الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 165، ألقاها
يتناول هذا الفصل قصة معاذ بن جبل وتطويله في صلاة العشاء، ورد فعل النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك. يشرح المقطع سبب خروج رجل من الصلاة وعتاب معاذ له.
يتناول هذا الفصل ما كان يقرأه النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة العشاء، حيث كان يقرأ بأواسط المفصل. يشرح أقسام المفصل واختلاف العلماء في تحديدها.
يتناول هذا الفصل القراءة في صلاتي المغرب والعشاء، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يسرع في المغرب ويقرأ في العشاء بأواسط المفصل. يشير إلى استحباب اتباع السنة في القراءة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه بعد. قال شيخنا مقبل بن هاد الوادعي رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا زيد بن الحباب، وهو أبو الحسين العقيلي التميمي، قال: حدثنا حسين، وهو ابن واقد المروزي، قال: حدثنا عبد الله بن بريدة، وهو أيضا مروزي لأنه سكن مرو وكان قاضيها، قاضي مرو، قال: سمعت أبي بريدة وابن بريدة وابن حصيب الأسلمي -من أسلم، وهي قبيلة من قبائل الحجاز قرب المدينة، الذين قال فيهم نبينا عليه الصلاة والسلام: «أسلم سالمها الله»، وقيل: إنهم أسلموا لما مر النبي صلى الله عليه وسلم على ديارهم في الهجرة، وقيل: إنهم جاءوا إلى المدينة- لكن أسلم بريدة قبل بدر، اتفقت كلمة العلماء أهل السيرة على أن بريدة أسلم قبل بدر. قال بريدة رضي الله عنه: يقول: إن معاذ بن جبل يقول: صلى بأصحابه صلاة العشاء، فقرأ فيها ﴿اقتربت الساعة﴾، فقام رجل من قبل أن يفرق، فصل وذهب، فقال له معاذ قولا شديدا، فأتى الرجل النبي صلى الله عليه وسلم فاعتذر إليه، فقال: «إني كنت أعمل في نخل، فخفت على الماء»، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلي بالشمس وضحاها ونحوها من السور». قال: هذا حديث حسن لأجل زيد بن الحباب، كما قلنا فقد تكلم فيه خاصة في روايته عن الثوري، وهذا الحديث أيضا حديث صحيح، قد جاء عن جمع من الصحابة، لكن قوله: إنه قرأ فيها ﴿اقتربت الساعة﴾، هذا لم يأت به أحد، لم يأت به أحد ممن رووا هذا الحديث إلا هذه الرواية من رواية زيد بن الحباب عن حسين بن واقد. وقد رواه الحسن بن علي بن شقيق عن الحسين، ولم يذكر هذا الشيء، ورواه أيضا غير واحد عن عبد الله بن بريدة، ولم يذكر أنه قرأ ﴿اقتربت﴾، جاء في حديث جابر في الصحيحين أنه قرأ سورة البقرة، وأكثر الروايات أنه كان قد طال عليه، ولم يذكر السورة التي قرأها. هذا الحديث قد جاء من حديث جابر، من حديث معاذ، من حديث أنس، حديث أبي هريرة، وجمع من الصحابة، ولم يذكر فيه أحد ﴿اقتربت﴾ إلا هذه الرواية، وهذا يدل على أن زيد بن الحباب لم يقل هذا، فذكر فيه هذه الزيادة، ولهذا قال الشيخ الألباني: «الحديث صحيح إلا ذكر ﴿اقتربت﴾ فهي شاذة»، إنه قرأ «بالقمر»، وجاء كما قلنا في حديث جابر أنه قرأ بسورة البقرة، فلهذا خرج الرجل، وكان أراد أن يسقي نواضحا كما جاء في الصحيح، وفي رواية: إنه أراد أن يسقي نخله، لعلهم كانوا يسقون في الليل، يأتي الماء عليهم في الليل فيسقون، أو إنه أراد أن ينام مبكرا حتى يقوم لأجل السقية، إنه قد تكون السقية عندهم في الفجر أو قبل الفجر، فلهذا ينامون مبكرا. فلما طوّل معاذ خرج من الصلاة، خرج من الصلاة لأجل ألا يتعب وينام متأخرا، لأن معاذا يصلي بهم في الثلث الأول من الليل، يعني: يذهب يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يأتي إلى أصحابه -بني أسلم أو أقصد بني سلمة من الأنصار- ويصلي بهم، فلهذا يتأخر عن الصلاة، فإذا طوّل سيتأخر أكثر، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وقال: «فتان أنت يا معاذ، فتان»، وكرر عليه: يقرأ «بالشمس وضحاها» و«والليل إذا يغشى» ونحوها من السور. فهذا الحديث يدلنا على أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر لمعاذ أنه يقرأ بهذه السور، وكذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ بهذه السور -بأواسط المفصل-، المفصل هو الجزء الأخير من سبع القرآن، أو السبع الأخير من القرآن، قيل: إنه يبدأ من «قاف»، وقيل: إنه يبدأ من «الحجرات»، فهذا المفصل، والمفصل هذا مقسم إلى ثلاثة أقسام: منها هو طوال المفصل، ومنها هو أواسط المفصل، ومنها هو قصار المفصل. وعلى الذي مشى عليه العلماء: أن ما كان من «الضحى» وما دونها يعتبر من قصار المفصل، وما كان من «عم» أو ما دونها أو ما دون «عم» يعتبر من أواسط المفصل، ومن «قاف» إلى «عم» يعتبر من طوال المفصل، وقد يختلفون أحيانا في بعض هذه الأمور، لأنه قد جاء عند الترمذي: إنه ذكر أن عثمان كان يصلي بأواسط المفصل في صلاة العشاء، فكان يقرأ بالمنافقين، فاعتبرها من أواسط المفصل، والذي مشى عليه أهل القرآن والعلم: أن المنافقين تعتبر من طوال المفصل. فجاءت أكثر الأحاديث على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ «بالشمس وضحاها» ونحوها من السور، و«سبح اسم ربك الأعلى»، وقرأ كذلك «بالضحى»، وقرأ كذلك «بالتين والزيتون»، «بالتين والزيتون» أيضا قرأ بها في صلاة العشاء، في حديث البراء، ذكر يحيى بن سعيد الأموي ومسعر بن كدام عن علي بن ثابت عن البراء: أنه قرأ النبي صلى الله عليه وسلم سورة سورة التين في الركعة الأولى من صلاة العشاء، وذكر شعبة عن علي: أنها كانت في سفر، فلهذا بعض أهل العلم استعملها أنها في سفر، وبعضهم يجعلها في غير السفر، لأن يحيى بن سعيد ومسعر اتفقا على أنهما لم يذكرا السفر، وشعبة ذكر السفر، وهذه زيادة ثقة، وشعبة حافظ من حفاظ الحديث ومن أهل الحفظ والإتقان، فلهذا بعضهم رجح رواية شعبة، وبعضهم مشى على الوجهين: على أنها في سفر وفي غير سفر، لكن الحديث واحد. فهذا الذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة العشاء، ولم يثبت أنه يقرأ بغير هذه الأشياء، أي: بغير أواسط المفصل، وجاء في حديث أبي هريرة الذي رواه أبو حازم -أو قصد سليمان بن يسار- عند النسائي: لما ذكر سليمان بن يسار أن أبا هريرة كان يصلي مثل صلاة -أو قال أبو هريرة: صدق- قال سليمان بن يسار عن نبي هريرة: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي مثل صلاة إمامكم هذا»، فكان -قال سليمان بن يسار- هذا الإمام يقرأ في صلاة الفجر بطوال المفصل، وفي الظهر والعصر بأوساطها، وفي المغرب بقصارها، وفي العشاء بأوساطها، فقال أبو هريرة: «كانت هذه صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم». فلهذا هذا الصحيح في الصلوات: أنها تقرأ كذلك، لكن أحيانا يخرج عن هذا الأصل، أحيانا يخرج عن هذا الأصل، فمثلا في صلاة الفجر أحيانا