على صفة القدرة، على صفة القدرة. قال الله: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾، كل شيء بقدر الله، بقدرة الله عز وجل. وقال تعالى: ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ﴾، فهو بقدرته. والمشيئة هي القدرة، ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾. قال: ومن لا يؤمن بالقدر لا يؤمن بالله عز وجل ولا يؤمن بقدرة الله سبحانه وتعالى، فالذي يقول إن الله لا يعلم الشيء إلا بعد وقوعه، أعوذ بالله، هذا طعن في قدرة الله، أن الله لا يقدر أن يعلم الشيء قبل وقوعه، وهذا كفر بالله العظيم. قال الإمام أحمد رحمه الله: القدر قدرة الله، القدر قدرة الله. قال: فإنكار القدر إنكار لقدرة الله عز وجل، وجحد صفاته سبحانه أو شيء منها يتنافي مع الإيمان، مع الإيمان به سبحانه وتوحيده. قال ابن عباس رضي الله عنهما: القدر نظام التوحيد، فمن وحد الله عز وجل وآمن وآمن بالقدر فهي العروة الوثقى التي لا انفصام لها، ومن وحد الله تعالى وكذب القدر نقض التوحيد، فإذا التوحيد هو القدر والقدر هو التوحيد، فلا توحيد لمن لا يؤمن، فلا توحيد لمن لا يؤمن بالقدر وبقدرة الله سبحانه وتعالى. قال: هذا، وإن للإيمان بقدرة الله عز وجل التي دل عليها أسماؤه القدير، القادر، المقتدر، آثاراً عظيمة وثماراً مباركة. يعني هذا الاسم يؤثر على قلب المؤمن متى ما آمن به حق الإيمان، فيجني من إيمانه بهذا الاسم ثماراً مباركة تعود على العبد في دنياه وأخراه. كيف لا والإيمان به قطب رحى التوحيد ونظامه، ومبدأ الإيمان وتمامه، وأصل الدين وقوامه، فهو أحد أركان الإيمان وقاعدة أساس الإحسان. ومن ثمار هذه الأسماء وآثارها على قلب المؤمن: أن الإيمان بهذه الأسماء يقوي في العبد الاستعانة بالله، يقوي في العبد الاستعانة بالله وحسن التوكل عليه، فيقوى قلب المؤمن بالله عز وجل ويعتمد على ربه سبحانه وتعالى في كل صغيرة وكبيرة. ومما يدل على ذلك حديث ابن عباس: قال له: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، قد قدره الله لك، لأن الكتاب من أركان القدر، من أركان القدر، وعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف». فالمؤمن إذا قوي إيمانه بقدر الله وبقدرة الله عز وجل لا يبالي بالخلق وبما يكيدون له، فهو يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، فتقوى عزيمته ويتوكل على خالقه، ويعلم أن الأمر لله سبحانه وتعالى. وأيضاً من ثمار وآثار هذا الاسم يجعل المؤمن صابراً محتسباً، فيكسبه هذا الخلق الرفيع خلق الصبر، لأنه يعلم أن الله على كل شيء قدير، فهو قادر أن يفرج عنه كربته مهما بلغت هذه الكربة من الشدة والضيق. على سبيل المثال: ابتليت بمرض، لا تيأس ولا تضعف، بل اصبر واعلم أن الله قادر على أن يشفيك من هذا المرض، ولو قرر الأطباء أن لا علاج له، قوي إيمانك بالله واصبر واحتسب وادع الله، والله عز وجل قادر أن يشفيك من هذا المرض مهما بلغ من الخطورة، ومن كذلك الشدة. وكم من مريض ربما قرر الأطباء عجزهم وعدم قدرتهم على علاج هذا المرض، فبحسن توكله على خالقه وصدق اعتماده على الله شفاه الله سبحانه وتعالى من هذا المرض، فهذا من ثمار الإيمان بهذه الأسماء وما حوته من هذه الصفة، صفة القدرة، فالله على كل شيء قدير. وهكذا لو اجتمع أهل الشر عليك أو على الإسلام والمسلمين، لا تيأس ولا تقنط، اعلم أن الله على كل شيء قدير، فهو قادر أن يرسل عليهم ما شاء من جنده. كم اجتمع المشركون والكفار على أهل الإسلام في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، فهزمهم الله عز وجل بجند من جنوده في غزوة الأحزاب، أرسل عليهم ريحاً. اجتمع جحافل الكفر على الإسلام والمسلمين، المشركون مع قبائل العرب مع المنافقين، كل هؤلاء اجتمعوا حتى سميت بالأحزاب، أنهم تحزبوا على الإسلام والمسلمين، وتعسكروا خارج المدينة، وجاءوا بعددهم وعدتهم، أرادوا غزو الإسلام والمسلمين، فأرسل الله عز وجل عليهم ماذا؟ هذه الريح، هذه الريح، فأربكتهم وأرعبتهم، ففروا مدبرين منهزمين مخذولين، فالله على كل شيء قدير. أيضاً قوم موسى، قوم إبراهيم، لما ألقوه في النار ظنوا أن النار ستحرقه، لكن قدرة الله عظيمة، فجعل الله عز وجل هذه النار برداً وسلاماً، لأنه الذي خلقها، فكما وضع فيها صفة الإحراق فهو قادر أن ينزع منها هذه الصفة، فقال: ﴿ يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾، فالله على كل شيء قدير. قوِّ قلبك وإيمانك بالله سبحانه وتعالى، لا تنهزم ولا تضعف، ولا يصيبك شيء من الخذلان، طالما أنك على الحق وعلى كذلك الإيمان والتوحيد، فاصبر وتضرع إلى الله عز وجل، فالله على كل شيء قدير. هذا من ثمار الإيمان بهذه الأسماء. ومن ثمارها أيضاً سلامة الإنسان من أمراض القلوب كالحقد والحسد والكراهية والبغضاء والشحناء، لأنك تعلم أن الله على كل شيء قدير، لماذا تحقد على أخيك وتحسده؟ من الذي أعطاه هذه النعمة؟ الذي أعطاه هذه النعمة هو الله، فالذي أعطى فلاناً هذه النعمة فهو قادر على أن يعطيك مثلها، بل أكثر منها، بل أكثر منها. فالذي يحسد في الحقيقة قد أساء الظن بالله سبحانه وتعالى وأساء الأدب مع الله عز وجل، وصدق من قال: «ألا قل لمن كان لي حاسداً: أتدري على من أسأت الأدب؟ أسأت على الله في خلقه، لأنك لم ترضَ لما وهب»، من الذي وهب هذا المحسود؟ الله عز وجل، فلماذا تحسده ولماذا تكره له هذا الخير؟ فهذا يدل على ضعف إيمانك في قدرة الله سبحانه وتعالى، فهو القادر أن يعطيك مثل ذلك الذي حسدته وأكثر. فإذا من آثار هذا الاسم سلامة الإنسان من تلك الأمراض، أمراض القلوب. ومن آثار هذه الأسماء أيضاً تقوية عزيمة العبد وإرادته في الحرص على الخير وطلبه، فتجد المؤمن بهذا الاسم مقبلاً على الطاعات، حريصاً عليها، نشيطاً فيها، وبعيداً عن المعاصي والمحرمات، لماذا؟ لأنه يعلم أن الله عز وجل على كل شيء قدير، فهو قادر أن يوفقه لكل عمل صالح، وهو قادر سبحانه وتعالى أن ينتقم منه متى ما عصاه، فيكون بين الخوف والرجاء، وهذا الذي به يحرص العبد على الطاعات والقربات، ويحذر من المعاصي والمحرمات. ويدل على هذا حديث أبي هريرة عند مسلم: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل». لا تقل: إذا أنت مقبل على الصلاة وعلى طلب العلم وعلى الخير، ثم أصبت بشيء من قدر الله، مرض أو فقر أو حاجة أو نحو ذلك، لا تقل: كيف أنا مقبل على الله ثم يبتليني الله بهذا؟ لا، لا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل. أردت خيراً فصرفت عن هذا الخير، أردت سفراً صرفت عن هذا السفر، أردت زواجاً صرفت عن هذا الزواج، قل: قدر الله وما شاء فعل، ما قدر الله لذلك، قدرة الله لم تنلني، ولم يوفقني ربي إلى هذا، الحمد لله، قدر الله وما شاء فعل. فأنا عبده، وأنا خلق من خلقه، وهو الذي يعطي ويمنع، وهو الذي يشفي ويفعل في عباده ما يشاء، وتصبر وتحتسب، فلا يثنيك الابتلاء عن الحرص على العبادة والطاعة والقربة ونحو ذلك. فهذا كله من آثار هذه الأسماء، وتؤثر لا شك في قلب المؤمن. فنسأل الله بمنه وكرمه أن يفقهنا في الدين، وأن يوفقنا لكل خير، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.