كلمة الشيخ الفاضل أبو خالد وليد مقرم

المحاضرة بعنوان كلمة الشيخ الفاضل أبو خالد وليد مقرم، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر الخميس ١٠ شوال ١٤٤٠هـ ألقاها

الأخوة الإيمانية في الإسلام: مكانتها وأدلتها

يتناول المقطع مكانة الأخوة في الدين كأعظم نعم الله على المؤمنين، مستدلاً بآيات قرآنية وأحاديث نبوية تؤكد وجوب التآخي وتحريم التباغض والهجران، مع استعراض صور من حرص النبي صلى الله عليه وسلم على ترسيخ هذه الأخوة في العهدين المكي والمدني، أبرزها المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار لإنهاء تناحر الأوس والخزرج.

فضل الأخوة الإيمانية على أخوة النسب

يستعرض المقطع مكانة الأخوة في الله من خلال آيات قرآنية وأحاديث نبوية وأمثلة من سيرة الصحابة والأنبياء، مؤكدًا أنها أعظم من أخوة النسب، ويختتم بالتأكيد على وجوب الحفاظ على هذه الأخوة بتجنب أسباب الفرقة والفتن التي تفرق المسلمين.

أسباب بقاء الأخوة: مجالس العلم وتجنب الجدل والتعصب

يؤكد المقطع أن الاجتماع على العلم والذكر هو أساس بقاء الأخوة، محذرًا من مجالس القيل والقال والجدل العقيم الذي يورث الفرقة، كما يدعو إلى ترك التعصب للأقوال، والتأني في الأحكام، ومراعاة ضوابط الشرع في زمن الفتن.

دعاء الختام والتمسك بالمنهج القويم

يدعو المتحدث الله أن يجمع القلوب على الحق، وأن يحفظهم على المنهج المستقيم حتى يلقوا الله، وأن يعصمهم وجميع المسلمين من الفتن، مختتماً بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فنحمد الله جل وعلا حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، الذي أنعم علينا بهذا الجمع، والذي نسأله جل وعلا أن يجعله جمعًا تتنزل عليه السكينة، وتغشاه الرحمة، وتحفه الملائكة، ويذكره الله جل وعلا فيمن عنده. وأجز الله خيرًا المشاركين كلماتهم في هذا الجمع، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا دائمًا متناصحين فيما بيننا، يذكّر بعضنا بعضًا بأحكام هذا الدين العظيم، وبآداب هذا الدين العظيم المبني على التناصح، فيه تواصل الحق، وتواصل الصبر. أيها الإخوة في الله، نعمة الإخوة في الدين من أعظم نعم الله جل وعلا على عباده، أن جعلهم إخوة في الدين متأخين فيه، فامتنى الله جل وعلا عليهم بهذه الأخوة في الدين بعد أن كانوا متناحرين، وكانوا على شفا هلكة، وعلى شفا جرف هار. قال جل وعلا: ﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾. والله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾. والنبي عليه الصلاة والسلام بين لنا في القرآن أن إخوانكم على سرر متقابلين، وهم في منالهم أعظم النعيم في جنته تبارك وتعالى، حيث على السرر متقابلين ومتكئين على الأرائك. قال سبحانه: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ﴾. والنبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث أنس المتفق عليه قال عليه الصلاة والسلام: « لَا تَدَابَرُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ » الحديث. وفي الصحيحين أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام: « لَا تَدَابَرُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَقَاطَعُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، وَالتَّقْوَى هَاهُنَا، وَأَشَارَ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثًا » عليه الصلاة والسلام. حرصًا على هذه الأخوة الإيمانية في العهد المكي وفي العهد المدني، مع أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله والإمام ابن القيم رحمة الله عليه لا يرون أن الأخوة كانت في العهد المكي وإنما هي في العهد المدني، إلا أن جاء عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام آخى بين حمزة بن عبد المطلب وزيد بن حارثة، والزبير بن العوام وعبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنهم، ورجّح ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى. وفي العهد المدني حرص عليه الصلاة والسلام حرصًا أعظم على هذا الأمر أخوة المؤمنين، فأول ما قدم المدينة عليه الصلاة والسلام آخى بين المهاجرين والأنصار، الأنصار الذين هم الأوس والخزرج كانوا متناحرين متقاتلين، فجمعهم الله جل وعلا ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم وبما حباه الله جل وعلا من العلم والرفق والحكمة، ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾، ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾. آخى بين سعد بن الربيع وبين عبد الرحمن بن عوف وغيرهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، حتى أنهم كانوا في أول أمر يتوارثون فيما بينهم حتى نزلت آيات الميراث، وضربوا أروع الأمثلة وأرقى النماذج في الأخوة في الله تبارك وتعالى، فآثروا الأنصار إخوانهم المهاجرين بمالهم وبل ونساءهم وغير ذلك مما ضربوا به أروع الأمثلة في المؤاخاة في الله تبارك وتعالى. والنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قد ذكر فضل الأخوة، فضل الأخوة في الله، ذكر في صحيح مسلم عن النبي عليه الصلاة والسلام أن رجلًا زار أخًا له في قرية، قال: زار أخًا، لم يقل زار صديقًا ولا زار أبًا ولا ابنًا، زار أخًا، شعارًا بمقام الأخوة ومكانتها في دين الإسلام. وكذلك أيضًا النبي عليه الصلاة والسلام قد ثبت عنه أنه قال: « أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِرِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ »، ثم قال عليه الصلاة والسلام: « الرَّجُلُ يَزُورُ أَخَاهُ فِي الْمَصْرِ لِلَّهِ تَعَالَى أَنْ يَزُورَهُ لِلَّهِ وَفِي اللَّهِ لَا لِدُنْيَا وَلَا لِنِعْمَةٍ يَرْبَحُهَا وَلَا لِغَيْرِ ذَلِكَ ». وكذلك النبي عليه الصلاة والسلام قد صح عنه حديث صَحَّحه العلامة الألباني رحمه الله تعالى، قال عليه الصلاة والسلام: « الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ، وَالْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ، يَحْفَظُ لَهُ ضَيْعَتَهُ وَيَحُوطُهُ مِنْ وَرَائِهِ وَيَحُوطُهُ مِنْ وَرَائِهِ ». فهذه النصوص تدلنا عباد الله على أهمية الأخوة في الدين، أعظم من أخوة النسب، أخوة في الدين أعظم من الأخوة في النسب. ولذلك حرص عليها الأنبياء في كلامهم، حتى في نزاعاتهم كان يذكرونها إشعارًا منهم وتذكيرًا بمقام الأخوة. هذا يوسف عليه الصلاة والسلام ذكر الله جل وعلا عنه في كتابه الكريم سورة يوسف: ﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾. وكذلك ذلك الرجل أحد المتخاصمين الداخلين على داود عليه السلام قال: ﴿ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ ﴾. وهذا يدلنا على أهمية التذكير بهذا الأمر، وله عند النساء حفاظًا على الأخوة. هذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه أمير المؤمنين الخليفة الرابع الراشد، حصل بينه وبين الخوارج ما حصل، خرجوا عليه قاتلوه، ومع هذا لما سألوه قال: « إخواننا بغوا علينا، إخواننا بغوا علينا ». فلذلك علينا عباد الله أن نحافظ على أخوتنا في الإسلام، وأخوتنا في السنة والمنهج، ونحرص على أسباب بقائها والحفاظ عليها، والابتعاد عن أسباب ذهابها وفقدانها. المسلم يستفيد من الفتن، مرت بنا فتن كثيرة حصل فيها التفرق، فالمسلم عليهم يستفيد من هذه الفتن: ما هي الأسباب التي أدت إلى هذه الفتن وهذا التفرق؟ فيجتنب ويحرص على البعد عنها حفاظًا على بقاء الأخوة والحفاظ عليها. والمقام لا يتسع لذكر أمور كثيرة في هذا الباب لأن الغرض إنما هو التذكير بما يجول في الخواطر وبما يرى الشخص حاجته لهذا وحاجة إخوانه لذلك. أذكر بعض الأسباب اختصارًا من أسباب بقاء الأخوة: الاجتماع على العلم، وأن تكون أكثر مجالسنا مجالس علم ومجالس ذكر، لا مجالس قيل وقال. يقول الإمام ابن القيم رحمة الله تعالى عليه: اجتماع الناس على نوعين، اجتماع لمؤانسة الطبع، مشغل الوقت، يعني طبايع الناس يحصل الأنس، مشغل الوقت، قال: هذا أقل ما فيه فساد القلوب وضياع الوقت. والاجتماع الثاني: اجتماع على الحرص على سبيل النجاة، كيف نجتمع لنحرص، نحرص على اجتماعات تكون سببًا في نجاتنا. شعار الصحابة رضوان الله عليهم: « اجلس بنا نتعاهد ساعة »، يتذاكر بعضهم بعضًا، « اجلس بنا نتعاهد ساعة »، ما هي هذه الساعة التي نجلس فيها؟ هي مجالس علم، مجالس تذكير. فلابد أن نقلل من مجالس القيل والقال ونكثر من مجالس العلم، أكثر مجالسنا علينا نجعلها مجالس علم في تدريس العلم وبثه، نجري تعاون عليه، نغلق على الشيطان أبوابًا كثيرة يحرص من الدخول منها، لا يأتي الشيطان إلا عند وجود الفراغ، فإذا كثر ما لا فائدة منه يأتي الشيطان وينزغ والعياذ بالله، لكن إذا كنا مشغولين فجلساتنا بين صلوات وبين تلاوة للقرآن وبين تعليم للعلم الشرعي وكتابة له ودعوة إليه ومجالسة فيه، إضافة للساعات الأخرى: ساعات للزوجة والأولاد والوالدين والأرحام والجار، كما جاء النبي عليه الصلاة والسلام يعطي كل ذي حق حقه. كذلك التعاد عن الجداد، كثرة في هذا الوقت الجداد، رأينا من أعظم أسباب التفرق الجداد، والأسف الآن سهولة الجداد لسهولة وتيسر أسبابه، كل واحد معه هذا الجوال ويجادل، هذا يرد وهذا يرد وهذا يرد وهذا يرد وهذا يرد، وتتحجر القلوب. الصادق يقول: « مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ ». وقال: « أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا ». أي الجداد، التعاد عن التعصب لأقوال بعض العلماء وإهمال الأقوال الأخرى، عن نجمع بين كلام أهل العلم معتبرين، هل السنة قد يكون الحق في الجمع بين أقوالهم، فلا يتعصب، يحترم قول العالم ويؤخذ بعين الاعتبار، لا يهمش ولا يهمل، ولا يكون عندنا جماعة يرتاحون فيما بينهم لأنهم قد أخذوا بقول العالم الفلاني وقول العالم الفلاني، فتجدهم متجانسين فيما بينهم، نعم يحضروا بعضهم لبعض، هذه أيضًا بدايات، والجفاء ما ينبغ، العلم غزير، فيه اجتهادات كثيرة، ترجع الأمور إلى أهل العلم، فإذا رجع لها أهل العلم تكفينا بإذن الله لهذا نسلم من هذه الأمور. فإذا نبتعد عن هذه الأمور ونحرص على أسباب الاجتماع والأخوة في الدين، نعم نرجع لها العلم، تناصح فيه، خاصة في هذا الزمن الذي كثرت فيه الفتن، كثرت فيه الفتن الشهوات، فالأمر ليس كالسابق، يحتاج إلى مزيد عناية ومزيد رفق ومزيد إمهال ومزيد تأنٍّ ومزيد نظر ومزيد بحث ومزيد تحقيق ومزيد صبر، وسعت الأمور، نعم، فلابد أن نعطي الأمور حظها وحقها مما تحتاج، لا تستعجل بالأحكام، بالتكفير، بالتبديع، بالتفسيق، نسلم بإذن الله عز وجل، ويبقى هذا الجمع بإذن الله جمع الأخوة في الدين. أسأل الله جل وعلا أن يجعلنا متآخين فيه مجتمعين على الحق، أسأل سبحانه وتعالى أن لا يفرق بيننا وأن يبقينا على هذا المنهج القويم حتى نلقاه جل وعلا، وأن يعصمنا وإياكم وجميع المسلمين من الفتن. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. جزاكم الله خيرًا، وبارك الله فيكم.

شاركنا على