يقرأ من غير المفصل، كما جاء في حديث أبي برزة: أنه يقرأ من ستين آية إلى مئة آية، وقد يكون هذا أيضا في المفصل في طوالها، وأيضا كذلك في الظهر كان يقرأ أيضا بلقمان، سورة لقمان، أحيانا يقرأ بها، يسمعها بعض الصحابة، كان يقرأ أيضا قدر ثلاثين آية، قدر ألف، «الم تنزيل السجدة» كذلك كان يقرأ «بسبح اسم ربك الأعلى» وغيرها من السور، والعصر كان يقرأ بأوساط مفصل. وأما المغرب فلم يثبت إلا هذا إلا حديث أبي هريرة هذا، لكن ثبت أنه قرأ بعض السور، قرأ وهو مريض بسورة المرسلات، كما جاء في حديث أم الفضل رضي الله عنها -أم عبد الله بن عباس-، وقرأ أيضا من سورة النور، ثم أخذته سعلة فركع، وقرأ أيضا من سورة الروم، وقرأ أيضا بغيرها، لكن الذي يدل عليه حديث أبي هريرة: أنه كان يقرأ أيضا بقصار المفصل، لأنه كان يسرع في صلاة المغرب، كان يسرع في صلاة المغرب، حتى إن الصحابة رضي الله عنهم قالوا -كما جاء عن أنس وعن رافع وغيرهم-: قالوا: إنه الرجل يخرج من صلاة المغرب فينظر أو فيرى موقع النبلة، فيرى موقع النبل، ولا يرى موقع النبل إلا وقد زالت الدولة، وهذا يدل على سرعة صلاة المغرب. كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجل بصلاة المغرب، وأيضا جاء في صحيح مسلم: أنه قال: «عجلوا بصلاة المغرب قبل أن تشتبك النجوم»، قبل أن تشتبك النجوم. فهذا خلاصة ما يذكر، أما صلاة العشاء فكان يقرأ بأواسط المفصل، ولم يثبت غيرها إلا ما جاء في حديث معاذ هذا: أنه كان قرأ بسورة البقرة، لكن الذي قرأ هو معاذ وليس النبي صلى الله عليه وسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت عنه في صلاة العشاء أنه يقرأ بغير أواسط المفصل. فهذا خلاصة ما يذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم في سنته، وهذا الأفضل أن الإنسان يفعل هذا، الآن تجد كثيرا من الأئمة يقرأ في العشاء بآيات، والمغرب تجد يقرأ بأواسط المفصل، يعني: رأيت كثيرا من أئمة المساجد يفعلون هذا في العشاء، يقرأ بآيات، يأخذ من بعض السور يأخذ آيات من هذه السورة وآيات من هذه السورة ويقرأ، أن هذا ما ينبغي أن يفعله الإنسان إلا أحيانا، لأن لم تثبت في السنة، إنما جاء في صلاة قراءة ركعتين قبل الفجر قرأ فيها بآيتين، كما جاء في حديث ابن عباس: قرأ فيها بآية ﴿آمنا بالله وما أنزل إلينا﴾، وأيضا بقوله جل وعلا: ﴿فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله﴾، ولم يثبت خلاف هاتين الآيتين أو الآيتين اللتين قرأ بهما، فلهذا قال الإمام ابن القيم في «الزاد»: «أنكر قراءة الآيات من بعض السور»، لكن لا يقال: إنه لا يجوز، أو يقال: إنه بدعة، القرآن كله يقرأ في الصلاة، فلو قرأ بأي آيات ما في شيء، يقرأ بأي آيات، لكن الأفضل أنه يتبع السنة. لكن لو قرأ أحيانا بمثل هذه الآيات من هذه السور ما في شيء، فقد قرأ النبي صلى الله عليه وسلم في سورة المؤمنون، وقرأ بعضها، قرأ بعضها عليه الصلاة والسلام لما أخذته سعلة ركع عليه الصلاة والسلام، فدل على جواز، لكن لا يفعله دائما، الآن أصبح كثير من بعض الأئمة دائما يفعل هذا، يأخذ آية من سورة ثم في الركعة الثانية يأخذ آية من سورة أخرى وهكذا، فهذا ما يفعلها إلا أحيانا، هذه السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، إن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.