الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 149، ألقاها
النبي صلى الله عليه وسلم يبين أن الخيرية في الإسلام وليست في القبائل، وأن السبق إلى الإسلام هو ما يميزها. كما مدح النبي صلى الله عليه وسلم بعض القبائل لسرعة استجابتها للإسلام.
النبي صلى الله عليه وسلم يصف بعض القبائل العربية ويبين أخلاقها، ويظهر فضل الإسلام على القبائل التي أسلمت مبكرا مقارنة بتلك التي تأخر إسلامها. الفخر الحقيقي يكون بالإسلام وليس بالنسب أو القبيلة.
النبي صلى الله عليه وسلم يثني على أهل اليمن لسرعة استجابتهم للإسلام وانقيادهم له، ويؤكد أن الفخر الحقيقي يكون بطاعة الله. الدرس يختتم بالتأكيد على أن الله تعالى هو الأعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادي رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا روح، وهو ابن عبادة القيسي البصري رحمه الله، قال: حدثنا علي بن سويد، وهو المنجوفي البصري، قال: عن عبد الله بن بريدة، عن نبيه، وهو بريدة بن حصيب الأسلمي رضي الله عنه، قال: اجتمع عند النبي صلى الله عليه وسلم عُيينة بن حصن والأقرع بن حابس التميميان، وأنا عُيينة بن بدر الفزاري، والتميمي والأقرع بن حابس أيضا تميمي، وعلقمة بن علاثة، وهو بن عامر بن صعصعة، قال: فذكروا الجدود، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن شئتم أخبرتكم عن جد بن عامر بن صعصعة؛ جمل أحمر أو آدم، يأكل من أطراف الشجر»، قال: «وأحسبه قال: في روضة، وغطفان أكمة خشاء تنفي الناس عنها»، قال: فقال الأقرع بن حابس: فأين جد بني تميم؟ قال: لو سكت، وإنما في هذا الحديث أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين أن الخيرية في أهل الإسلام، وليس في القبائل، فأراد أن يبين لعُيينة بن بدر، وكذلك الأقرع بن حابس، وعلقمة بن علاثة، أن الخيرية هي في السبق إلى الإسلام، وهي الاستسلام لله جل وعلا، فلهذا يثني على أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على جد بن عامر، وهم القبائل التي بين المدينة والجحفة، وتلك المناطق أسلم وجهينة وغفار، فهذه القبائل كانت سباقة إلى الإسلام، فأسلم كما قلنا قبيلة بريد بن الحصيب، أسلموا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة، لما مر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ودعاهم للإسلام أسلموا، قرابة ثمانين رجلا منهم، وهذا يدل على أن قلوبهم نظيفة ومذعنة، أذعنوا للحق وأسلموا. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أسلم سالمها الله»، وجاء في الصحيحين في حديث أبي هريرة أنه قال: «أسلم وغفار، وشيء من مزينة أو مُهَجِّنة، وجهينة؛ أفضل من غطفان وهوازن وبني تميم»، أفضل من غطفان وهوازن وبني تميم؛ لأن إنما فضلهم النبي صلى الله عليه وسلم لسابقتهم للإسلام، وأما غطفان وبني تميم، وكذلك هوازن، فقد أسلموا متأخرين، وقد أيضا حصل منهم أشياء؛ قتلوا القراء وغيرها من الأشياء التي حصلت منهم، ثم بعد ذلك أسلموا. فلهذا بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن أولئك القبائل التي هي من بني عامر؛ قبائل سلم على ما يؤدون الناس، فشبههم بالجمل الآدم الذي يأكل من أطراف الشجر، ولا يؤذي أحدا، ولا يدخل حضيرة الناس، وإنما يأكل من الأطراف. ثم ذكر هؤلاء غطفان، قال: «أكمة خشاء تنفي الناس عنها»، الأكمة هي دون الجبل، حضبة كبيرة دون الجبل تسمى أكمة، خشاء أي غليظة، أكمة غليظة، وتربتها غليظة، لا يستطيع أحد أن يعيش فيها، أراد أن يمثل عليه الصلاة والسلام أن غطفان عندهم حدة، وكذلك عندهم شيء من الغلظة، ولهذا تجد أنهم ما أسلموا إلا آخر الناس، وكانوا أيضا قد صالحوا قريشا في غزوة الأحزاب، وأراد عُيينة الغطفاني أن يكون له نصف ثمر المدينة أو ثلث ثمر المدينة، وكانوا يحالفون اليهود، فرفض السعدان؛ سعد بن عبادة وسعد بن معاذ، رفضوا هذا الطلب الذي ذكره لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فلهذا النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يفخر بهذه القبائل، وإنما يريد الإسلام القبائل التي أسلمت وتقدم إسلامها، كان النبي صلى الله عليه وسلم يثني عليها، «أسلم سالمها الله»، و«غفار غفر الله لها»، وهكذا، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يثني عليهم لإسلامهم، ليس لأجل شيء آخر، وترك مثل هذه الأمور التي يتفاخر بها أهل القبائل. ولهذا كما ذكرنا قبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أسلم وغفار، وشيء من مزينة وجهينة؛ أفضل من غطفان وهوازن وتميم»، أن شيء من هؤلاء القبائل أفضل منهم؛ بسبب أنهم أسلموا قبل، ولأن غطفان وهوازن وتميم كانوا يتفاخرون على العرب، وأنهم كذا، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج ذلك من قلوبهم. ولهذا قال عُيينة بن حصن: جاء في رواية أنه قال: «لأن أكون مع هؤلاء - أي مع غطفان وهوازن وتميم - في النار، أولى من أن أكون مع أسلم وغفار في الجنة»، انظر إلى هذا الحد يأتي بمثل هذا الكلام عُيينة بن حصن الفزاري التميمي، فلهذا فهم كانوا يتفاخرون مثل هذه الأشياء، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يذهب ذلك الفخر من قلوبهم، ويبين لهم أن من كان أكثر الناس إسلاما، وأكثرهم انقيادا للإسلام هو أفضل. ولهذا جاء عند الطحاوي في المشكل أن الأقرع بن حابس كان عند النبي صلى الله عليه وسلم، فكان يقول له النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا أخيل منك، أنا أفضل منكم في الخير»، فقال الأقرع بن حابس: «ونحن أفرس منكم»، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «وكيف ذلك؟»، قال: الأقرع: «خير الناس أناس على فرس، ومعهم الرماح»، وكذا يذكر - أي من بني تميم - فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «كذبت»، قال: «خير الناس هم أهل اليمن، ورجال أهل اليمن، والإيمان يمان، والحكمة يمانية، وقبيلة أفضل من قبيلة»، ثم فضل لخم وجذام، وأيضا قال: «وحمير أفضل من بني الحارث»، ثم قال: «لعن الله الملوك الأربعة»، وذكر الحديث. فبيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن أهل اليمن لما أسلموا، ولم يحدثوا شيئا من الرد والصد، بل أسلموا لما جاءتهم الدعوة، ولما جاءوا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أتاكم أهل اليمن، هم أرق قلوبا، وألين أفئدة»، فخير النبي صلى الله عليه وسلم الناس، وقال: «خير الرجال رجال أهل اليمن»، وهذا الحديث يدل أيضا على أن حضرموت من اليمن؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر قبائل حضرموت بعد ذكره أنهم من اليمن، وهذا يرد على كثير من الباحثين الذين يقولون أن حضرموت ليست من اليمن، وهذا دليل نبي صلى الله عليه وسلم ذكر قبائل حضرموت - حضرموت بن الحارث وغيرها من قبائل حمير - ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في ضمن قبائل اليمن، وهذا الذي صريح على أنها من اليمن. وخلاصة ما يذكر في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يبين للأقرع، وكذلك عُيينة، وعلقمة بن علاثة، أراد أن يبين لهم ليس الفخر بالآباء، وليس الفخر بالقبائل أنهم كذا وكذا، وإنما الفخر لمن كان أطوع لله عز وجل، ومن كان قلبه سهلا وأليفا. ولهذا أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على أسلم، والغفار، ومزينة، وجهينة، وجعلهم أفضل من القبائل التي يذكرون أنها أفضل القبائل، وهي غطفان، وهوازن، وبني عامر، وكذلك أيضا تميم، فهذا خلاصة ما يذكر في هذا الحديث. والله تعالى أعلم.