الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 277، ألقاها
جاء الحارث بن حسان إلى النبي صلى الله عليه وسلم باقتراح لجعل أرض الدهناء حاجزًا بين بني تميم ومضر، ولكن اعترضت عجوز من مضر على هذا الاقتراح. أدى ذلك إلى تعليق من النبي عن التسبب في إيذاء النفس.
يشرح المقطع قصة وافد عاد الذي أرسله قومه ليدعو لهم ويستسقي، ويقارنها بموقف الحارث بن حسان، ويبين تواضع النبي في استماعه للقصة. كما يروي قصة وفد عاد الذي استسقى في مكة.
أرسلت عاد وفدًا إلى مكة لاستسقاء الله، فاختاروا سحابة سوداء تحمل عذابًا أليمًا، فأصبحت ريحًا عقيمًا دمرت كل شيء. يرى العلماء أن هذه القصة تتعلق بعاد المعروفة التي أرسل الله عليها الريح العقيم.
نصر النبي صلى الله عليه وسلم بالرياح الشرقية، بينما أهلكت عاد بالرياح الغربية، مما يظهر تأثير الرياح في الأحداث التاريخية والشرعية.
بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، ومن والاه. قرأنا في الدرس الذي مضى قصة الحارث بن حسان رضي الله عنه في مجيئه ووفادته إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وذكر قصته، وأنه جاء من بلده ليشتفي من العلاء بن الحضرمي، وكان عاملا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فمر بالغابة، وكانت هناك عجوز من مضر من بني تميم، فأخذها معه، وكان بينهم وبين بني تميم عداوة، فأخذها معه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فلما دخل المسجد، وجد المسجد غاصا بالناس، وكانت هناك رايات، فسأل، فقالوا: أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبعث عمر بن العاص. ثم استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم، فدخل، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن أمرهم بينهم وبين مضر، فقال: أو الحروب التي تحصل بينهم؟ فدبرت عليه العجوز، ثم ذكر له أن هناك أمرا أراد أن يستشير النبي صلى الله عليه وسلم فيه، وهو أن بينهم الحرب، هم بني تميم، فأراد أن يجعل أرض الدهناء حاجزا بينهم وبين مضر. وأرض الدهناء هي أرض بينهم، وفيها عشب كثير، وهي أرض عشبية، يأتي أغنام هؤلاء وأغنام هؤلاء، فيرتعون فيها. فأراد أن يجعل هذه الدهناء حاجزا لهم. فلما علمت العجوز، وكانت تسمع مقاله لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستوفزت وحميت، وقالت: يا رسول الله، أين تضطر مضر؟ أين تذهب مضر؟ لأجل رعي أغنام، هذه الأرض من أفضل الأرض التي ترعى فيها الأغنام، فإذا أعطيتها ربيعة، كيف لمضر أن تأتي أنعامهم إلى هذه الأرض؟ فقال هذا الرجل، هذا الحارث بن حسان الصحابي: «حملت هذه ولا أشعر أنها كانت لي خصما». فقال: «أعوذ بالله أن أكون كما قال الأول». وقال في رواية: «مثل ما قال الأول: عنزة حملت حتفها». والمراد بهذا أنه يقال أن الرجل كان معه عنزة تمشي معه، لا يدري ما يفعل بها، فحفرت هذه العنزة في الأرض، فطلعت سكين، فقال: «فهذه لك، فاذبحها». فهي بحثت عن حتفها. فقيل: هذا المثال من أراد أو تسبب في إهلاك نفسه أو تسبب في إيذاء نفسه، فهذا يقول: الآن أخذت هذه العجوز، وهي عدوة لي. فلما ذكرت هذا الأمر، قامت هذه العجوز معارضة على ما قال. ثم ذكر أنه مثل ما فعل وافد عاد، أنهم أرسلوه قومه لأجل أن يخبر النبي صلى الله عليه وسلم بهذا، فهو جاء بهذه العجوز من مضر، فعطلت عليه هذا الأمر. فاستدل على أن هذا مثل ما فعل وافد عاد. ووافد عاد هو قيل: أرسلوه لأجل أن يذهب إلى الحرب، يدعو لهم، ويستسقي لهم في الحرب، لأنهم قحطوا، قحطت الأرض عليهم لمعاصيهم ومخالفتهم وعصيانهم. فإن كانت هذه عادة هي عادة التي كان فيها هوت، وعادة على قول جمهور العلم، إن كانت هي، فهي لما عصوا نبيهم وأعرضوا عنه وكفروا. قال الرب: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾، قريبة من مدينة مرحلة، ثلاثين كيلو، وهي موضع الآن يستريح فيها حجاج العراق، أنا من الجاي من العراق إلى المدينة. فهم بنو بكر يقولون أن بني بكر في الشمال، في شمال المدينة، معنى قرب الأردن. وكذا الله أعلم، وربيعة في الشرق، ربيعة في شرق العراق، ومعنى عاصمتهم الموصل، أنا أكثرهم كانوا في الموصل. وأما مضر فهي غرب الفرات، غرب الفرات، والظاهر قرب هنا بعد بغداد أو جزء منها في بغداد. فهنا أخذ هذا الحارث بن حسان أخذ العجوز هذه، وهي من مضر، وهم بينهم وبين هؤلاء البكريون حروب، فأراد أن يجعل النبي صلى الله عليه وسلم الدهناء حاجزا بينهم وبين بني تميم، فاستوفزت هذه العجوز. فذكر له أنه فعل مثل وافد عاد. ثم استطعمه النبي صلى الله عليه وسلم الحديث، وقلنا: هذا يدل على تواضع النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه يعرف القصة عليه الصلاة والسلام، وإنما أراد أن يسمعها منه. فقال: «إن عادت أرسلوا وافدهم قيلة». والنبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليه هذه القصة، ولو كانت غير صحيحة، لأنكرها عليه النبي صلى الله عليه وسلم. فلما أرسلوا وافدهم قيلة لأجل أن يذهب إلى الحرب ويستسقي لهم، فنزل على معاوية بن بكر، وهو ملك من ملوك مكة. وأيضا هذا الأمر يدل على أن بني بكر من زمن قديم، وهم في مكة، وهذا مشكل، لأن بني بكر إنما هم من العرب من قبائل اليمن، غالبا جاءوا من تهامة. فلهذا فهم ليسوا ممن كان في مكة، والذي عرف بالأحاديث وفي التاريخ أن أول قبيلة عربية وردت إلى ذلك المكان هم جرهم. وهذا الحديث يدل على أن بني بكر من زمن قديم، وهم في مكة قبل جرهم وغيرها، فلهذا استشكل كما قلنا بعض العلم هذا الأمر. قال: فأرسل هذا الوافد له أو قيل: فجلس عند معاوية بن بكر شهرا تغنيه جراء الجرادتان، وهما مغنيتان، وهو جاء أرسلوه لأجل أن يستسقي، لأن يدعو في الحرب، وقام يغني ويشرب الخمر. فانطلق حتى أتى على جبال مهرة، وفي رواية: الجبال تهامة، ثم في ذلك المكان دعا. وكأن بعض العلم يقول: أن مضر أو أن هؤلاء عاد كانوا يعظمون هذا المكان، فدعا فيه، ولم يدع في الحرب. فقال: «اللهم إني لم آت لأسير فأفاديه، ولا لمريض فأداويه، أنا إنما جئت لأسقي أو لأستسقي لأهلي وقومي». فأسقي عبدك ما كنت ساقيه، وأسقي معاوية بن بكر شهرا. فلم ينس هذا الذي أعطاه الخمر معاوية بن بكر، بل دعا الله عز وجل أن يسقيه كذلك شهرا. فعرضت له لما ورد إلى قومه، أعرضت له ثلاث سحاب، وقيل: أكثر من سحابة. وقال: ونودي أن اختر، أن اختر السحابة من هذه السحابات، فاختار السوداء. فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم، قالوا: هذا عارض ممطر. بل هو ما استعجلتم به: ريح فيها عذاب أليم، تدمر كل شيء بأمر ربها. فأصبح لا يرى إلا مساكنه. فهذا لما رأوا العارض هذا، قالوا: هذا عارض ممطرنا. رأوا السحاب، فاختاروا السحاب السوداء حتى تكون مطرا شديدا، لأن الأرض طحطت عليه. فقال: فلما اختار هذه، فقال: «خذها رمادا رمددا». والرمددا هي الإحراق الشديد، أي تجعلهم رمادا محروقا حرقا شديدا. فقال: «خذها رمادا رمددا، لا تبقي من عاد أحدا». فكانت هذه عذابهم، والله أعلم. كما قلنا: هل المراد هذه عاد أخرى أو نفسها عاد؟ والمشهور عند العلم أنها عاد هذه المعروفة التي أرسل الله عز وجل عليهم الريح العقيم. صارت عقيما لأنها ليس فيها مطر، وإنما ريح فقط، اشتدت عليهم هذه الريح وأحرقتهم وأحرقت مع بيوتهم، فلا تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم. وهذا لشدتها، وهي التي تسمى الدبور، سمى الدبور، وتأتي من الشمال، تأتي غالبا هذه الريح من الشمال، ولا يأتي معها مطر. فجاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور». فهذا خلاصة ما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم.