كتاب القضاء والشهادات 2

الدرس في كتاب القضاء والشهادات 2، ألقاها

شروط قبول الشهادة

يشترط في الشاهد الإسلام والبلوغ والعقل والكلام والحفظ والضبط واليقظة، ولا تقبل شهادة الكافر أو الصغير أو المجنون إلا في حالات خاصة. وتقبل شهادة الصبيان في الجروح إذا اتفقت كلمتهم.

أحكام الشهادة وعدالة الشاهد

يجب أن يكون الشاهد عادلاً ويعلم ما يشهد به، ولا تقبل شهادة الفاسق أو من له مصلحة أو عداوة مع المشهود عليه. ويجب الشهادة بالحق ولو على النفس أو الأقرباء.

تفاصيل الشهادة وحالات قبولها

يتناول المقطع الشروط والقواعد المتعلقة بالشهادة، مثل شهادة الزور وعدد الشهود المطلوب في مختلف القضايا، ويشرح حالات قبول شهادة النساء في أمور لا يطلع عليها الرجال غالبًا.

ختام الكتاب والدعاء لمؤلفه

يُنهي الكتاب بدعاء الله أن يجعله نافعًا وخالصًا لوجهه الكريم، مع الدعاء لمؤلفه بالغفران والثواب، ويُختتم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، الباب الثاني في الشهادات، وفيه مسائل. المسألة الأولى في تعريفها وحكمها وأدلتها. قال: تعريفها: الشهادة في اللغة هي الخبر القاطع، مشتقة من المشاهدة؛ لأن الشاهد يخبر عما شاهده وعاينه. والمراد بها عند الفقهاء: الإخبار بحق للغير على الغير في مجلس القضاء، أو هي الإخبار بما علمه الشاهد بلفظ خاص، وهو أشهد أو شهدت أو ما يقوم مقامهما. والصواب أنه لا يشترط لفظ الشهادة كما سيأتي. وكل ما يدل على أداء الشهادة وبيان الحق لصاحبه فإنه يقبل. قال: حكمها: تحمل الشهادة في غير حق الله تعالى -يعني في حق الآدميين- فرضٌ على الكفاية، إذا وجد من يقوم بذلك كفى عن الآخرين لحصول الغرض. وإن لم يوجد إلا من يكفي تعين عليه، لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ يعني إذا كان هناك شهود كثر في قضية من القضايا، فتحمل هذه الشهادة فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين. وإن لم يكن إلا اثنان فقط والشهادة تحتاج إلى شاهدين، كان فرض عين عليهما. قال: وأما أداؤها -ومعنى لا يأبى الشهداء يعني لا يمتنعوا- لا يمتنعوا عن الشهادة إذا طلبت منهم. قال: وأما أداؤها وإثباتها عند الحاكم، ففرض عين على من تحملها متى دعي إلى أدائها، إذا طلب اثنان أو أربعة من الشهود الذين يشهدون على هذه المسألة أو هذا الأمر، وجب عليهم أن يستجيبوا وأن يدلوا بالشهادة. قال: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ قالوا: هذا وعيد شديد لمن كتمها، فدل على فرضية أدائها على من تحملها متى دعي إلى ذلك. فنهى الله عز وجل عن كتم الشهادة؛ لأن فيها ضياع الحقوق، وفيها ضياع الحقوق وذهاب الحقوق أو الأموال عن أصحابها، وتسلط الظلمة على أموال المظلومين. قال: ويشترط لوجوب تحملها وأدائها انتفاء الضرر عن الشاهد، فإن كان يلحقه من ذلك ضرر في عرضه أو ماله أو نفسه أو أهله، فلا يجب عليه، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار» يعني إن كان الشاهد إذا شهد خشي على عرضه أن يعتدي من يشهد عليه على أهله، أو يعتدي على ماله، فمثلاً يحرق بستانه أو يسرق دكانه أو يفعل شيئًا في كسر سيارته مثلاً، فإنه له حق أن يمتنع من إداء الشهادة بسبب هذا الضرر، أو كذلك يخاف على نفسه أن يضرب أو يقتل، فإن كان كذلك له الحق في الامتناع لوجود الضرر. قال: ثالثًا: أدلة مشروعيتها. دل على مشروعية الشهادة الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ فهذه الآيات كلها فيها دليل على مشروعية الشهادة. ومن السنة: حديث ابن مسعود في الصحيحين، وحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر». والبينة قد تكون شاهدين رجلين، وقد تكون رجلاً وامرأتين، وقد تكون أربعة رجال كما سيأتي تفصيل ذلك. وقد أجمع العلماء على مشروعيتها ولإثبات الحقوق؛ لأن الحاجة داعية إليها. المسألة الثانية: شروط الشاهد الذي تقبل شهادته. يشترط فيمن تقبل شهادته الشروط التالية: أولاً: الإسلام، فلا تقبل شهادة الكافر، لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وقوله عز وجل: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ والكافر ليس بعدل ولا مرضي. وهذا واضح. وتقبل شهادة الكفار من أهل الكتاب -يعني من يهود ونصارى- في حال الوصية في السفر لأجل الضرورة. يعني في هذه قضية خاصة تقبل فيها شهادة الكافر الكتابي، وهو إذا كان الإنسان مسافرًا وأراد أن يوصي وليس عنده أحد إلا هذا الكافر، فحينئذ تقبل شهادته. قال: وذلك إذا لم يوجد غيرهم، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾، يعني من غير المسلمين ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ أَيْ مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ يعني السفر في السفر ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ يعني إذا جاءكم الموت وأنتم مسافرون وأردتم أن توصوا وليس عندكم أحد إلا هذا الكافر، فحينئذ لا بأس أن يشهد على هذه الوصية. قال: قال ابن عباس وجماعة كثيرون: في قوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أي من غير المسلمين يعني أهل الكتاب. قال: ثانيًا: البلوغ والعقل، فلا شهادة لصغير وإن اتصف بالعدالة؛ لأنه غير كامل العقل، فهو ناقص الأهلية. لكن تقبل شهادة الصبيان بعضهم على بعض في الجروح خاصة، وبخاصة قبل تفرقهم إذا اتفقت كلمتهم. تقبل شهادة الصبيان بعضهم على بعض: تشاجر الصبيان وتضاربوا، فجرح بعضهم بعضًا، فإذا قال مثلاً عشر منهم: إن فلانًا هو الذي جرح فلانًا، نقبل ذلك منهم. نقبل هذه الشهادة منهم، هذا إذا كان قبل أن يتفرقوا. أما إذا تفرقوا ثم جاءوا قالوا: إن فلانًا جرح فلانًا، هنا ما يقبل؛ لاحتمال أن يكونوا لقنوا. قيل لهم: قولوا فلان، قولوا فلان؛ حتى يعني يبرأوا، فحينئذ لا يقبل. تقبل شهادتهم أما قبل التفرق فلا بأس بقبول شهادة بعضهم على بعض. قالوا: بخاصة قبل تفرقهم إذا اتفقت كلمتهم. وكذا لا تقبل شهادة المجنون والمعتوه والسكران؛ لأن شهادتهم لا تفيد اليقين الذي يحكم بمقتضاه، ولأن -كما مر معنا- تصرفات المجنون والمعتوه والسكران لا تصح، فكذلك لا تقبل شهادتهم. قال: ثالثًا: الكلام، فلا تقبل شهادة الأخرس الذي لا يتكلم، ولو فهمت إشارته. وإنما قبلت إشارته في الأحكام الخاصة به للضرورة؛ أنه لا يمكن أن يتعامل معه إلا عن طريق الإشارة. لكن لو أدى الشهادة بخطه كتابة قبلت؛ لدلالة الخط على الألفاظ، ولأن الخط دلت الأدلة على اعتباره. دلت الأدلة على اعتباره: في حديث ابن عمر قال: النبي صلى الله عليه وسلم: «ما حق امرئ له شيء يوصي فيه يبيت ليلة أو ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده». والنبي صلى الله عليه وسلم كان يكتب إلى الرؤساء والدول والقبائل يدعوهم إلى الإسلام عن طريق الكتابة، فدل على أنها معتبرة. لكن الصحيح أنه إذا فهمت إشارته فإنها تقبل؛ إذا فهمت إشارته فمن مانع من قبولها؟ قال: رابعًا: الحفظ والضبط واليقظة، فلا تقبل شهادة المغفل والمعروف بكثرة الخطأ والسهو؛ لعدم حصول الثقة بقوله؛ لاحتمال أن يكون ذلك من غلطه. لكن تقبل ممن يقل منه ذلك؛ لأنه لا يسلم منه أحد. يعني أن يكون الشاهد عنده يقظة وحفظ وضبط للشهادة؛ حتى لا يختل ولا يختلط فيها فيقع في الخطأ، ويحمل الشيء ما لا يحتمل. أما الخطأ اليسير والشيء اليسير لا يضر؛ أنه لا يسلم منه أحد. خامسًا: العدالة، فلا تقبل شهادة الفاسق، لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ والعدل هو المستقيم في دينه الذي لم تظهر منه ريبة -يعني ما يرتاب منه من فعله الشيء المحرم أو ترك الشيء الواجب- ذو المروءة -يعني أن يكون عنده مروءة- وصاحب المروءة هو الذي لا يفعل الأشياء التي من فعلها عند الناس أو أمام الناس سقطت هيبته ومنزلته. وهذا يختلف باختلاف الأعراف واختلاف البلدان. فبعض الأشياء ربما تكون في عرف من تسقط المروءة، وفي عرف آخر لا تضر. فمثلاً الجلوس في الأسواق قد يكون في عرف من خوارم المروءة، وفي عرف آخر أنه ليس فيه شيء. وكذلك أيضًا حسر الرأس والخروج من غير أن يغطي رأسه بعمامة أو بشيء آخر قد يكون في عرف من خوارم المروءة، وفي عرف آخر ليس كذلك. طيب هذا يختلف باختلاف الأعراف. فإذا كان هذا العدل أو هذا الشاهد ممن يبتعد عن خوارم المروءة التي تعد كذلك في عرفهم، فيكون عدلاً. قال: المؤدي للواجبات والمستحبات، المجتنب للمحرمات والمكروهات. فالفاسق هو الذي يفعل الكبيرة ويصر على الصغيرة، أو بذلك يقع في خوارم المروءة. والمعنى أن يكون في غاية من الكمال في الاستقامة في دينه. وهذا كما قال بعض أهل العلم: في الحقيقة أنه شيء متعسر -يعني قلّ أن تجد شاهدًا توجد فيه هذه الصفات وكمال العدل- فلذلك الصحيح أنه يكفي أن يكون عدلاً فيما يتعلق بأمر الشهادة، فيما يتعلق بأمر الشهادة. فيكون صادقًا بعيدًا عن الكذب، فيكفي ذلك لقول الله عز وجل: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ ولو شرط هذه الشروط أضاعت كثيرًا من الحقوق؛ لعدم وجود الشهداء الذين يتصفون بهذه الأوصاف. المسألة الثالثة: الأحكام المتعلقة بالشهادة. أولاً: يجب على الشاهد أن يكون على علم بما يشهد به، فلا يجوز له أن يشهد بما لا يعلم. قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ وقال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي على بصيرة وعلم. والعلم يحصل بالسمع أو بالرؤية أو بالشهرة والاستفاضة فيما لا يحصل إلا بها غالبًا، كالنسب والموت. إذا لابد أن يكون الشاهد عالما بما يشهد به. فإن كان ما يشهد به يتعلق بالسمع، يكون عنده علم بما سيشهد. يعني يقول: يشهد أنه سمع فلانًا يقول كذا وكذا، فيشهد بما يتعلق بالسمع. وإن كان الشاهد يتعلق بالبصر، فيكون عنده علم وبصر وروية في هذا الأمر؛ أنه رأى وأبصر، فيشهد بذلك على حسب ما رأى ونظر. وإن كان مما يتعلق بالشهرة والاستفاضة، فكذلك. وهذا فيما لا يحصل إلا بها غالبًا، كالنسب -يعني كالشهادة على أن فلانًا ابن فلان- لو حصلت خصومة ومنازعة: هل فلان هذا ابن فلان أم لا؟ فيأتي يقول: أنا أشهد على ما اشتهر واستفاض عند الناس أن فلانًا ابن فلان، هذا يصح؛ لأن معرفة أن فلانًا ابن فلان هذا لا يعرف إلا بالاستفاضة والشهرة. هل هذا الشاهد رأى فلانًا هذا والد فلان لما جامع زوجته ولما حملت ووضعت؟ الجواب: لا. هذا يعرف بالشهرة. يعرف بالشهرة أن فلانًا ابن فلان. إذن هذا يكفي. هذا يكفي في الشهادة على أن فلانًا ابن فلان. وهكذا أيضًا في الموت: إذا مرّ الجنازة فقالوا: هذه جنازة فلان بن فلان، فيشهد بذلك. هل رأى هذا الميت؟ ما رآه ولا حضر موته، لكن استفاض واشتهر أن هذه جنازة فلان بن فلان، فإذا شهد بذلك فهذا يصح. يشهد أن هذه جنازة فلان بن فلان على حسب ما اشتهر واستفاض. قال: ثانيًا: لا تقبل شهادة الأب لابنه ولا العكس؛ لحصول التهمة. وكذلك أحد الزوجين لصاحبه. وتقبل الشهادة عليهم. فلو شهد على أبيه أو ابنه أو زوجته أو شهدت عليه قُبلت؛ لعدم التهمة في ذلك. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ إذا لا تقبل شهادة الفروع للأصول، ولا شهادة الأصول للفروع؛ لأجل التهمة. فلا يشهد الأب لابنه ولا الابن لأبيه؛ لأنه قد يحابى به بسبب القرابة. وهكذا شهادة الزوج لزوجته والزوجة لزوجها؛ لأجل التهمة بالقرابة. لكن إذا كانت الشهادة عليه فتقبل. لو شهد الأب على ابنه قُبلت؛ لانتفاء التهمة، أو شهد الابن على أبيه، أو شهدت الزوجة على زوجها، أو الزوج على زوجته قُبلت؛ في هذه الحال لانتفاء التهمة. قال: ثالثًا: لا تقبل شهادة العدو على عدوه، ولا من يجر إلى نفسه نفعًا بها أو يدفع بها ضررًا عن نفسه. أما العداوة في الدين فلا تمنع قبول الشهادة. فتقبل شهادة المسلم على الكافر، والسني على المبتدع. قال: يقول: لا تقبل شهادة العدو على عدوه. إنسان بينك وبينه عداوة لا يحب لك الخير ويحب لك الشر، فهو عدو لك، فهو عدو لك، فلا تقبل شهادته عليك؛ لما بينك وبينه من العداوة؛ لأن هذا محل تهمة، قد تحمله العداوة أن يشهد عليك بالظلم والكذب؛ حتى ينتقم لنفسه ويشفي غليله، فحينئذ لا تقبل شهادته. ولا من يجر إلى نفسه نفعًا بها: كأن يكون هذا الشاهد إذا شهد على هذا الحق سيكون ممن يرث من هذا المال الذي يشهد عليه، فحينئذ لا تقبل شهادته؛ لأنه يجر بهذه الشهادة نفعًا لنفسه، أو يدفع بها ضررًا عن نفسه: كشهادة العاقلة على أولياء المقتول. شهادة العاقلة على أولياء المقتول: يعني إذا شهدوا مثلاً هذا القاتل قتل خطأ، قتل خطأ فقط، وقتل الخطأ يتحمله من تتحمله العاقلة -تتحمله العاقلة الذين هم عصبة القاتل، عصبة القاتل- فإذا شهدوا على القاتل بالقتل، أو بعدم القتل؛ حتى لا يتحملوا الدية، فلا تقبل حينئذ؛ لأنهم يدفعون بهذا عن أنفسهم ضررًا. وأما العداوة في الدين فلا تمنع -العداوة في الدين لا تمنع من قبول الشهادة- كأن يكون الشاهد سنيًّا والمشهود له مبتدعًا، أو العكس، فإنها تقبل. قال: رابعًا: يجب على الشاهد أن يشهد بالحق ولو على أقرب الناس إليه، ولا تجوز المحاباة. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ يعني لا يمنع القرابة أن تشهد بالحق وبما تعلم ولو على نفسك مما يتعلق بحق من الحقوق، فتشهد على نفسك أنك قلت أو فعلت أو كذا وكذا، فتأتي بالحق الذي تعلمه. قال: وإن كانت الشهادة على والديك وقرابتك، فلا تراعهم فيها، بل اشهد بالحق وإن عاد ضررها عليهم. قال: خامسًا: تقبل الشهادة على الشهادة؛ لأن الحاجة تدعو إلى ذلك، ولكن بشرط تعذر شهود الأصل لمرض أو موت أو غيرهما، مع ثبوت عدالة شاهد الأصل والفرع معًا. إذا تعذر شهود الأصل -يعني مثلاً أنا أشهد أن زيدًا أعطى مالاً لعمر- أنا الآن الشاهد الأصلي، أنا مرضت ومرضت وما استطعت أن أحضر للشهادة، فأقول: يا فلان اشهد على شهادتي أن زيدًا أعطى فلانًا مالاً لعمر، فيشهد على شهادتي هذه. شهادة على الشهادة هذه جائزة في مثل هذه الحالة؛ إذا تعذر مجيء الشاهد الأصلي لمرض أو لبعد -مثلاً تحولت إلى مكان بعيد، سافرت إلى بلد بعيد ما استطيع أن أحضر- فأشهد على شهادتي، هذا جائز في مثل هذه الحالة. الشهادة على الشهادة. قال: سادسًا: لا تقبل شهادة الزور، وهو الكذب، وهي من الكبائر، لقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ ولقوله صلى الله عليه وسلم: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين». وجلس وكان متكئًا قال: «ألا وقول الزور». فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. فشهادة الزور من الكبائر: أن تشهد على شيء بغير علم، تقول: والله هذا حق لفلان، وهو كذب ليس له، أو والله فلان قال كذا وهو ما قال، أو والله سمعت فلانًا يقول كذا وأنت ما سمعت، تشهد بهذا الزور، فهذه كبيرة من كبائر الذنوب. قال: سابعًا: لا يجوز للشاهد أخذ الأجرة على أداء الشهادة. لكن لو عجز عن المشي إلى محل أداء الشهادة، فله أخذ أجرة الركوب. ما يجوز أن يأخذ مالاً، يقول: لا أشهد إلا بمال، تريد أن أشهد ادفع، ادفع وأشهد، إذا ما في فلوس ما في شهادة، هذا لا يجوز. هذا لا يجوز. تشهد ولا تأخذ شيء على هذه الشهادة؛ لأن هذا حق واجب يجب أن تؤديه، ليس لك فيه حق أن تأخذ شيء من المال، إلا إذا كنت في مكان بعيد تحتاج إلى مركب حتى تصل إلى محل الشهادة، فتأخذ أجرة على الركوب فقط. قال: ثامنًا: عدد الشهود يختلف باختلاف المشهود به. فالزنا واللواط لا يقبل فيه ما أقل من أربعة شهود من الرجال، لقوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ يعني فيما يتعلق بشهادة الزنا، فلا يقبل في أمر الزنا واللواط إلا أربعة شهود يشهدون بأنهم رأوا فلانًا يزني بفلانة، رأوا الميل في المكحلة ويصرحون بذلك، لا تقبل الشهادة إلا بذلك. أربعة رجال يشهدون بذلك. لو شهد ثلاثة وتلكأ الرابع ولم يشهد، جلدوا حد القذف، جلدوا حد القذف، ولا يجزئ أن يؤتى بثمانية نساء بدل أربع الرجال، ما يقبل، لابد أربع رجال. قال: أما بقية الحدود كالسرقة والقذف، وكذلك ما ليس بمال ولا يقصد به المال، وكان مما يطلع عليه الرجال في الغالب، كالنكاح والطلاق والرجعة والظهار والنسب والوكالة والوصية ونحو ذلك، فيقبل فيها شاهدان من الرجال، ولا تقبل فيه شهادة النساء، لقوله تعالى في الرجعة: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وأشهدوا ذوي عدل، وهذا لفظ يطلق على الرجال خاصة. ولو كانوا يراد به النساء لقال: ذواتي عدل، فدل هذا على أنه لا بد أن يكون الشهود في هذه القضايا من الرجال. قال: فيقاس عليه سائر ما ذكر، فإنه ليس بمال ولا يقصد به المال، فأشبه العقوبات -يعني كل ما كان من الحقوق من الحدود، وما كان بمعناها مما لا يقصد فيه المال، مما لا يقصد فيه المال وليس هو بمال- كأمور النكاح: لو طلق رجل امرأة، فقيل له: هاتي الشهود، فيأتي برجلين يشهدان أنه طلق زوجته الفلانية، أو راجعها فيشهد كذلك رجلين على هذه الرجعة. وهكذا في باب الظهار: لو قال لامرأة: أنت علي كظهر أمي، فيشهد على هذا الظهار رجلين. وهكذا في بقية هذه الأمور. قال: أما المال وما يقصد به المال، كالبيع والإجارة والأجل -يعني تأجيل دفع الثمن أو دفع المثمن، أي دفع السلعة- والقرض -يعني الدين- والرهن والوديعة ونحو ذلك من العقود المالية، فيقبل فيه شهادة الرجلين أو الرجل والمرأتين، لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ فما يتعلق بالأموال تُقبل فيه شهادة رجلين أو رجل وامرأتين. شهادة رجلين أو رجل وامرأتين: مثلاً في باب القرض أو الدين، يقول: أنا أعطيت فلان دين عشرة آلاف، يقال له: من يشهد لك؟ يأتي برجلين أو رجل وامرأتين يشهدون له أنه أعطى فلان كذا وكذا من المال. قال: ويقبل أيضًا في المال وما يقصد به المال شهادة رجل واحد ويمين المدعي؛ لقضاء النبي صلى الله عليه وسلم بها. يعني إذا كان المدعي ما عنده إلا شاهد واحد -ما عنده إلا شاهد واحد- فيما يتعلق في الأموال، فتُقبل. يأتي بهذا الشاهد فيشهد، ثم يحلف هذا المدعي مع هذا الشاهد، فيقضى له؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشاهد واليمين. قضى بالشاهد واليمين، فتقوم اليمين مقام الشاهد الثاني؛ إذا كان مع المدعي شاهد، تقوم اليمين يمينه مع شهادة هذا الشاهد. قال: أما ما لا يطلع عليه الرجال في الغالب، كعيوب النساء المستورة -يعني كالبرص مثلاً- إذا ادعى أن فيها برصًا، فتُقبل شهادة امرأة واحدة على أن هذه المرأة فيها برص. قال: والثيوبة والبكارة -يعني كونها ثيبًا أو بكرًا- اختصم الزوج مع زوجته، يقول: أنها ثيب، وتقول له: هي بكر، فيؤتى بامرأة واحدة تشهد بأن هذه المرأة إما ثيب وإما بكر، فتُقبل شهادتها؛ لأن هذه أمور لا يطلع عليها في الغالب إلا النساء. والولادة والرضاع: إذا جاءت امرأة وقالت: إن هذا الرجل رضع من المرأة الفلانية خمس رضعات، فيثبت بها التحريم. واستهلال المولود ونحو ذلك -يعني خروجه صارخًا: هل صرخ أو لم يصرخ عند الولادة؟ يكفي شهادة امرأة واحدة تقول: بأن هذا المولود صرخ عند ولادته أو لم يصرخ. قال: ونحو ذلك، فتُقبل فيه شهادة النساء منفردات، وتكفي امرأة واحدة عدلة. ويدل عليها حديث الحارث في الصحيحين: لما جاءت امرأة فقالت: إنها أرضعت عقبة -والذي تزوج بها- فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يسأل عن ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كيف وقد قيل؟» ففارقها، ففارقها وتزوج بامرأة أخرى. قال: ومن ادعى الفقر بعد أن كان غنيًّا، فيشترط لإثبات ذلك شهادة ثلاثة رجال، لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث قبيصة بن المخارق: فيمن تحل له المسألة: «ورجل أصابته فاقة -يعني فقر- حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقة». والحديث في مسلم. وقوله: «من ذوي الحجى» أي من ذوي العقل والفطنة. إذا كان إنسان غني ثم ادعى الفقر، فلا يقبل منه ذلك حتى يأتي بثلاثة شهود من ذوي العقل والرجاحة والفطنة، فيشهدون له أنه فعلاً أصبح فقيرًا، احتاجت ماله الجائحة أو سرق أو حرق أو غير ذلك، فيشهدون له بذلك، فيقبل قوله وادعاؤه الفقر. قال: التاسع: لا يشترط في أداء لفظ الشهادة أن يقول: أشهد أو شهدت، بل يكفي في ذلك قوله: رأيت كذا وكذا، أو سمعت أو نحو ذلك؛ لعدم ورود ما يدل على اشتراط ذلك. وبعد فهذا ما يسأل الله سبحانه جمعه في هذا المختصر. نسأل الله أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وينفع به عباده المؤمنين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبهذا نكون انتهينا من قراءة هذا الكتاب المبارك: الفقه الميسر. نسأل الله جل وعلا أن يغفر ويثيب لمؤلفه، وأن ينفعنا به، ويجعله في ميزان حسناتنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على