الدرس في مختصر فقه الأسماء الحسنى 7، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح الشيخ عبد الرزاق العباد معاني الأسماء الثلاثة الواردة في خاتمة سورة الحشر، مبيناً أن الخالق يدل على التقدير، والبارئ على الإيجاد من العدم، والمصور على تشكيل الصورة التي شاءها الله. ويوضح أن ترتيب الأسماء في الآية يعكس مراحل الخلق الإلهي المتقن، مفصلاً الفرق بين خلق الله وخلق البشر.
يفصل المقطع في معنى اسم الله "المصور" ويربطه بتحريم تصوير ذوات الأرواح لمضاهاته خلق الله وكونه ذريعة للشرك، مستدلاً بأحاديث الوعيد الواردة في المصورين. ويؤكد أن التحريم يشمل الرسم والتصوير الفوتوغرافي، وأن الإيمان بهذا الاسم يقتضي اجتناب المحرمات وإفراد الله بالعبادة.
يعلن المتحدث عن انتهاء الجزء الحالي من الجلسة مع رفع أذان المؤذن إيذاناً بدخول وقت الصلاة. ثم يستعد الحضور لبدء درس الشيخ، مع التنويه إلى أن الترجمة مقدمة من نانسي قنقر.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد في كتابه "مختصر فقه الأسماء الحسنى": قال: الخالق، البارئ، المصور. جمع هذه الأسماء الثلاثة لأن الله عز وجل جمعها في آية واحدة، وهو قوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾. ولماذا جمعت هذه الأسماء في آية واحدة؟ لأن هذه الأسماء الثلاثة لها معانٍ تتعلق بالخلق. فالخالق في هذه الآية بالمعنى الثاني الذي أخذناه في اسم الخالق، وهو بمعنى التقدير، بمعنى التقدير. فقوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ﴾ يعني تقدير وجود المخلوقات. لماذا قلنا بهذا؟ لأنه جمع مع قوله: ﴿الْبَارِئُ﴾، والبارئ المراد به إيجاد هذا المخلوق الذي قدره الله عز وجل من العدم، فالإيجاد من العدم يسمى برءاً. فهذا معنى البارئ، وهو يتعلق بالخلق. فهمتم هذا الآن؟ فمعنى البارئ: إيجاد هذا المخلوق الذي قدره الله عز وجل من العدم. وأما المصور فله تعلق كذلك بالخلق، فبعد ما قدره وبعد ما أوجده من العدم جعل له صورة شاءها الله عز وجل، فخلق هذه الصورة بما شاءه الله، فهذا بمعنى اسم الله المصور، بمعنى اسم الله المصور. فإذا جمعت هذه الأسماء؛ لأنها كلها بمعنى الخالق إذا انفرد. فالخالق إذا انفرد، كما ذكرنا ذلك في الدرس الماضي، بمعنى إيجاد الشيء وإبداعه على غير مثال سابق، فيشمل هذا التقدير، وكذلك البرء، وكذلك التصوير. واضح؟ وإذا جمعت هذه الأسماء الثلاثة، فالمراد بالخالق: التقدير، تقدير الخلق. ثم البارئ: أي بريه، وهو إيجاده من العدم. ثم تصويره: وهو جعله بالصورة التي شاءها الله سبحانه وتعالى. فهمتم هذا الآن؟ فهذا هو معنى هذه الأسماء الثلاثة. فالإنسان، كما تقدم معنى: إن أضيف إليه الخلق فلا يأتي إلا بمعنى التقدير فقط. تقول: فلان خلق هذا البيت، بمعنى قدره، ليس بمعنى أوجده من العدم، إذ أن الحصى وما بني به هذا البيت، من الذي خلقه الله بمعنى أوجده من العدم؟ صح. فهذا في حق المخلوق: التقدير. لكن المخلوق قد يقدر ثم لا يوجد هذا المقدر الذي قدره. إنسان مثلاً خطط أن يبني بيتاً ثم لم يفعل، خطط وقدر أن مثلاً يقطع أو يصنع قربة ثم لم يفعل. ولذلك يقول الشاعر: وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ *** وَبَعْضُ النَّاسِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي ما معنى: "ولأنت تفري ما خلقت"؟ يعني تبري، بمعنى: تنفذ ما تقدره، تنفذ ما تقدره. واضح؟ "ولأنت تفري ما خلقت، وبعض الناس يخلق ثم لا يفري"، يعني يقدر ثم لا ينفذ ما يقدره. هذا في حق المخلوق. لكن في حق الخالق: التقدير، الخلق بمعنى التقدير، هذا إذا جمع مع اسمي البارئ والمصور، فهو يقدر ثم يوجد ما قدره، بمعنى البارئ، ثم يصوره بما شاء سبحانه وتعالى، كما قال عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ صَوَّرَكُمْ﴾، في الآية في سورة المؤمنون: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾. الآية الأخرى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾. في أي سورة؟ الأعراب. نعم: ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾. فالخلق هنا بمعنى التقدير والإيجاد من العدم، والتصوير: والتصوير بمعنى الصورة التي شاءها الله سبحانه وتعالى. هذا هو المعنى. قال الشيخ عبد الرزاق: وقد جمع الله هذه الأسماء الثلاثة في قوله سبحانه: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. أي: هو المنفرد بخلق جميع المخلوقات. هو الله الخالق، حصر الخلق سبحانه وتعالى به. قال: وبرأ بحكمته جميع البريات. وعرفنا ما معنى برأ: يعني أوجد ذلك الخلق من العدم. ولذلك قال العلماء: اسم الله البارئ لا يجوز أن يتصف به مخلوق. اسم الله البارئ لا يجوز أن يتصف به مخلوق. لأن هذه الأسماء: الخالق والمصور، يجوز أن تضاف إلى المخلوق، لكنها مقيدة، إضافة مقيدة لا مطلقة. وتقول مثلاً: فلان خلق البيت، بمعنى قدره، وصور مثلاً الشجرة، بمعنى جعل لها صورة، فهذا يجوز. لكن لا يجوز أن تقول: فلان برأ البيت، فإن برأ بمعنى أوجده من العدم، وهذا لا يجوز في حق المخلوق. فهمتم هذا الآن؟ فذكر العلماء أنه لا يجوز أن يوصف المخلوق بهذا الاسم أو يسمى به، ولو كان مقيداً، بخلاف اسم الخالق والمصور. قال: وبرأ بحكمته جميع البريات، وصور بإحكامه وحسن خلقه جميع الكائنات، فخلقها بمعنى قدرها، وأبدعها بمعنى أوجدها من العدم، وفطرها في الوقت المناسب لها، وقدر خلقها أحسن تقدير، وصنعها أتقن صنع، وهداها لمصالحها، وأعطى كل شيء خلقه اللائق به، كما قال الله عز وجل: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾، في سورة طه. نعم. قال: وصنعها أتقن صنع، وهداها لمصالحها، وأعطى كل شيء خلقه اللائق به، ثم هدى كل مخلوق لما هو وخلق له. كل هذا تدخل فيه كل هذه المعاني، تدخل في معنى هذه الأسماء. قال: فالخالق هو المقدر للأشياء على مقتضى حكمته. فالخالق هنا بمعنى ماذا؟ التقدير. والبارئ: الموجد لها بعد العدم، هذا معنى البارئ. قال: والمصور: أي المخلوقات والكائنات كيف شاء، أي بما أراد سبحانه وتعالى من صور لهذه المخلوقات. فهذا طويل، وهذا قصير، وهذا سميل، وهذا نحيف، وهذا أبيض، وهذا أسمر، وهذا أسود. هذه ما أراده الله عز وجل. قال: فالبارئ والمصور فيهما، كما قال ابن القيم، تفصيل لمعنى اسم الخالق. لأن الخالق إذا انفرد هذا الاسم فهو يشمل التقدير والإيجاد من العدم والتصوير، يشمل هذا كله، كما تقدم معنا في الدرس الماضي. فاسم البارئ والمصور، كما قال ابن القيم، وقال ذلك في "شفاء العليل": أن هذين الاسمين كالتفصيل لمعنى اسم الخالق، كالتفصيل لمعنى اسم الخالق. قال: فالله عز وجل إذا أراد خلق شيء قدره بعلمه وحكمته، ثم برأه، أي أوجده وفق ما قدر، في الصورة التي شاءها وأرادها سبحانه. قال: فانتظمت هذه الأسماء الثلاثة حسب ترتيبها في الآية، يعني مرتبة: أولاً يكون التقدير، ثم يكون ماذا؟ الإيجاد من العدم، ثم يكون التصوير. فهي في هذه الآية مرتبة على حسب ما يكون من الخلق. قال: فانتظمت هذه الأسماء الثلاثة حسب ترتيبها في الآية على الخلق: أولاً وهو تقدير وجود المخلوق، ثم بريه وهو إيجاده من العدم، ثم جعله بالصورة التي شاءها سبحانه. فهذا هو معنى الخالق، البارئ، المصور. ولذلك حرم ربنا سبحانه وتعالى على عباده تصوير ذوات الأرواح، لماذا؟ لأن فيها منازعة ومضاهاة لخلق الله عز وجل، لخلق الله سبحانه وتعالى. فهو المصور، وهذا المخلوق يضاهي الله عز وجل فيصور ذوات الأرواح. والعلة في هذا النهي هو لأن في ذلك مضاهاة لخلق الله، وفيه فتح لأبواب الشرك والضلال، فيكون هذا التصوير سبباً لعبادة هذا المصور، كما وقع لقوم نوح: صوروا هؤلاء الصالحين، فلما نسي العلم وذهب هؤلاء الذين صوروا ومثلوا هذه الصور، جاء جيل بعدهم فعبدوها من دون الله، فكان أول سبب للشرك هو ماذا؟ التصوير. فجاء في حديث عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الصحيح: «إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ الَّذِينَ يُضَاهِئُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ». هذا أشد الناس عذاباً يوم القيامة. وفي رواية: «يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ»، أي ما صورتم. فهذا من آثار هذا الاسم: من يؤمن باسم الله المصور لا يجوز له أن يضاهي الله عز وجل فيصور. والصحيح أن التصوير عام، سواء كان بالرسم باليد أو بالصورة الفوتوغرافية، فإن هذا من صنع الإنسان، وهذا التصوير كذلك يجعل الصورة ربما أفضل من صورة الإنسان الحقيقية، لما فيها من التلوين ولما فيها كذلك من التقنية ونحو ذلك. فالأسلم للإنسان أن يبتعد مطلقاً عن التصوير، سواء كان هذا التصوير فوتوغرافياً بالكاميرا أو كذلك بالرسم. فكل ذلك يدخل في معنى التصوير، والناس يسمون هذه صورة فوتوغرافية، يقول لك: انظر إلى صورة فلان، سماها صورة، سماها صورة، فهي صورة في اللغة وفي عرف الناس وكذلك في الشرع. وهكذا من آثار هذا الاسم: أن الله سبحانه وتعالى هو الذي أوجد هذه المخلوقات من العدم، فهو الذي يستحق العبادة. ولذلك نبه الحافظ ابن كثير على لطيفة في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمُ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾. يعني: إلى الله. قالوا: لماذا اختار هذا الاسم؟ لماذا ما قال: توبوا إلى ربكم، أو توبوا إلى مولاكم؟ قال: إلى بارئكم. قالوا: كأنه يقول لهم: هذا العجل الذي عبدتموه، هل أوجدكم من العدم حتى تعبدونه من دون الله؟ فإذا من الذي يستحق العبادة هو الذي أوجدكم من العدم، وهو الله سبحانه وتعالى، فتوبوا إلى بارئكم. هذه اللطيفة ذكرها ابن كثير عليه رحمة الله في تفسيره. فإذا هذه من آثار هذا الاسم: أن المؤمن أولاً يبتعد عن التصوير، لأن فيه مضاهاة لهذا الاسم، مضاهاة الله سبحانه وتعالى، فهو المصور. وثانياً: ليعلم أن ربه سبحانه وتعالى هو المستحق للعبادة، فهو الذي أوجده من العدم، كما قال الله عز وجل: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾. فالله عز وجل هو الذي أوجدك من العدم، فكيف بعد ذلك تعبد غيره؟ طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا. الله تعالى، يؤذن المؤذن، ثم نستعد إن شاء الله لدرس الشيخ. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر