التعليق على العقيدة الطحاوية 132

الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 132، ألقاها

التبرؤ من أهل البدع والتحذير منهم

يتناول أهمية التبرؤ من أهل البدع والتحذير من الفرق الضالة مثل المعتزلة والجهمية والقدرية، ويشير إلى أن التبرؤ منهم سنة عن السلف. كما يتطرق إلى فرقة الأشاعرة ومنهجهم في تحريف صفات الأفعال لله تعالى.

انتقاد مذهب الأشاعرة في تأويل الصفات الإلهية

ينتقد مذهب الأشاعرة في تأويلهم للصفات الإلهية والإرادة، ويبين بطلان هذا المذهب من القرآن والسنة والواقع اللغوي. كما يشير إلى نفيهم لإرادة البشر واعتبارهم من يثبتها مشركًا.

نقد مذهب الأشاعرة في إثبات وجود الله وتفاصيل معتقداتهم

يناقش مذهب الأشاعرة في إثبات وجود الله ويبين اختلافه عن مذهب أهل السنة، كما ينتقد قاعدة الأشاعرة التي تقول أن لكل حدث محدث. ويشير إلى أمور أخرى عندهم تتعلق بنفي الصفات وتحريفها.

  • 25 جمادى الآخرة 1441هـ - 19/02/2020مـ
التفريغ النصي الكامل

الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فذكر المؤلف رحمه الله الإمام الطحاوي، قال: ونسأل الله تعالى أن يثبتنا على الإيمان، ويختم لنا به، ويعصمنا من الأهواء المختلفة، وعصمنا معنا، يجنبنا هذه الأهواء المختلفة والأراء المتفرقة والمذاهب الردية، مثل المشبهة والمعتزلة والجهمية والجبرية والقدرية. القدرية أو المعتزلة الذين يقولون بأن العبد أنفذ قدر، ويقولون أن العبد يخلق فعل نفسه، كما تقدم معناه في الكلام على المعتزلة. قال: وغيرهم من الذين خالفوا السنة والجماعة، قد ذكرنا ما معنى السنة والجماعة فيما تقدم، وحالفوا الضلالة لأنهم ضلوا عن طريق أهل السنة والجماعة. قال: وَلَحِنُوا مِنْهُمْ بُرَاءِ، والتبرّي من أهل البدع هي سنة عن الأوائل، أي عن السلف، أنهم يتبرؤون من أهل البدع. وأيضًا لا يكمل إيمان الشخص حتى يحب لله ويبغض لله، وكما جاء في حديث عبد الله بن عباس. وقال أيضًا صلى الله عليه وسلم: «أن أحب في الله وأبغض في الله فقد استكمل الإيمان»، فلهذا أهل الأهواء يتبرأ من طريقتهم ويبغضون لأجل بدعتهم. ولهذا جاء عبد الله بن عمر، لما ذكروا له القدرية، قال: أخبروهم أني بريء منهم، وهم براء مني، تبرأ منهم بن عمر. وكان السلف كما ذكر بن بطة -أو أقصد بن يبان للعكبري- كان السلف يعلمون أولادهم الولاء والبراء، كان البراء من أهل البدع والولاء لأهل السنة، ذكر ذلك عن الشعبي وعن غيره. فلهذا فالبراء من أهل البدع لابد منه، لكن البراء من أهل البدع ليس كالبراءة من أهل الكفر والشرك وهو أعظم. فأهل البدع إن كانوا من أهل الإسلام فهم لهم حق الإسلام، ومحبتهم لأجل الإسلام، وإلا فهم يبغضون لأجل هذه البدع التي جاءوا بها. وذكرنا هذه الفرق التي ذكرها المؤلف، ثم قال: وغير من الذين خالفوا السنة والجماعة، وهي فرق كثيرة، لكن نذكر فرقة مشهورة نختم بها الكلام على هذه العقيدة، وهي فرقة الأشاعرة. الأشاعرة ينتسبون إلى أبو الحسن الأشعري، واسمه إسماعيل أبو الحسن الأشعري. وأبو الحسن الأشعري له أطوار، كان معتزليًا ثم تاب وتكلم على المعتزلة، وبقي فيه شيء من الرواسب، فكان على مذهب الكلابية. لما رد على المعتزلة كان على مذهب الكلابية، عبدالله بن سعيد الكلاب، وهم من مذهبهم. والبدعة التي جاءوا بها أنهم يحرفون صفات الأفعال، أي لا يثبتونها لله، صفات الأفعال كالمشيئة والمجيء والرضا والغضب وغيرها، فلا يثبتونها. فأخذ بهذا فترة من الزمن، ثم ظاهر أنه رجع، كذلك تجد في كتبه المتأخرة، كالمقالات الإسلاميين، وكذلك آخر ما ألفه هو كتاب الإبانة، فإنه ذكر أنه على طريقة أحمد بن حنبل، وذكر إثبات الصفات حتى الفعلية، ذكر حتى إثبات صفات الفعل. لكن أخذ عليه بعض الأشياء في هذا الكتاب، أو في الإبانة قليل، وفي المقالات الإسلامية. وإلا فهو أثنى على طريقة الإمام أحمد، وبيّن أنها طريقة السنة، حتى في المقالات. ومقالات الإسلاميين كتاب عظيم، ذكر فيه مقالات أهل البدع، وأيضًا غيرهم من أهل الأهواء ممن بدعهم تخرجهم عن الإسلام. وأما الأشعري، فالكلام عليهم طويل، لأن الأشعري كما قلنا أخذ بمذهب متأخر، الذي كان ينفي ويحرف ولا يثبت صفات الأفعال. ثم أن هذا المذهب تطور، تطور هذا المذهب، فممن أخذ به الباقلاني، أو بكر الباقلاني، وأخطأ في مسألة النبوات خطأ عظيم، ورد عليه شيخ الإسلام في كتاب النبوات. وأيضًا في مسألة الآيات والمعجزات، قد ذكرنا ذلك في سياق الكلام على هذه الأمور. وأيضًا كذلك بعد ذلك جاء الرازي، وقع في مذهبهم بأشياء كثيرة، في القدر كذلك في الإيمان، وكذلك أيضًا في بعض الصفات التي تتعلق أو بعض الأشياء التي تتعلق بالتوحيد، كإثبات الخالق وغيرها من هذه الأشياء التي أتوا بها. حتى أنهم كانوا لا يثبتون الحكمة لله عز وجل. وأيضًا كل لام سببية في القرآن، يؤولونها، أنهم ما يثبتون لا من سببية ولا الفعلية، لأنهم يرون أنه لا إرادة لأحد إلا لله، يقولون: لا إرادة لأحد، أن الناس والبشر ليس لهم إرادة، وإنما الإرادة لله عز وجل فقط. والآيات التي جاءت في الإرادة، يتأولونها إلى غيرها. حتى لما ذكر الله عز وجل جدارًا يريد أن ينقض، قالوا: هذا مجاز، ليس هذا حقيقة، أن ليس المراد أن الجدار له إرادة، هم ما يؤمنون أن البشر تكون لهم إرادة. فهذه كانت أبعد عليهم. وقول الله عز وجل: «يريد الإنسان ليفجر أمامه»، عن الإنسان له إرادة، هو الذي اختار الشر، اختار الطريق، هذه فهم يتأولونها إلى غير ذلك، ويقولون: لا إرادة له، وإنما الإرادة لله. ولهذا فمن مذهبهم الرديء، أنه من أثبت إرادة لغير الله يعتبر عندهم مشرك، من أثبت إرادة لغير الله يعتبر عندهم مشرك. ولهذا يقولون: من قال أن النار تحرق، فهو مشرك. فلهذا لا يقول الإنسان مثلًا إذا احترق الإنسان: لا يقول مثلًا حرقتني النار، وإنما يقول: حرقت بالنار، حرقت بالنار، ما يقول حرقتني، يجعل إرادة للنار. وهذا كلام باطل، أن باطل شرعًا، وأيضًا من باب اللغة، من باب الواقع، معنى الناس يتكلمون بهذا الكلام. فمثلًا إذا كسر الحجر الزجاج، فماذا يقول الناس؟ كسر الحجر الزجاج، فهم عندهم هذا الكلام شرك، لماذا؟ لأنك تجعل للحجر إرادة، وإنما تقول: كسر الزجاج بالحجر، أو تقول: كسر الزجاج لما جاء فيه الحجر، فهذا كله كلام باطل. من ناحية أولًا أن الله عز وجل قد جعل السبب موجود في الأفعال، ومن ذلك كما قلنا: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، بل ﴿يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾، فجعل أن الإنسان هو الذي يتسبب في طغيانه، طغيان نفسه. قال الله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن يَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾، فأثبت لهم الميل، أنهم يبتعدون عن المعاصي، يبتعدون عن ما يوقعهم في الفساد. فهذا أيضًا سبب، وغيرها من الآيات الكثيرة المتكاثرة في القرآن في السببية، اللام السببية والفاعلية، وكل ذلك نفوه وحطلوه. ولهذا تجد أن مذهب الأشاعرة في هذه الأبواب بعيد جدًا عن مذهب أهل السنة، بل حتى في إثبات وجود الله عز وجل، فإثبات وجود الله، أهل السنة يقولون: بالفطرة، الناس يعلمون ذلك بالفطرة التي فطر الله عز وجل الناس عليها. لكن هؤلاء يقولون: لا، لا يكون العبد مؤمن حتى يستدل وينظر، لابد من النظر والاستدلال، ينظر في الكون ثم يستدل على وجود الله، بالقاعدة الهزيلة التي عندهم، قاعدة التي عندهم قد وضعوها من عند أنفسهم، ولم يشرعها الله عز وجل، وهي أن لكل حدث محدث، لكل حدث محدث. وهذه قاعدة باطلة، وإن كانت معناها موجودة، لكن على إطلاقها خطأ. فهم جعلوا هذه القاعدة هي الدليل على وجود الرب جل وعلا، معناها أن كل حدث له محدث، كل حدث له محدث، وهذا ليس صحيح. قد يكون هناك أحداث يجعلها الله عز وجل بدون سبب، فالله عز وجل خلق آدم من دون أب وأم، قال: ليس هناك سبب تسبب به أو محدث. فهنا الله عز وجل الذي خلق، ليس هناك شيء من المحدثات التي حصلت، لا تزاوج ولا كذا، وغيرها من هذه الأشياء التي قد تذكر. فهؤلاء يقولون: أنه يستدل بالنظر أولًا، ثم يستدل على هذا النظر بوجود الله جل وعلا، أن التفكر في المخلوقات وكذا، وهذا يأتي بعد الاعتراف بوجود الله عز وجل، هذا يأتي بعد ذلك. ولهذا قال الإمام ابن حزم: «من قال عرفنا الله بغير الله فهو مبتدع»، من قال: عرفنا الله بغير الله فهو مبتدع، أن من قال: أننا عرفنا الله فقط بالتفكر والاستدلال وحذا، فهو مبتدع. لأن الصحابة رضي الله عنهم ما عرفوا الله ولا آمنوا مثل هذه الأشياء، وإنما يسمع القرآن فيؤمن بالله، يسمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم فيؤمن. وعندهم هذه الأشياء المخلوقات، وعندهم السماوات وعندهم الجبال، ما تفكروا فيها ثم آمنوا بالله. فلهذا فهذا مذهب هزيل، حتى في الإيمان بالله ووجوده. ولهذا أهل السنة يقولون: أن أول واجب على العبيد هو إيش؟ توحيد الله جل وعلا، أول واجب هو التوحيد. لكن هؤلاء يقولون: أول واجب هو النظر والاستدلال، أول واجب على الناس النظر والاستدلال. من آمن من آمن بدون نظر والاستدلال عندهم يعتبر كافر، جحد معنى إيمانه، إيمان الجاهلية. وهذا كما قلنا من أبعد الأقوال عن السنة. وعندهم وعندهم أيضًا أمور من هذا الباب، إن شاء الله وتعالى، لعل الوقت قد جاء في درس اللاحق، إن شاء الله نذكر أيضًا بعض الأشياء التي عندهم، كنفي الصفات وغيرها، يحتاج إلى درس آخر في ذكرهم في تحريف الصفات، وأنهم يؤمنون بالسبع الصفات وكذا. فهذا إن شاء الله نتركه في درس اللاحق، فنكتفي بهذا.

شاركنا على