الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 251، ألقاها
يشرح المقطع سند حديث عن طارق المكي ويبرز أهمية سفيان الثوري كإمام حافظ لأهل الكوفة. يتحدث عن رواة الحديث وتقييمهم، ويذكر أن معاوية بن هشام قد تكلم فيه بعض العلماء لكن ظاهره الحسن.
يتناول المقطع حكم العمراء في الإسلام ويشرح الحديث النبوي الذي يفيد بأن العمراء جائزة ولمن أعطيت له ولعقبه. كما يبين أن الهدية أو العمراء تصبح ملكا لمن أهديت له.
يتناول المقطع أحكام الصدقة ويوضح تحريم الرجوع فيها أو شرائها مرة أخرى، حتى لو بدرهم، لأن الصدقة أعظم من الهدية. هذا النهي يدل على أن الصدقة يجب أن تكون خالصة لوجه الله تعالى.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، ما بعد. قال شيخنا مقبل بن هادي الوالد رحمه الله: قال أبو داود رحمه الله تعالى: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، وعثمان بن محمد بن إبراهيم العبسي الكوفي، وعثمان من حفاظ أهل الكوفة، واخوه أيضا عبدالله بن محمد، أبو بكر بن أبي شيبة أيضا حافظ كبير من حفاظ أهل الكوفة، قال: حدثنا معاوية بن هشام، ومعاوية بن هشام هو الأسدي الكوفي. ومعاوية بن هشام قد تكلم فيه بعض العلماء، لكن الظاهر أن حديثه لا يخرج عن الحسن، وانكر عليه بعض الأشياء عن سفيان الثوري، لكن ظاهر في الجملة أن حديثه صحيح. وهذا الحديث قد جاءت له شواهد مما يدل على صحته. قال: حدثنا سفيان بن سعيد الثوري رحمه الله، الإمام الحافظ الكبير، حافظ أهل الكوفة وإمامهم، إمام السنة في الكوفة؛ فإنها الكوفة أكثرهم من حروف، فمنهم من كان مرجئا، ومنهم من كان شيعيا، فصار سفيان الثوري إماما لأهل السنة، فكل من كان من أهل السنة يلحق بسفيان رحمه الله. قال: عن حبيب، عن عدي بن أبي ثابت، وهو أيضا كوفي ثقة، عن حميد بن العرض، وهو أيضا كوفي، عن طارق المكي، وهو طارق بن عمر المكي، كان قاضيا، يقال إنه في المدينة، وفي مكة أيضا هو مكي أصله، لكن مسك القضاء في المدينة لعثمان بن عفان رضي الله عنه، ويقال إنه كان فيه شيء من الجور والظلم، إلا أنه كان من أهل الاتباع. ولهذا لما جاءت هذه القضية استدعى جابر بن عبد الله، كما جاء في صحيح مسلم في حديثه: بالزبير، عن جابر، أن طارق بن مكي استدعى جابر بن عبد الله في قضية امرأة، أو في قضية رجل أهدى وأعطى وأعمر، أو أعمر لأمه حديقة، ويقال إن المرأة هي التي تصدقت. معنى ذلك: في حديث مسلم المرأة هي التي تصدقت، وهنا إنها إن ابنها هو الذي تصدق عليها، والامر سهل، لكن القصة حصلت. وكذلك جاء في حديث سليمان بن يسار أن طارق المكي أشهد جابر بن عبد الله في هذه القضية، فثبتت هذه القضية، وأن طارق بن عبد الله أشهد جابرا فيها. ولهذا بعض العلماء يقول: إن طارق المكي لم يرو الحديث عن جابر، وإنما أشهده فيها، ثم أرسل إلى عبد الملك في هذه القضية، وأن جابرا شهد فيها. فقال عبد الملك: صدق جابر. وعبد الملك بن ورغان كان طالب علم، وكان أيضا من الحفاظ الذين يتتبعون العلم. والمهم أنه قال: صدق جابر. قال جابر: قضى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في امرأة من الأنصار أعطاها ابنها حديقة من نخل، فماتت. فقال ابنها: إنما أعطيتها حياتها، وله إخوة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هي لها حياتها وموتها». قال: أي هذا الابن، كنت تصدقت بها عليها؟ قال: نعم. قال: «ذلك أبعد لك». قال: هذا حديث حسن على شرط مسلم، وإنما قال: حسن، لحال معاوية بن هشام، وأيضا لحال طارق المكي. فهنا هذا الحديث، وهذه القضية حكم فيها جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه قضى بالعمراء. وقد جاء في الصحيحين حديث جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن العمراء، قال: «هي له ولعقبه». سئل عن العمراء، قال: «هي جائزة، فهي له ولعقبه». وجاء في لفظ: «من أعمر عمراء فهي لمن أعمرها ولعقبه»، يعني من العمراء، والمراد بها الهدية التي يكون فيها هدي لعمار بيت، فسميت عمراء. من أعمر عمراء فهي له ولورثته، فهي له ولعقبه. فصح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. ولهذا من أهدى هدية، أو أعمر عمراء، فتكون ملكا لمن أعمرها له، وأهداها له، تكون ملكا لمن أهداها له وأعمرها له، ولا يجوز له الرجوع، إلا أن كان والدا، فيجوز أن يرجع فيما أعطى ولده، مثل ما رجع الصديق رضي الله عنه في الأرض التي أعطاها عائشة قبل موته رضي الله عنه. فلهذا أما غيره، فإن أعمر لأحد عمراء، حتى الوالد مثلا إذا أعمر عمرة لأحد ابنائه، أو الوالدة أعمرت عمراء لأحد ابنائها، وأعطته هدية، وماتت، فالهدية معه، فهي ملكا له. لكن إن قال مثلا: أسكن في هذا البيت مدة حياتك، فهذا لم يعطيه البيت. لكن لو قال: أهديتك هذا البيت مدة حياتك، فهذا غير صحيح، فتكون له ولعقبه. وهكذا إذا قال: أعمرتك وعقبتك هذا، تسمى العمراء والعقباء، أو أعطيتك هذا البيت مدة حياتك، فهذا أيضا خطأ، يكون له حياته وموته، أو يكون لورثته، يكون لورثته. لكن كما قلنا: إذا أعطاه شيء ينتفع به فقط، مثل السكنى، مثل الاستمتاع بشيء، أو مثلا يقول له: خذ هذه السيارة، اتركها عندك، اركبها، وقضي مشاويرك فيها ما دمت على قيد الحياة، حتى آخذها منك أو تموت، فهذا ليست هدية، وإنما أراد أن يستعمل فقط. أما إن قال له: خذ هذه السيارة هدية لك، فهي تعتبر له لورثته من بعده. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هي لها حياتها وموتها». فقال هذا الابن: كنت تصدقت بها عليك؟ قال: نعم. قال: «ذلك أبعد لك». إن الصدقة أحق، الصدقة أعظم من الهدية، إن الصدقة إذا أعطيت للمسكين فهي حق له، لا يجد لأحد أن يرجع فيها، ولو كان الوالد على ولده. ولهذا لما وضع رجل من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة عند رجل من المسلمين في المسجد، فجاء ابنه يزيد وأخذ هذه الصدقة محتاجا لها، فرأى هذه الصدقة أبوه معه، فقال: ما أردت أن تكون هذه لك، أنا أعطيتها إنسانا، ما أردتها لك. فاختصم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يرجعها، وإنما قال: «لك ما نويت يا يزيد، ولك ما نويت يا معن». معنها: كان نيته صدقة، لكن هذه الصدقة وقعت في كف ابنه، فهو لم يعطها إياه، لكنه لم يرجعها النبي صلى الله عليه وسلم إلى صاحبها، لماذا؟ لأنها قد وقعت صدقة، فالصدقة إن أعطيت للإنسان فهي ملكه، لا يجد له أن يرجع فيها. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: «لا ترجع في صدقتك، ولو بدرهم، ولا تشتريها ولو بدرهم». لا ترجع في صدقتك، ولا تشتريها ولو بدرهم. فالصدقة أعظم من الهدية، فلهذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ذلك أبعد لك». ذلك أبعد لك. فهذا -إن شاء الله- خلاصة ما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم.