الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 77، ألقاها
يبدأ الشيخ مغفول الهادي الوادِي بذكر قصة عن أبي عوانة اليشكري عن الإمام أحمد، ويتطرق إلى أهمية مذاكرة العلم وإسناد الحديث عند السلف. يذكر سلسلة إسناد الحديث عن مسدد بن مسرهد عن أبي عوانة.
يشرح المقطع أن التوسل المشروع يكون بالأعمال الصالحة أو بدعاء الرجل الصالح، وليس بالرجل الصالح نفسه. يذكر مثالاً على ذلك توسل الصحابة بالنبي صلى الله عليه وسلم بدعائه.
يروي قصة ثلاثة أصحاب انطبقت عليهم الصخرة وتوسلوا إلى الله بأعمالهم الصالحة، مما أدى إلى فرج الله عنهم. يبين أهمية الصدق في الأزمات والتوسل بالعمل الصالح.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه بعد. قال شيخنا مغفول الهادي الوادِي رحمه الله تعالى: قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا يحيى بن حمد، وهو النرسي، ثقة، والرجال الشيخين، قال: حدثنا أبو عوانة، وهو الوضاح بن عبد الله اليشكري، وأبو عوانة بصري ثقة، وقد كان عبدا لبعض القرشيين ثم اعتق، رحمه الله، اعتق وهو عالم محدث، أنه اعتق وهو قد كان يعرف بالعلم والحفظ والحديث، وكان أيضا له حفظ شديد، حتى أنه مرة كان عنده عبد الرحمن بن مهدي، فحدث بحديث، فقال عبد الرحمن بن مهدي: هذا ليس من حديثك يا أبا عوانة. فقال: بلى هو من حديثي. فقال عبد الرحمن: هو ليس من حديثك. فقال: يا فلانة، هاتي الجزء الذي في الدرج الفلاني. فجاءت به، فنظر، فقال: صدقت يا أبا سعيد، هذا الحديث ليس من حديثه، لكن من أين جئت به؟ فقال له أبو سعيد ذلك العالم الحبر: لعلك ذكرته وأنت في شبابك، فرسخ في ذهنك. لأن أهل الحديث، تعالهم الله عز وجل، آية جعلهم الله عز وجل كذلك لحفظ دينه، فتجد الرجل منهم حافظا، إذا حفظ الشيء لا ينسى، إذا حفظ الشيء لا ينسى. كان سفيان الثوري يجعل في أذنه القطن إذا خرج إلى السوق أو كذا، فقيل له: لم ذلك؟ فقال: لعلي أسمع شيئا فلا يخرج من ذاكرتي، لأنه إذا سمع شيئا حفظه، ويحفظ غالبا من السماع. كان شعبة لعمش إذا جاء سفيان جلس معه وحدثه بحديث، فثم يقوم، ثم بعد ذلك يأتي أهل الحديث. ولأنه كان رحمه الله يحفظ في مرة واحدة، وهكذا كان غيره. كان أبو عوانة أيضا من حفاظ الحديث. فقال له الإمام عبد الرحمن بن مهدي، البصري: لعلك ذكرته وأنت في شبابك. ذكرته معناه في المذاكرة، مذاكرة العلم. والمذاكرة هذه كانت من حياة العلم، كان السلف رحمه الله دائما يذاكرون العلم: ماذا عندك في كذا؟ ماذا عندك في تكبيرة الإحرام؟ كم تحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسألة الفاتحة؟ كم تحفظ في كذا؟ كانوا يذاكرون عن الأبواب، ويداكرون أيضا عن الأسانيد، وعن المعاجم. بعضهم يذاكر عن المعاجم على الأسانيد، وبعضهم يذاكر على الأبواب، ومذاكرة الأبواب أفضل، لأنها تجمع بين حفظ الحديث وبين ذكر الأدلة وحفظها. ولهذا كان كثير من السلف يحرصون على ذلك، قد كان أبو زرعة يذاكر الإمام محمد بن إسماعيل في أبواب كثيرة، حتى قال مرة: ما أرى أن أبا عبد الله إلا يحفظ ألف ألف حديث. معنا: مليون حديث. فقيل له: كيف عرفت ذلك؟ فقال: ذاكرته على الأبواب. ذاكرته على الأبواب معنا: ذاكره على باب باب، وهو يحفظ في كل باب كذا وكذا من الأحاديث. قال: حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن أنس، وهذا إسناد بصري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن ثلاثة نفر فيما سلف من الناس انطلقوا يرتادون لأهلهم، على يبحثون رزقا لأهلهم، فأصابتهم السماء، فدخلوا غارا، فأخذتهم السماء» معنا: جاءهم مطر، لما جاء المطر، وكان لعلهم مطرا شديدا، فدخلوا مغارة، وجدوا غارا فدخلوا عليه. قال: فسقط عليهم حجر متجاف