التعليق على العقيدة الطحاوية 19

الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 19، ألقاها

مفهوم إمام الأتقياء والرد على غلاة المتصوفة

يشرح معنى إمام الأتقياء ويرد على غلاة المتصوفة الذين يعتقدون بوجود من يخرج عن شريعة رسول الله. كل تقي إمامه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

مراتب التقوى في القرآن الكريم

يشرح مراتب التقوى الثلاث في القرآن، بدءًا من ترك الشرك وأخذ التوحيد، ثم فعل الواجبات وترك المحرمات، ويبين أن كلتا المرتين تعتبر تقوى لله عز وجل.

تفصيل مراتب التقوى الثلاث وأعلى درجاتها

يفصل مراتب التقوى الثلاث: فعل الواجبات وترك المحرمات، الاجتهاد في المستحبات وترك المكروهات، وأعلى المراتب حيث يبتعد الإنسان عن الشبهات خشية الوقوع في الحرام.

معنى الزهد والورع وعلاقتهما بتقوى الله

يفسر معنى الزهد والورع، حيث يترك الإنسان ما لا بأس به حتى لا يقع في الحرام، ويتجنب الحلال المشتبه خشية الوقوع في الحرام.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فأخذنا في الدرس الذي مضى الكلام على علامات النبوة، وسيأتي أيضًا إن شاء الله تعالى زيادة في مثل هذه المسائل عند ذكر خوارق العادات. قال أيضًا: ذكرنا ما ذكر المؤلف، قال: «وأن محمدًا العبد المختار ونبيه المجتبى ورسوله المرتضى، وأنه خاتم الأنبياء، عليه الصلاة والسلام». ثم قال رحمه الله: «وإمام الأتقياء وسيد المرسلين وحبيب رب العالمين». فأما إمام الأتقياء، فهو لا شك إمامهم ومقدمهم، عليه الصلاة والسلام. وقول المؤلف هنا «إمام الأتقياء» أي أن أهل التقوى إمامهم هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وفي هذا رد على بعض المتصوفة أو غلاة المتصوفة الذين يقولون بأن هناك من الأولياء والأتقياء من يخرج عن الشريعة، من يخرج عن الشريعة، وهذا كفر بإجماع العلماء، كما قال الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «من اعتقد أن أحدًا يخرج عن شريعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مثل ما خرج الخضر في شريعة موسى، فقد كفر بإجماع العلماء». وذكر ذلك صاحب الإقناع عن الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ لأن هذا افتراء على الشرع، وأيضًا فيه تحليل الحرام وتحريم الحلال؛ لأنه إذا قيل إنه خرج عن شريعة رسول الله، فمعنى ذلك أن له شريعة أخرى. ولهذا فهم يقولون: «أنتم دينكم ميت عن ميت، ونحن ديننا حي عن الحي القيوم»، على مباشرة معنى يذهبون إلى ولي من أوليائهم، يقولون: «هذا يأتي بالوحي من الله أو أنه يتلقى من الله ويكلم الله». وهؤلاء كانوا يقولون هكذا غلاة الصوفية أهل الطرق، فكانت الطريقة الرفاعية أو القادرية أو عندنا حتى عندنا هنا العلويون، الطريقة العلوية في حضرموت أيضًا مثلها، كانوا ناس يعتقدون ذلك، بل كان بعض أئمتهم يقول ذلك، وأيضًا يحل لنفسه أشياء لم تحل لأحد، فلهذا فهذا كفر بشريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلهذا قال: «وإمام الأتقياء»، فكل تقي فإمامه رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال الله عز وجل: «ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون». فالولي لا يكون أبدًا بدون تقوى، والتقي أيضًا لا بد أن يكون متبعًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وأيضًا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا أتقاكم لله وأخشاكم له، أنا أتقاكم لله وأخشاكم له». والتقوى جاءت في القرآن على ثلاث مراتب، التقوى جاءت في القرآن على ثلاث مراتب. أنا خاطب الله عز وجل أهل التقوى خاطبهم على ثلاث مراتب. المرتبة الأولى هم الذين أخذوا بالتوحيد وتركوا الشرك، أخذوا بالتوحيد أو الأمر، أمرهم بتقوى الله عز وجل أو كانوا من المتقين، لكن تركوا الشرك وأخذوا بالتوحيد، توحيد الله جل وعلا، وعندهم قد يكون كبار وعندهم كذا. وهؤلاء الذين دعاهم الله عز وجل، معنى الذي أراد منهم سبحانه وتعالى في قول جل وعلا: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم﴾، معنى إذا خاطب الله عز وجل بقول «يا أيها الناس» فمعنى أنه أراد منهم التقوى هذه التي هي ترك الشرك. ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلت الساعة شيء عظيم﴾، ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يومًا لا يجزي والد عن ولده﴾، فيخاطبهم بـ«الناس». وبعض العلماء يقول: إنما مخاطبة الله عز وجل في القرآن بـ«الناس» هذا كان في مكة، لما كان في المدينة يقول: «يا أيها الذين آمنوا». لكن هذا يحتاج إلى دليل أوضح. لكن قال بعض العلماء: إنما يقول «الناس» إذا أراد دخول الإسلام العام، إذا أراد دخول الإسلام العام، أي من تمسك بالإسلام العام. والمرتبة الثانية من فعل الواجب وترك المحرم، اجتهد ففعل الواجبات وترك المحرمات، فهذا أيضًا متقٍ لله جل وعلا، فهو حقق التقوى، أنه امتثل أوامر الله واجتنب نواهيه، وإن كان مثلًا لا يكمل الإنسان في هذا، لكن على العموم هو ممتثل لأوامر الله عز وجل، قد يحصل النقص والتقصير في الواجبات، كذلك أيضًا يجتنب نواهي الله عز وجل، لكن قد يقع، لكن يستغفر ويتوب، فهذا متقٍ لله جل وعلا، وهي الدرجة الثانية. والدرجة الثالثة وهي فوق هذا، أي يفعل الواجبات ويترك المحرمات، أيضًا كذلك يفعل المستحبات ويحاول جهدًا ترك المكروهات، فهذا هو أعلى رتبة في التقوى، أعلى رتبة في التقوى، وهو أنه يحرص على أن يأتي بالواجبات والمستحبات، ويترك المحرمات، وكذلك يجتهد في ترك المكروهات، ويترك ما لا بأس مما لا يكون فيه بأس، أن يترك كثيرًا من الحلال حتى لا يقع في الحرام، أن يترك كثيرًا من الحلال حتى لا يقع في الحرام. وهذا مثل ما جاء في حديث النعمان بن بشير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الحلال بين وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، فمن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام»، أي من أكثر من الوقوع في الشبهات فإنه سيقع في الحرام لا محالة. فضرب النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك مثلًا بالحِمى، عندما يحمي الإنسان حِمى مزرعة، وكذا فيأتي الراعي ويرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه، أن يقع، تقع فيه الأغنام وتأكل منه. فالإنسان يجتهد في طاعة الله جل وعلا، ولا يقرب إلى الشبهات، ويحاول يبتعد عن الشبهات حتى لا يقع في الحرام، فهذه أعلى مراتب التقوى. وهذه المراتب كلها ذكرها ربنا جل وعلا في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفيناهم من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله﴾، فمنهم ظالم لنفسه وهو المرتبة الأولى، أن المرتبة الأولى وهي الإسلام والآخر بالتوحيد، لكنه مقصر جدًا في الواجبات، وكذلك في فعل المحرمات. فقال الله عز وجل: ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفيناهم من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد﴾ وهو المرتبة الثانية، الذي أخذ بالواجبات وترك المحرمات، ﴿ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله﴾ وهذه هي المرتبة الثالثة، سابق بالخيرات بإذن الله، فهؤلاء هم أعلى درجة في التقوى، الذين فعلوا الواجبات والمستحبات، وكذلك أيضًا تركوا المحرمات، واجتهدوا أيضًا في ترك المكروهات، بل أنهم اجتهدوا في ترك كثير من المباحات خشية أن يقعوا في الحرام. كما فسر بعضهم الزهد والورع، وما جاء عن سفيان الثوري وعبد الله بن المبارك وغيرهم أنهم قالوا: «الزهد ترك ما لا بأس به مما لا بأس فيه»، أو قالوا: «هو ترك ما لا بأس فيه حتى لا يقع فيما فيه بأس»، ترك ما لا بأس فيه حتى لا يقع ما يكون فيه بأس، معنى ترك الحلال الذي يكون فيه شيء من الاشتباه حتى لا يقع في الحرام، أو لا يتوسع في الحلال حتى لا يقع بعد ذلك في الحرام؛ لأن التوسع في الحلال أحيانًا يصرفك أو يسوقك إلى الحرام. فهذا معنى قول المؤلف هنا رحمه الله: «وإمام الأتقياء». وقال: «وسيد المرسلين»، وهذا إن شاء الله تعالى نتركه في درس لاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.

شاركنا على