الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 51، ألقاها
يشرح المقطع مفهوم علو الله وتقسيم العلماء للعلو إلى ثلاثة أقسام مع الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة. يُبين أن علو الله يشمل علو الذات والقهر والقدر والشرف.
يتناول المقطع أدلة إثبات علو الله من الكتاب والسنة والإجماع والعقل، مع ذكر إجماع أئمة الإسلام واستدلال بالفطرة والعقل. يشير إلى كتب الإمام ابن قدامة والذهبي والألباني في هذا السياق.
يشرح المقطع طرق إثبات علو الله بالعقل والفطرة كما ذكرها ابن تيمية، ويناقش إنكار أهل البدع مثل الجهمية والمعتزلة والأشاعرة لعلو الله وتأويلاتهم الباطلة. يؤكد على أخذ كلام الله على ظاهره.
يثبت المقطع علو الله في الكتاب والسنة ويشرح أنواع علو الله وهي علو الذات والقهر والقدر والشرف. يشدد على أن القرآن نزل بلسان عربي مبين ولا يجوز تأويله على غير ظاهره.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وما بعد، فخذنا قول مؤلفنا، رحمه الله، إمامنا الطحاوي: «والعرش والكرسي حق، وهو مستغن عن العرش وما دونه، محيط بكل شيء وفوقه، وقد أعجز عن الإحاطة خلقه». في الدرس الذي مضى، إحاطة الله عز وجل بالأشياء، ثم ذكرنا الفوقية، وفوقية الله عز وجل. والفوقية هي من المسائل العظيمة التي قررها أهل السنة، وخالف فيها أهل البدع. فالفوقية هي العلو، والعلو كما قلنا، وفوقية دلت عليه دلالة الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، كلها دلت على العلو. وهذا علو الذات، وعلو القهر، وعلو القدر. قسّم العلماء العلو إلى ثلاثة أقسام، أو الفوقية إلى ثلاثة أقسام: فوقية الذات، وعلو القهر، وعلو القدر والشرف. وبعض من قسّمها لقسمين: علو الذات، وعلو الصفات، ويدخل فيه علو القدر والقهر. فأما علو القهر، فهو أن الله عز وجل بيده كل شيء، سبحانه وتعالى، فقهر العباد بسلطانه، سبحانه وتعالى. فالناس كلهم، والمخلوقات كلها بيده جل وعلا، يتصر فيها كيف يشاء. فلهذا لا محيد لهم عمّا أراده الله عز وجل بهم. فلهذا ربنا سبحانه وتعالى يجعل العقوبات على من خالف وكذب أنبياءه، كما قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿فكلًا أخذنا بذنبه﴾. فلهذا الله عز وجل قهر كل شيء بسلطانه سبحانه وتعالى، وبأمره جل وعلا. فلا يخرج شيء عن أمره وسلطانه سبحانه وتعالى. فهذا علو القهر، وعلو القدر. ومن ذلك أن الله عز وجل قهر العباد بالموت. وأما الثالث، وهو علو الذات، وهو الذي حصل فيه الخلاف بين أهل الإسلام. فأهل السنة قالوا بعلو الذات، ولا فرق بين علو الذات وعلو القهر والقدر. وقد دلت عليه الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع، والنظر أو العقل. وأيضًا كذلك الفطرة، كل ذلك دل على علو الله سبحانه وتعالى بذاته جل وعلا. فأما الكتاب، فقد جاءت فيه الآيات الكثيرة، وهي أنواع من الأدلة. منها ما هو صريح بلفظ العلو والفوقية، ومنها ما يدل عليه كألفاظ النزول والصعود، وأيضًا كذلك أنه في السماء، وغيرها من هذه الألفاظ. حتى قال الإمام المزني، صاحب الشافعي: «عندي خمسمائة حديث أو دليل على علو الله جل وعلا». وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: «أدلة العلو أكثر من ألف دليل». وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى أدلة كثيرة على العلو في كتابه «اجتماع الجيوش الإسلامية». وكذلك أيضًا ألف الأئمة في هذه المسألة، أي علو الذات. ألف الإمام ابن قدامة رحمه الله جزءًا في العلو، وكذلك ألف الإمام الذهبي كتابًا أكبر من كتاب ابن قدامة، سماه «كتاب العلو للعلي الغفار»، واختصره الشيخ الألباني رحمه الله عليه، وسماه «مختصر العلو». فهذه المسألة دلائلها كثيرة في الكتاب والسنة. وكذلك الإجماع، فقد ذكر الإجماع غير واحد من أئمة الإسلام. ذكره الإمام أحمد، وذكره كذلك الخلال، وأيضًا الإمام الدارقطني والبيهقي والشافعي. بل ذكره الإمام الأوزاعي، قال: «كنا والتابعون متوافرون نؤمن بأن الله عز وجل مستو على عرشه، ونؤمن بجميع الصفات». فالإجماع ثابت بأن أهل السنة أثبتوا علو الله جل وعلا. وأما العقل أو الفطرة، فإن الفطرة دلت عليها بأشياء كثيرة. ومن ذلك ما يذكره أهل العلم من قصة الأستاذ أبي محمد الجويني، لما كان يخطب وكان يذكر العرش وكذا، فقال له الهمداني: «يا أستاذ، دعنا من هذا الذي تذكره، وأعطنا ما نجده من فطرة في قلوبنا». ما من عبد يدعو الله عز وجل إلا ويجد رغبة إلى السماء. فما استطاع أن يجيب عليه الجويني، ونزل من المنبر وقال: «حيّرني الهمداني». لأن هذا شيء في القلب، في الفطرة، ما يستطيعون أن يدفعوه. ما من إنسان إلا وإذا دعا، معنى يجد بفطرته أن قلبه معلق إلى السماء. وأما العقل، فقد ذكر له أئمة الأشياء كثيرة. ومنها ما ذكره الإمام أحمد، أو في الرسالة في الرد على الجهمية، ينسبها بعضهم للإمام، وبعضهم ينسبها إلى ابنه. لكن الإمام عبد الله بن أحمد له كتاب سماه «السنة والرد على الجهمية»، فهو له كتاب في ذلك. فهذا الكتاب ذكر فيه إثبات العلو بالعقل. فقال: إما أن يقال: إن الله عز وجل خلق هذه المخلوقات، ثم إنه حل فيها، أو أنه خارج عنها. فإن قالوا: حل فيها، فهذا باطل. لأن الله عز وجل قد نزه نفسه عن مثل هذه الأشياء، وعن القبائح. فقولك: «سبحانك اللهم»، و«سبحان الله»، أي: تنزيه سبحانه وتعالى عن القبائح. فإذا قالوا: إنه في المخلوقات، فهذا باطل. فلابد أن يقول: إنه خارج المخلوقات. وأيضًا كذلك إذا قالوا: إنه خارج المخلوقات، هل أنه بعد ذلك حل في المخلوقات؟ فهذا أيضًا باطل. فهذا باطل. وإنما كان سبحانه وتعالى منفصلًا عن هذه المخلوقات، فأعظم ما يكون فيه هو في العلو. فلهذا بهذه الطريقة، وبطريقة العقل، يثبت العلو لله سبحانه وتعالى. وغيرها من الطرق التي ذكرها العلماء. وقد دلل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في رسالته التسعينية، التي رد فيها على الأشاعرة، ذكر أيضًا طرقًا كثيرة في إثبات العلو بالعقل، وكذلك أيضًا الفطرة والعقل وغيرها، كلها تدل على علو الله سبحانه وتعالى على خلقه. فهذا علو الذات. وأما أهل البدع، فمنهم من قال: إن هذا لا يوجد، أو أنه ليس أن الله عز وجل في العلو. فالجهمية، أو بعض المعتزلة، قالوا: إنه في كل مكان. أن الله عز وجل في كل مكان. فهذا قول خبيث، وقول أيضًا فاحش. ولهذا أنكره السلف. وهناك قول لبعض المعتزلة، وهو أيضًا لبعض الأشاعرة، يقولون: إن الله عز وجل ليس له مكان، ليس له مكان. ويأتون بمثل هذا الذي يأتون به: أن الله عز وجل لا داخل العالم ولا خارج، ولا مفصل ولا منفصل، وغيره مما يأتون به. فهذا باطل أيضًا. لأنهم إنما كما قال بعض السلف: «إنما يدور الجهمية على أن يقول: إن الله ليس في العلو، أو قال: في السماء». يريدون أن ينكروا علو الله جل وعلا. فحيانًا يقولون: إنه في كل مكان، وحيانًا يقولون: إنه ليس له مكان. هؤلاء الأشاعرة. فهذا كله باطل. لأن قول الأشاعرة يقضي بالعدل، لأنه الشيء الذي ليس له مكان، أو الذي لا يعرف له شيء، فهذا معنى عدم وجود. ولهذا قال بعض الملحدين لما تناظر بعض العلماء، وهو الشيخ الإسلام ابن تيمية، مع بعض الملحدين على شعره، فقال: «هؤلاء قد ضيعوا ربهم». قال: «هؤلاء ضيعوا ربهم، فما يدرون أين الله عز وجل». والله عز وجل قد ذكر في آيات كثيرة أنه في علوه سبحانه وتعالى، مستو على عرشه. وهؤلاء ما يريدون مثل هذا. سعى ينكرون الاستواء، وحيانًا ينكرون العلو نفسه، وحيانًا أيضًا ينكرون كل ما يدل على هذا، ويتأولون قرابة ألف دليل، يتأولونه. فلو كان مثل هذا ألف دليل من الكتاب والسنة، كلها مؤولة، فمعنى ذلك أن الله عز وجل يذكر أشياء وهو يريد خلافها. يذكر أشياء وهو يريد خلافها. وهذا باطل، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. بل إن الله عز وجل تعبدنا بلسان عربي مبين. فما ذكره ربنا سبحانه وتعالى في القرآن، إنما أراده جل وعلا، وأيضًا أراد ظاهره. ومثل ما ذكر سبحانه وتعالى، فإن كان أراد شيئًا آخر، فقد يذكره مع السياق، معنى يدل عليه السياق، أو أنه يذكر في مكان آخر، ويذكر أنه يريد هذا. وليس أما إذا ذكر شيئًا، فالواجب أننا نأخذ كلام الله عز وجل على ظاهره. لأنه كما ذكر ربنا سبحانه وتعالى: قرآنًا عربيا، وأنزله أيضًا بلسان عربي مبين واضح. فلا يجوز لأحد أن يتأول القرآن على غير تأويله، وعلى غير ظاهره. فخلاصة الأمر أن علو الله عز وجل ثابت في الكتاب والسنة، علو ذات، وعلو قهر، وعلو قدر وشرف لله سبحانه وتعالى، تعالت عظمته جل وعلا. فنكتفي بهذا. والله تعالى أعلم.