الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 61، ألقاها
يشرح المقطع حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول إتمام الصفوف في الصلاة، حيث يروي سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك. الحديث يعتبر صحيحا وقد أخرجه النسائي في سننه.
يؤكد الحديث على أهمية إتمام الصفوف في الصلاة، حيث يشدد النبي صلى الله عليه وسلم على إتمام الصف الأول ثم الذي يليه. جاءت الأحاديث الكثيرة لتحث على ذلك وتوضح فضل الصف الأول.
نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن التأخر عن الصف الأول في الصلاة، وحذر من عواقبه في الدنيا والآخرة. التأخر عن الصف الأول قد يؤدي إلى التأخر في الجنة للصالحين.
يفسر المقطع حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم حول إتمام الصفوف في الصلاة، ويشير إلى أن إتمام الصف الأول ثم الذي يليه هو المتبع. يبين المقطع أن النبي أوصى بتكميل الصفوف من الأمام إلى الخلف.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا بقبول بن هاد الوادي رحمه الله: قال أبو داود رحمه الله: سليمان بن الأشعث السجستاني الإمام الحاكم، قال أبو داود: وحدثنا محمد بن سليمان الأنباري، وهو من أهل العراق، قال: حدثنا عبد الوهاب يعني ابن عطاء، عبد الوهاب ابن عطاء هو الخفاف، وهو من أعلم الناس بسعيد بن أبي عروبة، وهو بصري، قال: عن سعيد، وهو ابن أبي عروبة رحمه الله. سعيد -كما تقدم معنا- أنه من حفاظ البصرة، إلا أنه حصل له اختلاط لما كبر في سنة مئة وخمس وأربعين، اختلط، فمن سمع منه قبل الاختلاط فحديثه صحيح، ومن سمع منه بعد الاختلاط فحديثه لا يصح. وعبد الوهاب كان قد سمع كثيرا منه، ولهذا لما سئل الإمام أحمد عن رواية عبد الوهاب بن عطاء عن سعيد، قال: عبد الوهاب هو أعلم الناس بحديث سعيد. قال سعيد: عن قتادة، أن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتموا الصف المقدم، ثم الذي يليه، فما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر». قال: هذا حديث صحيح. وعبد الوهاب بن عطاء هو الخفاف. قال: والحديث أخرجه النسائي، قال: حدثنا إسماعيل بن مسعود، عن خالد، قال: حدثنا سعيد به. قال: وخالد هو ابن الحارث الهجيمي، يعني صاحب شعبة، وقال: وسعيد هو ابن أبي عروبة. فهذا الحديث «أتموا الصف المقدم، ثم الذي يليه، فما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر». فحديث الصفوف قد تقدم معنا قبل حديثين، تكلمنا على مسألة الصف، وهنا أراد مسألة الاهتمام بتتابع الصفوف وإتمامها، فلا ينشأ صف إلا بعد أن يتم الصف الذي قبله. فقال: «أتموا الصف المقدم»، ومعلوم أن أولا الصف الأول والصف المقدم فضله عظيم، حتى جاء في الصحيحين حديث «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول لأتوهما ولو حبوا»، أو قال: «ثم لم يجدوا إلا أن يقتروا عليه لأقترعوا عليه». أنا أجعله أقرع لفضل الصف الأول. وجاءت الأحاديث المتكاثرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأمر بإتمام الصفوف، جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود «أتموا الصفوف، أو قال: أتموا الصف الأول فالأول، وإياكم وهنشات الأسواق». وجاء أيضا كذلك من حديث أنس «أتموا الصف الأول وسووا صفوفكم». وأيضا كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على إتمام الصفوف، وجعل من يصلي وحده قال النبي صلى الله عليه وسلم -كما في حديث قبيصة- أنه قال له: «استقبل صلاتك، إنا نأتي بصلاة أخرى». لماذا؟ لأنه صلى وحده ولم يدخل مع الصف، صلى وحده ولم يدخل مع الصف. فالذي يصلي وحده مع جماعة فصلاته غير صحيحة، لكن إذا كان قد تم الصف، وصل وحده في صف، فإن كان لم يجد أحدا ولم يجد فرجة يدخل فيها، فحكم الشيخ الإسلام بن تيمية وجماعة من العلماء على أن صلاته صحيحة. ثم قال هنا: «ثم الذي يليه أتموا الصف المقدم، ثم الذي يليه، فما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر»، أنه يجعل النقص في الصف الآخر. وفيه أيضا في هذا الحديث الاهتمام بالصفوف الأولى وإتمامها. وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أتموا الصفوف، فلا يزال الناس يتأخرون عن الصف الأول حتى يؤخرهم الله». فلا يزال الناس يتأخرون حتى يؤخرهم الله. وقال العلماء: يؤخرهم الله، أي في الدنيا والآخرة، يؤخرهم في الجنة إن كان من أهل الجنة، ويؤخرهم كذلك، جعل لهم جزاء أنهم يتأخرون عن الصف الأول وعن الخير، أن تجدهم في الخير غير سباقين، دائما يتأخرون. وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم أيضا -كما في السنن-: «خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وأولها شرها». والمراد بالشر هنا شر نسبي، ليس معناه شر حقيقي، وإنما شر نسبي بالنسبة للخير الذي يكون في الصفوف الأولى. فلهذا لا ينبغي للمسلم أن يتأخر، دائما يتأخر عن الصلاة، ويتأخر كذلك في الصفوف، تجد بعض الناس مثلا يأتي يوم الجمعة أو في الجماعة، فما يجلس في الصف الأول، ولا يجلس في الصف الثاني، يجلس في الآخر، فإذا قامت الصلاة كان في الصف الآخر. وهذا خطأ، معنى هذا التأخير غير صحيح. وهذا أيضا قد يتعرض للعقوبة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم، لكن لو جاء مثلا ثم زُحم، جاء إلى الصفوف الأولى وزُحم حتى صار في الصف المؤخر، هذا لا بأس. أما أنه هو الذي يتعمد أن يكون في الصف الآخر، فهذا يؤثر عليه، وتكون عقوبة الله عز وجل على ذلك، أي على تأخيره هذا، تكون عقوبته يوم القيامة بالتأخير في الجنة، وكذلك تكون عقوبته في الدنيا أنه من آخر الناس في الخير وفي الصفوف وغيرها. ففسر هذا الحديث على عمومه، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «فما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر»، لا ينشأ صف حتى يكمل الذي قبله، لا يكمل صف حتى يكمل الذي قبله. وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أتموا الصف الأول فالأول». فهذا ما يستفاد من هذا الحديث، والله تعالى أعلم.