الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 115، ألقاها
موسى بن إسماعيل التبوذكي كان حافظا ثبتا من أصحاب حماد بن سلمة، وروى عنه أحاديث صحيحة. كان يحيى بن معين يثق به كثيرا لضبطه وعدالته.
أثنى المهاجرون والنبي صلى الله عليه وسلم على الأنصار لما قدموه من مساعدة ومؤاساة، وأشار النبي إلى محبته لهم وشهادته لهم بقضاء ما عليهم. يُثني الله تعالى عليهم لما قدموه من تضحيات وبذل.
حب الأنصار من علامات الإيمان وبغضهم من علامات النفاق، كما أن الدعاء للآخرين الذين يقدمون معروفًا يُكافئهم ويجلب الخير للمُدعي. كان يدعو لكثير من الناس لفضلهم على المسلمين وتطبيقا لسنة النبي.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا محمد بن حاج الواد رحمه الله: قال أبو داود رحمه الله، وهو سليمان بن الأشعث السجستاني: حدثنا موسى بن إسماعيل، وهو أبو سلمة التبوذكي المنقري البصري. موسى بن إسماعيل ليس تبوذكيا، لكن أطلق عليه تبوذكي؛ قيل: لأنه بنى بيتا في تبوذك، وهي منطقة في البصرة، وقيل: إن أهل تبوذك نزلوا عليه، فظن بعض الناس أنه تبوذكي. ولهذا كان يقول: لا سامح الله من قال: إنني تبوذكي، تبوذكي. لكن اشتهر بذلك، فلهذا الحديث يطلقون عليه التبوذكي، وإنما هو منقري بصري من أهل المنقرة. وعلى المنقرة هذه أيضا منطقة في البصرة. وكان موسى بن إسماعيل من الحفاظ الأثبات الثقات. ولهذا كان يحيى بن معين يقول: ما جئت أحدا إلا هابني إلا موسى بن إسماعيل، ويريد أنه لثقته ولحفظه أنه لا يهاب؛ لأنه متأكد من حفظه. قال: حتى إن مرة رأيت حديثا مكتوبا على غلافه، وليس مكتوبا في جزئه، يرويه عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، وهو حديث الغار. كان أبو بكر مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار، فقال له يحيى بن معين: أقول لك شيئا، ولكن لا تغضب. قال: قل. قال: إني رأيت حديث حماد أن ثابتا عن أنس عن أبي بكر حديث الغار، رأيت فوق الغلاف أو فوق الكتاب، وليس داخله. وقد رواه -أقصد- ليس عن حماد عن همام، عن همام، عن قتادة، عن أنس. قالوا: قد رواه غير واحد، عفان وغيرهم، عن همام، عن قتادة، عن أنس. أي يريد أنك -الظاهر- أنك لم تسمع هذا الحديث من همام، فلهذا وضعته هنا. قال: فحلف أبو موسى -أو أبو سلمة- أنه سمعه من همام، وغضب غضبا شديدا، حتى قال لي: يا والله لا أكلمك أبدا. وهذا معنى: قال له: إن كنت تكذبني، فلماذا تأخذ عني؟ وإن كنت تصدقني، فلماذا تكذبني في هذا؟! أنا إذا كنت أنت تكذبني؛ لأجل هذا الحديث، لا تأخذ عني شيئا من الحديث، اترك حديثي واذهب. وإذا كنت تصدقني، لكن لماذا كذبت هذا الحديث؟! وإنما يحيى رحمه الله -رعاه- ليس في مكانه، فلعله شك في ذلك، وأراد أن يسأله. والمهم أن موسى بن إسماعيل كان رجلا مهابا، وأيضا حافظا ثبتا من أصحاب حماد بن سلمة. إذا رأيت أبا سلمة -أو موسى بن إسماعيل- عن حماد، فهو ابن سلمة؛ لأنه لم يرو عن حماد بن الزيد إلا حديثا واحدا. لم يرو عن حماد بن الزيد إلا حديثا واحدا، فهو ممن اختص في حماد بن سلمة. وكذلك روى عن هشام بن عروة حديثا واحدا، مع أنه في البصرة. قال: أخبرنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، قال: إن المهاجرين قالوا: يا رسول الله، ذهبت الأنصار بالأجر كله. قال: «لا، ما دعوتم الله لهم، وأثنيتم عليهم». قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. وهذا الحديث صحيح، قد رواه هنا، أو تفرد به حماد، عن ثابت، عن أنس. وأكثر من روى هذا الحديث رواه عن حميد، عن