الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 117، ألقاها
شرح حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم 'جعلت لي كل أرض طيبة مسجدًا وطهورًا' مع بيان سند الحديث ورواته وأهميته. كما تمت مقارنته بحديث آخر مشابه.
الأصل في الأرض الطهارة، ولا يخرج عن هذا الأصل إلا بيقين. إذا ثبت نجاسة المكان فلا يجوز الصلاة فيه حتى يطهر، وتطهيره يكون بالماء أو التيمم بالتراب الطاهر.
التيمم يكون بكل تراب طهور، وقد نهى النبي عن الصلاة في المقابر واتخاذها مساجد، مما يدل على تحريم الصلاة في المقبرة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مغلو -رحمه الله- قال ابن الجارود -رحمه الله- في "المنتقى". ابن الجارود هو محمد بن الجارود، الحافظ، له كتاب "المنتقى" في الأحاديث، وأسانيد أكثرها صحيحة. قال ابن الجارود -رحمه الله- في "المنتقى": حدثنا محمد، وهو محمد بن يحيى أبو يحيى الذهلي -رحمه الله- الذي يلقب بالزهري، وهو محمد بن يحيى بن خالد بن فارس الذهلي. ولقب بالزهري لأنه اهتم بأحاديث الزهري، وألف كتاب "علل أحاديث الزهري"، وهو كتاب عظيم قد أثنى عليه أئمة العلل، وألفه في زمن الإمام أحمد -رحمه الله-. ومحمد بن يحيى هو من أئمة السنة والمنافحين عنها. وما حصل بينه وبين البخاري -رحمه الله- إنما كانت وشايات، وأناس أرادوا أن يفسدوا بينهما، فحصل ما حصل، وصارت فتنة عظيمة، وخرج الإمام البخاري من نيسابور. قال -رحمه الله-: حدثنا حجاج الألماطي. وحجاج الألماطي هو حجاج بن منهال الألماطي، أبو محمد البصري، وهو ثقة حافظ. وأخوه محمد بن منهال أيضًا مثله. وقيل له: أنماطي، لبيع الألماط. والألماط هي النطاع أو الفرش أو القطف. وقيل: إنما سمي أنماطي لأنه كان سمسارًا، كان دلالا، فكان يأخذ على كل دينار حبة. فجاء رجل تاجر كبير وثري، فأعطاه ثلاثين دينارًا، وأعطاه أنماطًا، فقال: ما هذه الألماط؟ لا آخذ إلا على كل دينار حبة، وأخذ ما يأخذه من الناس، فقيل له: حجاج الألماط. قال -رحمه الله-: حدثنا حماد، وحجاج من الثقات. في حماد، وفي طبقته أيضًا حجاج الصفار، وأيضًا هناك غيره: حجاج بن حجاج الشاعر. وأما حجاج بن محمد المصيصي، فالظاهر أنه في طبقة أكبر منه، لكن كلاهما يروي عن شعبة: حجاج بن محمد المصيصي، وكذلك حجاج بن منهال، وحجاج بن حجاج الشاعر، وكلهم يروون عن شعبة. قال: حدثنا حماد، وهو ابن سلمة، أبو سلمة -رحمه الله-، قال: عن ثابت، وحميد. ثابت: أبو محمد ثابت البناني، ثابت بن أسلم البناني. وحميد: الطويل، وفي طبقته حميد العرج. وفي ضعف. قال: عن أنس -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "جعلت لي كل أرض طيبة مسجدًا وطهورًا". قال: هذا حديث صحيح. ومحمد هو ابن يحيى النيسابوري. وهذا الحديث تفرد به محمد بن سلمة عن ثابت وحميد عن أنس، ولم يروه غيره بهذا السياق. وهو حديث مثل حديث جابر: "أعطيت خمسًا لم يعطهن نبي قبلي". وجاء عند السراج بأطول من هذا، وجاء فيه قطعة، وفيه هذه القطعة من الحديث: "جعلت لي كل أرض طيبة مسجدًا وطهورًا". وهذا فيه مخالفة لحديث جابر من قوله "طيبة". في حديث جابر في الصحيحين، وكذلك جاء أيضًا عن غيره: "وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا". وجاء في حديث في مسلم، من طريق أبي مالك، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة بن اليمان، أنه ذكر: "أعطيت ثلاثًا لم يعطهن نبي قبلي"، وذكر منها: "أنها جعلت الأرض كلها مسجدًا، وتربتها طهورًا"، أو قال: "جعلت لي الأرض مسجدًا، وتربتها طهورًا". فهذا الحديث فيه عدة مسائل، منها: أن الأرض الطيبة، وهي الأرض الطاهرة، تكون مسجدًا. وأما الأرض النجسة، لا تكون مسجدًا، ولا طهورًا. وكيف يعرف الأرض الطيبة من الأرض، أو الأرض الطاهرة من الأرض النجسة؟ الأصل في الأرض الطهارة، إلا إذا ثبت أن فيها نجاسة. بعض الناس الآن يقول: إذا صليت مثلًا في صحراء، أو في كذا، لعل هناك كلابًا تتبول، ولعل هناك حيوانات تتبول، وغيرها من هذه التعليلات. فهذه تعليلات باطلة. الأصل في الأشياء الطهارة، لا يخرج عن هذا الأصل إلا بيقين، مثل يقين: أنه يرى نجاسة أمامه. فإذا رأى نجاسة في هذه الأرض التي يسجد عليها ويصلي، فإنه لا يجوز له أن يصلي في ذلك المكان. إذا مثلًا في بيته بال طفل في مكان، فلا يجوز له أن يصلي في هذا المكان حتى يطهر، حتى يطهر ذلك المكان. فإن صلى وهو في ذلك المكان نجاسة، فصلاته -على الصحيح- صحيحة، ولكنه آثم بصلاته