حتى ما يرون منه خصاصة. هذا الحجر جاء ووقع في فوهة الغار حتى أنهم ما كانوا يرون شيئا. فقال بعضهم لبعض: قد وقع الحجر وعفي الأثر، إنا أترك، انقطع، إنا الذي سيأتي سيبحث عنهم، سيجد آثارهم، ثم يأتي إلى مكان الحجر، فسيقطع عليه، وهو ما يدري أن هذا مكان غار قد دخلوا فيه، لأن الحجر جاءت وغطت فوهات الغار. قال: وعفي الأثر، ولا يعلم بمكانكم إلا الله، حتى لو بحثوا عنكم ما سيجدونه. قال: فادعوا الله بأوتقي أعمالكم. وجاء في حديث عبد الله بن عمر: بصالح أعمالكم. حديث عبد الله بن عمر في الصحيحين. قال: فقال رجل منهم: «اللهم إن كنت تعلم أنه قد كان لي والدان، فكنت أحلب لهما في إنائهما، فأتيهما، فإذا وجدتهما راقدين، قمت على رؤوسهما، كرهية أن أرد سنتهما في رؤوسهما» أنا: كرهية أن أرد سنتهما المراد بالسنة هنا: بداية النوم، كأنه يقول: قد نام حتى لا أوقظهما وهم في بداية نومهما، فلهذا قال: كرهية أن أرد سنتهما في رؤوسهما حتى يستيقظا، وما يستيقظا. وهذا من شدة البر، أنا لم أقف وهو: حتى يستيقظ، وهو معه. إن هذا اللبن الذي حلبه لهما. قال: «اللهم إن كنت تعلم أني إنما فعلت ذلك رجاء رحمتك ومخافة عذابك، ففرج عنا». فهذا الأول توسل ببره لوالديه. وهذا أيضا كما تعلمون فيه التوسل بالأعمال الصالحة، وهذا الذي ثبت. أما التوسل بالرجل الصالح بذاته فلم يثبت، لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يثبت عن الصحابة رضي الله عنهم. إنما توسلون بالعمل الصالح، أو بدعاء الرجل الصالح، بدعاء الرجل الصالح، وليس بالرجل نفسه. وأما قول عمر رضي الله عنه: «إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ بِنَبِيِّكَ صلى الله عليه وسلم وَآلِهِ وَعَلَيْهِ وَإِذْ كَانَ حَيًّا فَتُسْقِينَا وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّكَ»، فهذا ليس المراد أنه بشخصه. فلو كان بشخصه، لا توسلوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، بشخص النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من غيره من أن يتوسلوا بغيره، لأنه إذا كان بالشخص فلا فرق بين موته وحياته، إذا كان بالشخص نفسه فلا فرق بين موته وحياته. فتوسلهم بالنبي صلى الله عليه وسلم أفضل. لكن هنا أراد بدعائه، بدعاء النبي، لأنه دعا، دعا ثم قال عمر رضي الله عنه: وإن كان دعاء لم يأتي في رواية البخاري، لكن في رواية الزبير بن بكار، وهي رواية صحيحة، وكذلك في رواية موسى بن عقبة في السيرة، بينا أنه دعا. فقال عمر ذلك بعد دعائه: «إنا كنا نتوسل بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم فتسقنا». وأيضا كذلك حتى بالنبي صلى الله عليه وسلم ليس بشخصه، وإنما بدعائه عليه الصلاة والسلام. فكان يدعو عليه الصلاة والسلام إذا طلب الناس جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأرادوا أن يتوسلوا بدعائه فيدعو النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيمطرهم الله. كذلك فعل عمر، جعل العباس يدعو. كذلك فعل معاوية، جعل الأسود يدعو. فهذه كانت سنة السلف رحمه الله، أنهم يجعلون أحد الصالحين يدعو ويتوسلون بذلك الدعاء، وهو عمل صالح. وأما بالذوات فلم يثبت عن الصحابة أنهم كانوا يتوسلون بالذوات، بخلاف ما يحصل الآن، فتجد أكثر توسلهم بالذوات وبالجاه وبالحق، وهذه كلها لم يثبت فيها شيء عن السلف، بل قد يكون هذا من البدع كما صرح بعض العلماء بذلك. وغالبا تكون هذه وسائل من وسائل الشرك، ليست هي شركا كما يضمنها بعض المبتدعة، يقولون أن أهل السنة يقولون أنها شرك، ليست شركا، لكن هي وسيلة من وسائل الشرك، وسائل التعظيم. وغالبا بعد ذلك أولا توسل ثم بعد ذلك استغاثة، لأنهم لا يجدون فرقا أحيانا بين التوسل