مختصر فقه الأسماء الحسنى  53

مختصر فقه الأسماء الحسنى 53

الدرس في مختصر فقه الأسماء الحسنى 53، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

معاني اسم الله المؤمن في مختصر فقه الأسماء الحسنى

يشرح المقطع اسم الله "المؤمن" الوارد في آية واحدة وسنة، مبيناً أن من معانيه: تصديق الله لنفسه بالتوحيد شهادةً عظيمة، وتصديقه رسله بالبينات والمعجزات، وتصديق قوله ووحيه بأنه حق لا ريب فيه، مستنداً إلى أقوال السلف ك مجاهد وقتادة.

تصديق الله لشهادة الموحدين وتأمين المؤمنين من العذاب

يشرح المقطع معنيين من معاني اسم الله "المؤمن": الأول تصديق الله عز وجل لعباده الشاهدين له بالتوحيد كما ورد في حديث الأغر عن أبي هريرة وأبي سعيد، والثاني تأمين الله للمؤمنين من عذابه وعقابه في الدنيا والآخرة مستدلاً بآيات الأمن والهداية.

تحقيق الأمن بالتوحيد والإيمان والطاعة ونبذ الشرك

يبيّن المقطع أن الأمن الحقيقي من الخوف لا يتحقق إلا بتوحيد الله والإيمان به ونبذ الشرك، مستدلاً بآيات قرآنية وحديث ابن مسعود الذي يفسر الظلم في قوله تعالى ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ بأنه الشرك. ويؤكد أن شكر النعمة والتقوى والطاعة هي أسباب نزول الأمن والأمان على الأفراد والمجتمعات، كما في مثل القرية الآمنة التي كفرت بالأنعم فأذاقها الله لباس الجوع والخوف.

معنى المؤمن: أمان الخلق من الظلم بشرط الطاعة

يوضح المقطع أن اسم الله "المؤمن" يدل على أنه يؤمن خلقه من الظلم، بشرط أن يطيعوه ويؤدوا ما أمرهم به سبحانه وتعالى.