في ذلك المكان الذي لم يطهره، والواجب عليه تطهيره. وما جاء في حديث الأعرابي لما بال في المسجد، أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بذنوب أو بسجل من ماء، فأهريق عليه، فلابد أن يطهر ذلك المكان، ثم يصلي في ذلك المكان الذي طهره. وهكذا في هذا الحديث مما يؤيد هذا المعنى، فقال عليه الصلاة والسلام: "وجعلت لي كل أرض طيبة مسجدًا وطهورًا". وعما إن كانت أرض نجسة، فلا تكون فيها الصلاة، ولا يكون فيها مكان السجود، فلابد أن يطهر ذلك المكان. وأيضًا في هذا الحديث من المسائل: أنه أن الأرض التي يتيمم فيها لابد أن تكون أرض طهور، وأرض طيبة. الأرض التي يتيمم بها تكون أرض طيبة، كما جاء في حديث حذيفة: "وجعلت تربتها لنا طهور". والتربة هنا: الصحيح المراد به الطين، ما كان من جنس الطين. وأما ما كان من غيره، فلا يدخل. يعني مثلًا إذا كان ملح أو أسمنت أو حجارة، مثلًا نورة أو زرنيخ أو غيرها من هذه الأشياء التي تكون على وجه الأرض، وتكون في صعيد الأرض، لا تدخل في هذا الباب. بل يدخل ما كان ترابًا، ما كان ترابًا. وأيضًا في هذا الحديث: فيه أنه يطهر بالتراب في أي مكان كان. ولهذا ذهب الشافعية، وهو قوله أيضًا مشهور عند الحنابلة: أنه يجوز أن يتيمم بالغبار، يتيمم بالغبار الذي يقع على الأسطح، لأنه يعتبر ترابًا، يعتبر ترابًا. قد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "وجعلت لنا الأرض مسجدًا، وتربتها طهورًا". فما دام أن تربتها طهورًا، فيتيمم بكل تراب، بكل تراب، ولو كان على الأرض. ويؤيد هذا حديث أبي الجهم، لما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: فمر عليه الرجل فسلم عليه، فلما قضى عليه الصلاة والسلام بوله، جاء إلى جدار وتيمم في ذلك الجدار، ثم رد عليه، وقال: "كرهت أن أذكر الله على غير طهارة". فتبين أن هذا الفعل الذي فعله النبي -صلى الله عليه وسلم- فهو طهارة، فدل على أن الغبار يعتبر طهارة للإنسان إذا أراد يتيمم به، ولو كان في سطح، يتيمم به، ولو كان في جدار. وأما إذا كان هذا الجدار أسمنتًا أو شيئًا آخر، فالأولى أن لا يتيمم به، إلا إذا -كما قلنا- فيه غبار من الطين، فيتيمم بهذا الغبار، لأنه يعتبر من التربة الطيبة. فهذه بعض المسائل التي تدخل في هذا الباب. وأيضًا كذلك استدل به شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وغيره أيضًا على تحريم الصلاة في الأرض التي توجد فيها النجاسات، مثل المقابر. فهي أرض توجد فيها بعض النجاسات من الموتى، من الميتة. لكن هذا الاستدلال بعيد. لكن هو استدل به شيخ الإسلام على مذهب من يقول: بأن الصلاة منعت لأجل النجاسة، وهو مذهب الشافعي -رحمه الله-: أن منع الصلاة لأجل النجاسة، فاستدل به على أنه إذا كان لأجل النجاسة، فلا يجوز أن يصلى في القبور، لا يجوز أن يصلى في القبور؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر أنها جعلت له الأرض الطيبة مسجدًا وطهورًا، فإذا لم تكن الأرض طيبة، فليست مسجدًا ولا طهورًا. فلهذا الشافعية الذين يقولون بكراهة الصلاة عند القبور، ويظنون أنها كراهة التنزيه، هذا خطأ، هذا قول خطأ. فعلى قولهم: أنها أرض نجسة، فإنه أيضًا كذلك يكون التحريم. يعني هم يقولون: كما قال الشافعي -رحمه الله-: أن الصلاة منعت من المقابر، مع أن كلام الشافعي يدل على أنه يرى التحريم، وإنما قال: "أكره" على كراهة القرآن. وكراهة القرآن: أي التحريم. فجعل العلة فيها أنها مكان للنجاسات، للميتة ولغيرها؛ لأن غالبًا يموت فيها الحيوانات وغيرها تموت في تلك المقابر، فجعل العلة هي النجاسة. فلهذا في باب أولى يمنع الصلاة فيه؛ لأن تربة ليست طيبة، وأرض ليست طيبة، فلهذا لا تكون مسجدًا. وهذا بالاستدلال على العلة، وإلا الاستدلال على المنع من الصلاة في القبور قد جاءت التصريح فيها في الأحاديث: حديث أبي مرتد الغنوي في صحيح مسلم، أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- نهى عن الصلاة على القبور والجلوس عليها. أو الصلاة عند القبور والجلوس عليها. فأيضًا كذلك ما جاء في الصحيحين: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا القبور مساجد"، يحذر ما صنعوا، واتخاذ المساجد: أن تنتخذ القبور، أو أن يصلى عند القبور. وجاء في الصحيحين: "لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، وصلوا فيها". فهذه كلها الأحاديث تدل على أن الصلاة لا تجوز في المقبرة. فهذا ما يذكر في هذا الحديث. والله تعالى أعلم.