والاستغاثة. فيقولون مثلا: أننا إذا توسلنا بشخص النبي صلى الله عليه وسلم أو بشخص الرجل الصالح وهو في حياته، فهو أيضا حي في قبره، يأتون إلى قبره ويتوسلون به، بل يدعونه من دون الله جل وعلا. وأحيانا يقول: يا فلان ادع الله لنا أن يحصل كذا وكذا، وهو في قبره، ويظنون أنه يسمعهم ويجيبهم ويدعو الله كذلك، فهذا كله ضلال. قال: ففيه كما قلنا التوسل بالعمل الصالح. قال: «أن كنت تعلم أني إنما فعلت ذلك رجاء رحمتك ومخافة عذابك ففرج عنا». فزال بعض الحجر، ولم يمكنهم من الخروج. وقال الآخر: «اللهم إن كنت تعلم أني استأجرت أجيرا على عمل يعمله، فأتاني يطلب أجره، وأنا غضبان، فزبرته، أنا زجرته وأسكت فيه». قال: فانطلق فترك أجره ذلك. فجمعته وتنميته، أنا جعلت له إنتاجا. قال: فجمعته وتنميته حتى كان منه كل المال، وأنا من البقر والغنم والإبل. قال: فأتاني يطلب أجره، فدفعت إليه ذلك كله، أنا قال له: هذا مالك، وهو واد من الغنم ومن البقر والإبل. فقال له: أتستهزئ بي؟ قال له: هذا مالك. قالوا: لو شئت لم أعطيه إلا أجره الأول. قال: «اللهم إن كنت تعلم أني إنما فعلت ذلك رجاء رحمتك ومخافة عذابك ففرج عنا». قال: فزال ثلثا الحجر. وجاء في الحديث الذي في الصحيحين فلم يستطيعوا أن يخرجوا. قال: وقال ثالث: «اللهم أن كنت تعلم أنه أعجبته امرأة، فجعلت لها جعلاء»، أنا كانت ابنة عمه أو ابنة عمته، فكان يراودها عن نفسها فامتنعت، فألمت بها حاجة، ألمت بها حاجة، أرادت مالا. فجاءت وطلبت منه، لأنه ابن عمه، فقال: لا أعطيك حتى تمكنيني من نفسك، أنا لا أعطيك هذا المال، وهذا مقابل، فجعل لها جعلاء، وهو مهر البغي كما سماه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، معنى ما تعطى الزانية للزاني. فقال: فلما قدر عليها وقعت له نفسها وسلمت له جعلها. فلما قدر عليها وقعت له نفسها، أن عظم أمر هذا الشيء. وجاء في ذلك الحديث أن المرأة قالت له: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، أن اتق الله ولا تفعل هذا الأمر بالحرام، إن كنت أردت ذلك فهو بالحلال، لا تفض الخاتم إلا بحقه، وحقه هو العقد، العقد الشرعي. قال: فترك لها، فقام منها خائفا يرتعد وسلم لها أيضا المال، فجعل لها المال ولم يفعل بها شيئا. فقال: «اللهم إن كنت تعلم أني إنما فعلت ذلك رجاء رحمتك ومخافة عذابك ففرج عنا». وهذا الحديث جاء فيه هكذا. وجاء في حديث ذكره في سنن أبي داود عن رجل من بني إسرائيل، يقال له: على اسم نبي من أنبياء بني إسرائيل ممن ذكروا في القرآن. فالمهم أنه قال: كان يراود هذه المرأة ابنة عمه، وعطاها حتى أرادها نفسيا، فقالت له: لا تفض الخاتم إلا بحقه. فقام فزعا، فقام فزعا وتاب إلى الله جل وعلا. قال: هذا أيضا قام بامرأة عمه وتركها لله. فقال: «إن كنت تعلم أني فإنما فعلت ذلك رجاء رحمتك ومخافة عذابك فرّج عنا». قال: فزال الحجر وخرجوا. ومعاني قوله: ما شاء الله. وهذا يدل على أن الصدق ينفع في هذه الأزمات، يسر الله عز وجل، يسر الله عز وجل لهم بصدقهم وفرج عنهم. قال عبد الله: حدثنا أبو بكر، معنا: عبد الله وعبد الله بن إمام أحمد، قال: حدثنا أبو عوانة عن قتادة، قال عبد الله: عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فذكر نحوه. وقوله: قال عبد الله عن أنس، أي: ليس فيه هنا تصريح بالتحديث، وإنما بالعنعنة. قال: هذا حديث صحيح. وقد أخرجه الطبراني في الدعاء. فقال رحمه الله: حدثنا معاذ بن المثنى، وقد ذكرنا معاذ بن المثنى، هو ابن معاذ بن معاذ العنبري، رحمة الله عليهم، وهم حفاظ من حفاظ الحديث، أربعة في نسق واحد، حفاظا للحديث. قال: حدثنا مسدد، وهو ابن مسرهد، قال: حدثنا أبو عوانة به. طيب إن شاء الله نكتفي بهذا والله تعالى أعلم.