  • 14 جمادى الأولى 1440هـ - 20/01/2019مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله محمدا كثيرا طيبا مباركا فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال الشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد حفظهما الله تعالى في كتابه "مختصر فقه الأسماء الحسنى"، اسم الله المؤمن: قال: وقد ورد اسم الله المؤمن في آية واحدة، هي قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. وجاء كذلك في السنة. قال: واسم الله المؤمن يدل على معاني عظيمة وأمور جليلة. وكما تقدم أن أهم شيء في أسماء الله الحسنى أن تعلم أولا دليل هذا الاسم، لأن أسماء الله توقيفية فلا تثبت إلا بدليل من الكتاب والسنة، من أحدهما. والشيء الثاني أيضا المهم في تعلم أسماء الله الحسنى معرفة معنى هذا الاسم، حتى تتعبد الله عز وجل بهذا الاسم وتعرف معناه، فيتواطأ اللسان مع القلب في معرفة هذا الاسم. فما معنى المؤمن؟ المؤمن جاءت في معاني عظيمة وأمور جليلة، يعني جاء أكثر من معنى، كل ذلك جاء عن السلف رحمهم الله كما سيأتي معنا. قال: فمن دلائل اسمه المؤمن شهادته سبحانه لنفسه بالتوحيد. وهذا المعنى يرجع إلى المعنى اللغوي للإيمان وهو التصديق. فالمؤمن بمعنى المصدق، المؤمن بمعنى المصدق. فمن تصديقه سبحانه وتعالى تصديقه على شهادته لنفسه بالتوحيد، قال: وهي أعظم شهادة، أعظم شهادة من الله عز وجل، من أعظم شاهد وهو الله سبحانه وتعالى، لأعظم مشهود به وهو التوحيد. فهذا معنى من معاني اسم الله المؤمن، وهذا المعنى جاء عن مجاهد. قال مجاهد رحمه الله: المؤمن الذي وحد نفسه بقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، فهو بمعنى تصديقه عز وجل على وحدانيته، وأنه وحده عز وجل مستحق للعبادة. ومنها - يعني من هذه المعاني التي ترجع إلى التصديق - المصدق الذي يصدق رسله وأنبياءه بالحجج والبينات. فما أن يرسل رسله إلا ويؤيدهم بالمعجزات، بالآيات، وكذلك نزول الوحي وما يلحق ذلك. فهذا من معاني اسمه المؤمن، فهو المصدق الذي يصدق رسله وأنبياءه بالحجج والبينات بأن ما قالوه وبلغوا عنه حق لا ريب فيه، وصدق لا مراء فيه. فهذا معنى كذلك من معاني المؤمن: أن الله عز وجل يصدق ما جاءت به الرسل وأتباع الرسل بالبينات، بالحجج، وأن ما قالوه حق. كما قال الله عز وجل: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾. وكما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾. ومن أصدق من الله حديثا؟ كل هذا فيه تصديق من ربنا سبحانه وتعالى لرسله وأنبيائه، وأن ما أنزلوا عليهم حق وصدق. فهذا معنى. قال: وهذا معنى قولي قتادة رحمه الله: المؤمن أمن لقوله أنه حق، يعني صدق قوله وحيه بأنه حق، بأنه من الحق سبحانه وتعالى. فهذا معنى آخر من معاني اسمه المؤمن. قال: ومنها - من هذه المعاني - تصديقه سبحانه للشاهدين له بالتوحيد، يعني أتباع الرسل، الرسل وأتباعهم. فالله عز وجل صدقهم، بمعنى تصديقه لهم. ومنها تصديقه سبحانه للشاهدين له بالتوحيد، والشهاد لهم بأن ما قالوه حق وصدق. وهذا في القرآن كثير كما تقدم. قالوا: من هذا المعنى ما رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه العلامة الألباني في "الصحيحة"، عن الأغر أبي مسلم أنه شهد على أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما، أنهما شهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا قال العبد: لا إله إلا الله والله أكبر، قال الله عز وجل: صدق عبدي، لا إله إلا أنا وأنا أكبر». وهذا فيه توحيد، لما يقول المؤمن العبد المؤمن: لا إله إلا الله، هذه كلمة التوحيد، لا إله إلا الله والله أكبر، يقول الله عز وجل: صدق عبدي. هذا معنى تصديق الله عز وجل للشاهدين له بالتوحيد. أنت تقول: لا إله إلا الله، الله عز وجل يقول: صدق عبدي. هذا معنى من معاني اسمه المؤمن. وإذا قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قال: صدق عبدي، لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي. وإذا قال: لا إله إلا الله له الملك وله الحمد، قال: صدق عبدي، لا إله إلا أنا لي الملك ولي الحمد. وإذا قال: لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال: صدق عبدي، لا إله إلا أنا ولا حول ولا قوة إلا بي. وهذا الحديث فيه فضل قول هذا الذكر، وأنه من الذكر المطلق. تقول: لا إله إلا الله والله أكبر، أو لا إله إلا الله وحده، أو لا إله إلا الله لا شريك له، أو لا إله إلا الله له الملك وله الحمد، أو لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله. كل هذا ذكر لله عز وجل، فإذا قال العبد ذلك قال ربنا: صدق عبدي. فهذا معنى من معاني اسم الله المؤمن: تصديقه للشاهدين له بالتوحيد. قال: ومنها - يعني من معاني اسمه المؤمن - وهذا معنى آخر غير التصديق. قال: ومنها أنه يؤمن عباده المؤمنين وأولياءه المتقين من عذابه وعقابه. هذا أيضا معنى من معاني اسمه المؤمن، بمعنى التأمين، أي بمعنى أنه يؤمن عباده، يعني يرفع عنهم العذاب والعقاب، فيطمئنهم ويؤمنهم من عذابه وعقابه. دليل ذلك: قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. لهم الأمن في الدنيا والآخرة، ومهتدون في الدنيا بما وفقهم الله عز وجل إليه من سلوك الصراط المستقيم. وكما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. هذا أيضا تأمين من الله عز وجل لعباده المؤمنين بأنه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. فهذا معنى أيضا من معاني اسمه المؤمن. قال: ومنها - يعني من هذه المعاني - تأمينه سبحانه الخائفين بإعطائهم الأمان، وهو ضد الإخافة. يؤمن سبحانه وتعالى الخائفين، كما قال سبحانه: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾. وآمنهم من خوف. قال: وهذا معنى قول ابن عباس رضي الله عنهما: المؤمن أي أمن خلقه من أن يظلمهم. أمن خلقه، فمن أتى بأسباب الأمان أمنه الله، أمنه الله. في الآية المتقدمة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. فذكر في هذه الآية أن من أسباب الأمن التوحيد ونبذ الشرك. لأن قوله: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾، المراد بالظلم هنا ماذا؟ الشرك. كما جاء في حديث عبد الله بن مسعود: لما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله، وأينا لا يظلم نفسه؟ فهم الصحابة أن المراد بالظلم هنا ماذا؟ ظلم العبد نفسه، يعني أن لا يخطئ العبد. وهذا أمر لا يمكن أن يكون من البشر أبدا، كل ابن آدم خطأ. فشق ذلك على الصحابة، وقالوا: وأينا لا يظلم نفسه؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ليس الذي تعنون، ليس الذي تعنون، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾». فسمى الشرك ظلمًا. وهنا الظلم بمعنى الشرك، بمعنى الشرك. فإذا من وحد الله وآمن به ونبذ الشرك أمنه الله، أمنه الله. وهكذا في الآية الأخرى: من كان خائفا فالله عز وجل يؤمنه، لكن إذا لجأ إليه وإذا أطاعه. لأن هذه الآية في سورة قريش، ماذا قال الله عز وجل: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾. إذن بعبادة الله واللجوء إليه. ماذا قال بعد هذه الآية؟ ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾. فإنما يكون بالعبادة والالتجاء إلى الله، ودعاء الله، وذكر الله، يسأل الأمان من الخوف. قال: فكل خائف يصدق في لجوئه إلى الله يجده سبحانه مؤمنا له من الخوف. فأمن العباد وأمن البلاد بيده سبحانه. الآن كثير من الجهات ومن الأفراد ينادون بتحقيق الأمن والأمان في المجتمعات، في القرى، في البلدان، في الدول، ونسوا أو تناسوا أن من أعظم أسباب الأمن والأمان هو الإيمان والتقوى والطاعة والتوحيد. كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾. فإذن الأمن والأمان بشكر نعمة الله عز وجل. متى ما شكر المسلمون ربهم وأطاعوه جازاهم بالأمن والأمان. وهكذا التوحيد، كما مرت معنا في الدرس الماضي، سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾. إذن متى يكون الأمن؟ ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾، بالتوحيد ونبذ الشرك، والإيمان والتقوى يكون الأمن والأمان والرغد في العيش. فهذا معنى من معاني اسمه المؤمن: الذي أمن خلقه من أن يظلمهم، متى ما أطاعوه، ومتى ما أدوا ما أمرهم به سبحانه وتعالى.