التعليق على العقيدة الطحاوية 15

الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 15، ألقاها

مقدمة في مراتب القدر

الدرس يبدأ بشرح مراتب القدر الأربع في العقيدة الإسلامية حسب أهل السنة. يُوضح أن كل ما يحدث في الكون يقع بتقدير الله ومشيئته.

التفصيل في مراتب القدر ومشيئة الله

الحديث يتعمق في مراتب القدر، خاصة المرتبة الرابعة وهي المشيئة، حيث يُبين أن كل شيء يحدث بمشيئة الله تعالى، وأن مشيئة الله نافذة ولا تخرج عنها مشيئة العبد.

تأثير مشيئة الله على أفعال العباد وعدله

يشرح أن كل شيء في الكون يحدث بمشيئة الله، وأن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء وفقًا لفضله وعدله، مع التأكيد على أن كل أفعال الله حكمة.

التعليق على أحكام الله وعدالته

الدرس يناقش عدالة الله تعالى في الرحمة والعذاب، مستشهدًا بحديث أبي أيوب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، مؤكدًا أن الله يرحم أو يعذب بغير ظلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، فأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فذكرنا في درس مضى في كتاب الطحاوية العقيدة الطحاوية، وما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى من كلمات في باب القدر، فقال: خلق الخلق بعلمه، وقدر لهم أقدارًا، وضرب لهم أجالًا، لم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم، وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته. وهذا كما قلنا كله في مرتبتين من مراتب القدر، وهي العلم والكتابة. العلم والكتابة أن الله عز وجل علم ما العباد فاعلون، ثم قدر لهم ما علمه منهم، سبحانه وتعالى. وجاء في حديث عبد الله بن عمر أن الله قدر مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء. ثم قال رحمه الله تعالى: وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته، ومشيئته تنفذ، لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان، وما لم يشأ لم يكن، يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلًا، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلًا. وكلهم يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله. فهذه الفقرة أيضًا متعلقة بالقدر. وقلنا أن العلماء ذكروا أن القدر له أربع مراتب، كما ذكرها شيخ الإسلام وغيره. وألف الإمام ابن القيم "شفاء العليل بمسائل القضاء والقدر والتعليل"، وتوسع في هذا الباب، وفي ضرب الأمثلة، وفي الرد على الممترين في هذا الباب. فأولًا، كما قلنا، أن أهل السنة عندهم القدر على أربع مراتب: العلم والكتابة والخلق والمشيئة. فالعلم كما ذكرنا، والكتابة أيضًا ما كتبه الله عز وجل من أعمال العباد. والخلق، والخلق هو ما خلقه الله عز وجل في هذا الكون من خير وشر، من خير وشر، فكل ذلك عنده سبحانه وتعالى. ولهذا جاء في الحديث حديث جبريل بالإيمان، فقال: ما الإيمان؟ قال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، وبالقدر خيره وشره، أي من الله تعالى. وجاء في بعض الروايات: حلوه ومره. وكل ذلك من الله سبحانه وتعالى، كان خيرًا أم شرًا، وكل ذلك بحكمته جل وعلا. فهو يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلًا، لفضله وحكمته سبحانه وتعالى، فإنه يهدي من يشاء، ويقدر الخير لمن يشاء. وأيضًا يقدر الشر لمن يشاء، بعلمه سبحانه وتعالى وحكمته. والشر خلقه الله عز وجل أيضًا لحكمة، خلقه الله عز وجل لحكمة. فأفعال الله عز وجل كلها حكمة، وأيضًا علم. فالشر ليس في أفعال الله عز وجل. ولهذا قال في الحديث: "والشر ليس إليك"، أي لا يُنسب الشر إلى الله جل وعلا، لأن أفعاله كلها خير سبحانه وتعالى، لكن خلق الشر لحكمة وابتلاء منه سبحانه وتعالى. فلهذا فأولًا العلم، ثم الكتابة، ثم الخلق والمشيئة. الخلق كما قلنا خلق كل شيء سبحانه وتعالى، حتى الخير والشر، كما جاء في حديث ابن عباس: "حتى العجز والكيس، حتى العجز والنشاط"، أيضًا خلقه الله عز وجل. فكل شيء خلقه بقدر أيضًا. وكذلك المشيئة، المرتبة الرابعة، هي المشيئة، وهي ما ذكر هنا المؤلف رحمه الله، وقاله: كل شيء يجري بتقديره ومشيئته، ومشيئته تنفذ، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. فكل مشيئة الله عز وجل نافذة في كل شيء، لا يخرج شيء عن مشيئته سبحانه وتعالى وحكمه. فلهذا قال: ومشيئته تنفذ. وقد قال الله عز وجل: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. حتى مشيئة العبد فهي متعلقة بمشيئة الله جل وعلا. فالله عز وجل جعل للعبد مشيئة وإرادة يفعل بها الفعل. وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على الإرادات، وكذلك على الاستطاعة التي هي قبل الفعل، والاستطاعة مع الفعل. فالله عز وجل خلق العباد وخلق أعمالهم، وخلق لهم مشيئة. لمن شاء منكم أن يستقيم، فجعل له مشيئة. وهذا فيه رد على الجبرية الذين سلبوا العبد مشيئته. وفي الجزء الثاني من الآية: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، فيها رد على المعتزلة القدرية الذين يقولون: إنه لا علاقة لله عز وجل في فعل العبد، فإنما العبد يخلق فعل نفسه. وهذا باطل كذلك. والسنة وسط بين هاتين المقولتين، فهم يثبتون مشيئة للعبد، لكن هذه المشيئة تابعة لمشيئة الله جل وعلا النافذة في كل شيء، أي لا يكون شيء في هذا الكون إلا بمشيئته وبتوفيقه سبحانه وتعالى وحكمته وأمره جل وعلا، أي أمره الكوني. فمثلًا الإنسان عنده مشيئة، مثلًا يريد أن يذهب إلى المسجد يصلي في المسجد، لكن مقهور هذا الشيء، هل سيقع أو لا يقع؟ هذا عند الله جل وعلا. ممكن أن الله عز وجل يصرفه عن المسجد لأجل حكمة منه سبحانه وتعالى. إنسان أيضًا كذلك، سيقوم الليل أو يريد أن يقوم الليل ويتهيأ ويجعل الأسباب التي تقيمه الليل، ثم لا يقوم، لماذا؟ الله عز وجل لم يوفقه لذلك، لأجل أمر قد يكون مثلًا ذنوبه تحول بينه وبين ذلك، أو يكون لأمر آخر أراده الله جل وعلا. فلهذا فالعبد له مشيئة، هي كما يسميها العلماء استطاعة قبل الفعل. وأما الاستطاعة التي مع الفعل فهي لله جل وعلا، وهي التوفيق. حتى المعصية أيضًا كذلك، قد يكون الإنسان يريد أن يعصي الله عز وجل في مكان ما، فيذهب إلى ذلك المكان، ثم لا يوفق، إما أنه لا يجد من أراد أن يعصي معه، أو أنه يحصل له شيء، أو أنه يتوب ويرجع، وغيرها من هذه الأمور التي يكون بتوفيق الله جل وعلا وبمشيئة الله سبحانه وتعالى. فلا يكون شيء في هذا الكون إلا بمشيئة نافذة سبحانه وتعالى على كل شيء، لا يقع شيء في هذا الكون إلا تحت مشيئته. فقال جل وعلا: لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم. أو قال المؤلف رحمه الله: لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان، وما لم يشأ لم يكن. وما يكون إلا ما يشاء سبحانه وتعالى، ما يكون في هذا الكون إلا ما يشاءه جل وعلا. فقال: يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلًا، أي لفضله سبحانه وتعالى. وإلا فالملك ملكه، والخلق عبيده جل وعلا، لكن من فضله سبحانه وتعالى وفق بعض العباد إلى الهداية. وأيضًا كذلك عافاهم من الشر، وجعلهم من أهل الخير. وهذا كله بفضل الله جل وعلا. وأيضًا يدخل هذا في علم الله عز وجل الذي علمه من هؤلاء العباد، وعلم طاعتهم. قال: ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلًا، يعني ضلال من ضل لعدله سبحانه وتعالى، ليس ظلمًا له، بل هو أراد الضلالة، واتخذ أسبابه. والله عز وجل علم من هذا الشخص أنه من أهل الضلال، فكتب له وقدر له أنه من أهل الضلال. ولهذا فإن العبد يكتب عمله شقي أو سعيد وهو في بطن أمه. وهو في بطن أمه يكتب عمله. وأيضًا كذلك يضل ويبتلي عدلًا، أيضًا يبتلي عباده ويخذلكم عدلًا منه سبحانه وتعالى، وحكمة منه جل وعلا. قالوا: وكلهم يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله وحكمته سبحانه وتعالى. وقد يكون المؤلف لم يأت بالحكمة لأجل أن فيها خلاف بين الأشاعرة أو بين الكلابية الذين كان المؤلف أحيانًا يأخذ منهم، وكذلك بين أهل السنة. الكلابية أو الكلابية لا يثبتون الحكمة لله في أفعال الله عز وجل. وأهل السنة يثبتونها، على أن أفعال الله عز وجل كلها حكمة، فيضل بحكمة ويهدي بحكمة سبحانه وتعالى. قالوا: كلهم يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله، إما فضل من الله جل وعلا يهدي به من يشاء، أو بعدله سبحانه وتعالى، فإنه يضل من يشاء جل وعلا، ويخذل ويبتلي سبحانه وتعالى، لحكمته وعدله عز وجل، لأن الملك ملكه، والخلق خلقه سبحانه وتعالى. فإن رحمهم فهو بفضله جل وعلا، وإن عذبهم فهو غير ظالم لهم، كما جاء ذلك في حديث أبي أيوب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فهذا خلاصة ما يذكر من التعليق على هذه العبارات التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.

شاركنا على