أنس. وحماد يعتبر من رواة حميد، لكن العجيب أنه لم يرو هذا الحديث إلا عن ثابت، عن أنس. إما أن يكون أخطأ حماد، فظن أن هذا الحديث عن ثابت، أو أن أحد النساخ الذين نسخوا هذا، أو عندما نقل حماد ما كان في أجزاء لمصنفاته، أخطأ في النقل، فقال: عن ثابت. وإلا لم يروه أحد عن ثابت، وإنما رواه الناس عن حميد. لكن الحديث له شواهد تدل عليه. لكن هنا هذا الحديث اختصر، قد يكون هذا الاختصار من حماد بن سلمة؛ اختصر الحديث. فقد رواه جماعة -حميد بن أبي عدي، وهمام وغيرهم- رواه عن حميد، عن أنس، أنه قال: جاء المهاجرون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، وقالوا: يا رسول الله، ما رأينا مثل قوم كالأنصار. انظر إلى هذا العظيم الذي شهد به المهاجرون للأنصار. قال: «ما رأينا مثل قوم مثل الأنصار، واسونا بالقليل، وأعطونا بالكثير، أو بذلوا بالكثير». معنى: من كان عنده كثير ما البذل، ومن كان عنده قليل، واسع. واسع: معنى أعطى قليلا؛ لأجل المواساة. قال: «وأشركونا في أموالهم، وكفونا المؤنة». أنا -بدل ما- النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يكفونكم المؤنة للأنصار، قاموا هم -الأنصار- كفوا المهاجرين المؤنة؛ أنهم قاموا وعملوا مثل ما عملوا. أن شاركوهم في الثمرة، جعلوهم يشاركونهم في الثمرة -أي في غلة الثمرة- أنهم يقسمونها بينهم، وشاركوهم في العمل. وشاركوهم في العمل والأموال، إنما هي للأنصار، ليس للمهاجرين شيء. وهذه من أعظم المؤاساة التي حصلت في الدنيا. ولهذا أثنى الله عز وجل عليهم، فقالوا: الأنصار ما رأينا مثل هؤلاء. قال المهاجر: ما رأينا مثلهم، من كان كثيرا أو يبذلون بالكثير، ويواسون في القليل. وما قالوا: ولعلهم ذهبوا بالأجر كله؛ هذا الأجر كله له بهذه المؤاساة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا، ما دعوتم الله لهم، وأثنيتم عليهم». أنا إذا أردتم أن تتحصلوا مثلهم، ادعوا الله عز وجل لهم، واثنوا عليهم خيرا. وهذا الحديث كما قلنا: فيه فضل الأنصار، وفضائل الأنصار كثيرة جدا. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يحبهم جدا، حتى جاء في الصحيحين: لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم جوار الأنصار، وبعض خدمهم، فقال عليه الصلاة والسلام: «أما هؤلاء الأنصار فقد قضوا ما عليهم». هذه شهادة أيضا من النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام -كما جاء في الحديث الصحيح في الصحيحين- قال: «أما هؤلاء الأنصار فقد قضوا ما عليهم، وإني أشهد الله، وإني أشهد الله أني أحبهم». هذه شهادة من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال عليه الصلاة والسلام -كما في الصحيحين-: «الأنصار كرشي وعيبتي». أن أخص الناس بهم الأنصار. وقال أيضا: وكان الأنصار يحبون النبي صلى الله عليه وسلم حبا شديدا، حتى قال أنس رضي الله عنه -كما جاء في صحيح مسلم-: سافرت مع جرير بن عبد الله البجلي، فكان يخدمني، وهو أكبر مني. فقلت: لا تفعل. قال: والله عهدت الله عز وجل -فيما رأيته من الأنصار في خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم- أن لا أصحب أحدا منهم إلا خدمته. يعني: لما رأى خدمة الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم، وبذلهم وعطائهم للإسلام، قال: ما أخذ على نفسه عهدا أنه ما يصحب أحدا من الأنصار إلا خدمه. وهو جرير بن عبد الله البجلي، إمام وسيد أهل بجيلة في اليمن، رضي الله عنه. فلهذا فالأنصار رضي الله عنهم ضربوا مثلا عظيما في البذل والمؤاساة، وكذلك محبة الإسلام وأهله. لهذا سماهم الله عز وجل أنصارا. وقال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾. وهذا شهادة من رب العالمين سبحانه وتعالى، عالم القلوب جل وعلا، شهد لهؤلاء الأنصار بهذه الكرامة العظيمة، وهذه الشهادة العظيمة: ﴿يُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾. ولأنهم كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾؛ لأنهم تركوا الشح من قلوبهم، وهو الأنانية والطمع والحرص. فلما تركوا ذلك، صارت قلوبهم صافية في البذل والعطاء، وهم يعاملون الله عز وجل. فلهذا فهم أكثر الناس توكلا على الله، فكانوا يعطون الكثير والقليل، ومن كان معه الكثير، ومن معه القليل. حتى إنه إن الرجل به خصاصة، به حاجة، لكن يقدم غيره على نفسه. وهذا قمة البذل والعطاء الذي حصل من هؤلاء الأنصار رضي الله عنهم. ولهذا جاء في حديث أنس: «لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق». وقال: «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار». وغيرها من الأحاديث التي جاءت في ذلك. وأيضا في هذا الحديث فيه أيضا فائدة عظيمة، وهو أن الإنسان إذا أعطى، وإذا بذل له، فدعى لهذا الباذل وهذا المعطي، فإنه يتحصل على مثل أجره. تحصل على مثل أجره. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: «من صنع لكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له، حتى تظنوا أنكم قد كافأتموه». فادعوا له؛ فالدعاء له يعتبر مكافأة. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو لأصحابه، ومن جاء بالصدقة دعا له. وإن كانت ليست صدقة له عليه الصلاة والسلام، لكن للمسلمين، لكن يدعو لهم بنية العلم. فكان يقول -كما جاء في حديث عبد الله بن أبي أوفى-: «كان أبي يأتي بالصدقة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم صل على آل أبي أوفى». أي: هذا دعاء. صل عليهم: أي أعطهم خيرا، وأثن عليهم بالخير. وأيضا كذلك هذا الحديث فيه فضيلة الدعاء بالغيب للأخ المسلم، خاصة الذي صنع الإنسان معروفا، يدعو له بالغيب، ويثني عليه. جزاه الله خيرا، غفر الله له، وغيرها من هذا الدعاء. يدعو له في ظهر الغيب، فإنه كما جاء في الحديث الذي في السنن يقول: «ملك بهذا، ولك مثله». يقول: «ولك مثله». أي: كان أنت معنا مثلا، هو بذل شيئا، فيدعو له في ظهر الغيب، فيجعل الله عز وجل ملكا يقول: «ولك مثله». وهذه منزلة -أو هذه- كرامة عظيمة، وجائزة عظيمة من الله سبحانه وتعالى. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: لما قال المهاجرون: «يا رسول الله، ذهبت الأنصار بالأجر». قال: «لا، ما دعوتم الله لهم، وأثنيتم عليهم خيرا». وجاء: «وأثنيتم عليهم». فلهذا فإذا دعوا، دعوا هذا الذي أعطى، والذي أيضا وجد الخير من صاحبه، ومن أخيه، فإنه يدعو له في ظهر الغيب. ولهذا كان الإمام أحمد رحمه الله كان يدعو لكثير من مشايخه، ومن رآه فيهم الصلاح، كان كثيرا ما يدعو رحمه الله. وهذا تطبيق لهذه السنة، فقال من ذلك: أنه كان يدعو للشافعي، فقال عبد الله بن أحمد لأبيه: يا أبت، إني أراك تدعو كثيرا للشافعي. فقال: يا بني، الشافعي رحمه الله كالعافية للأبدان، وكالشمس للدنيا. معنى: أنه رجل استفاد الناس منه كثيرا. فلهذا كان الإمام أحمد يدعو له. وقد كان أيضا يدعو لكثير من الناس رحمه الله، من باب هذا الأمر، من باب أنهم لهم فضل على المسلمين، ولهم فضل عليه. فكان يدعو لهم رحمه الله، تطبيقا لهذه السنة العظيمة. فهذا ما يذكر في هذا المقام، فنكتفي به، والله تعالى أعلم.