الدرس في شرح رسالة فضل الإسلام 13، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح هذا الفصل معنى كلمة 'الدين' في القرآن الكريم، حيث يشير إلى الالتزام سواء كان حقا أو باطلا، ويستشهد بآيات قرآنية لتوضيح هذا المعنى. كما يوضح استخدام كلمة 'الدين' لوصف أي نظام أو قانون يلتزم به الناس.
يفسر هذا الفصل معنى الإسلام على أنه الخضوع والانقياد لأوامر الله، ويبين ضرورة ظهور استسلام المسلم لشرع الله دون معارضة. كما يوضح أن الإسلام هو دين التوحيد والطاعة لله.
يشرح هذا الفصل أن الإسلام هو الدين الوحيد المقبول عند الله منذ آدم إلى آخر نبي، وأن جميع الأنبياء والرسل دعوا إليه. كما يشير إلى أن هناك أديانا أخرى للشيطان يجب على الناس نبذها واعتناق الإسلام.
يذكر هذا الفصل أن الأديان ستة، دين للرحمن وهو الإسلام، وخمسة للشيطان، ويبين وجوب اعتناق دين الإسلام لأنه الدين الوحيد المرضي عند الله تعالى. يشدد على ضرورة اتباع الإسلام ونبذ الأديان الأخرى.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقوله تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾، هذه الآية ذكرها الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في معرض كلامه على تبويبه الذي بوّب به هذا الباب بقوله: باب وجوب الدخول في الإسلام، فاستدل لنا بهذه الآية التي بين أيدينا في قوله تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾. وهذه الآية، إخواني في الله، من باب الفائدة، هل تقرأ بالكسر: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾؟ أم تقرأ بالفتح: ﴿أن الدين عند الله الإسلام﴾؟ نعم، هي قراءتان يقرأها القراء لكتاب الله جل وعلا، وهي تعود إلى مسألة، وهي: هل هذه الآية هي تبع للآية التي سبقت والتي مضت؟ أم أنها آية مستأنفة جديدة؟ من هنا يظهر الخلاف بين القراء، طبعا قبل هذه الآية في قوله سبحانه وتعالى: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله الإسلام﴾، فمن أهل العلم وجمهور العلماء يرون أن قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ أنها آية مستقلة، بدليل أن الآية التي مضت انتهى معناها، وفهم المراد منها انتهى، ثم كان الدخول إلى آية جديدة، فيرون الكسر: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾. بينما يرى الكسائي رحمه الله تعالى، أحد القراء، يرى أن الآية لا زالت لها تعلق بالآية التي مضت، فهي عندها من باب البدلية، بدل، فيكون عنده الآية معناها: شهد الله أنه لا إله إلا هو، وأن الدين عند الله الإسلام، هكذا التأويل: شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة، وأن الدين عند الله الإسلام، فيجعل هذه الآية تابعا للآية القبلة، ولهذا فتحت الهمزة عنده في قراءته: ﴿أن الدين﴾. وأما الجمهور، كما سمعتم، يرون أن الآية مستأنفة جديدة، وتقرأ بالكسر، وكلا المعنيين صحيح، وكلا المعنيين صحيح. فقول الجمهور، قراءتهم: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾، هذه الآية، أخواني في الله، نقف عندها في ثلاث وقفات. الوقفة الأولى في قوله تعالى: ﴿إن الدين﴾، الدين هو ما يدين به الناس ويتقربون به، حتى أصبح هذا من ألفهم ومن عادتهم ومن طبيعتهم، وأصل الدين مأخوذ من الديدن، يقول: هذا ديدن، أي هذه طبيعته، هذه عادته، هذا ديدن، ومنه: دنته، أي التزمته، فدان بكذا، أي التزم بكذا. فالشيء إذا التزم به العبد، شيء أي شيء التزم به العبد، فإنه يعد له دينا، ولهذا الدين عند الله جل وعلا، هذه الأحكام والشرائع التي يلتزمها العبد على نفسه، أصبح الدين، وقد يكون أي دين، سوى دين حق أو دين باطل، فلو أن أحدا من الكفار اعتنق مذهبا، يعد هذا دينا في حقه. ولهذا ربنا سبحانه وتعالى في سورة الكافرون قال: ﴿لكم دينكم ولي دين﴾، فأي دين مع الكفار الذي معهم؟ لأنهم التزموا، التزموا، فالذي يلتزم شيئا ما يعد دينا، بل حتى أنظمة الحكم والقوانين الوضعية، يعني تكون في اللغة تسمى دين، لأن أصحابها يلتزمون بها، ويقررونها، ويلزمون بها غيرهم، تسمى دينا. ولهذا ربنا قال سبحانه وتعالى في سورة يوسف، وفي قصته: ﴿ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك﴾، ما معنى دين الملك؟ أي حكم الملك، وذاك في تعاملهم مع السارق، إذا قبض عليه بتهمة السرقة، فقال: دين الملك، أي في حكم الملك، فالأنظمة والقرارات تعد دينا، طبعا في اللغة، لأنهم التزموها. وهكذا المبتدع، المبتدع، والذي يتعبد الله جل وعلا بطاعات أو طقوس أو مراسيم، فإنما يلتزمه لنفسه وعلى نفسه، يعد دينا في حقه، ولهذا قد مر ذلك، معنى أن أهل السنة عندما ينكرون على المبتدع ما هم عليه من بدع، يستدلون عليه بقول الله تعالى: ﴿أم لهم شركاء شارعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾، فسموا الذي يفعلونه المبتدع من اتخاذ من طقوس وعبادات تسمى دينا، لأنهم يلتزمون بها. فتجد المبتدع يلتزم ببدعته، سواء كان في طهارة أو في صلاة أو في تعبد أو في معاملة أو في غيرها من نواحي الحياة، لهذا البربهاري رحمه الله تعالى في شرح السنة، ذكى من عباراته البديعة، قال: وكل بدعة ظهرت في هذه الأمة، كان أولها صغيرا يشبه الحق، صغيرا يشبه الحق، فاغتر بها من لا يعرفها، حتى أصبحت دينا، حتى أصبحت دينا، البدعة البدعة، حتى تسجد، أن من المبتدع من يدافع، من ينافع، بل من يقاتل من أجل بدعته، لأنه يراه كالدين، يعملها دين، يبذل في سبيل كل شيء، كل شيء. وهكذا الإنسان، ما يكون من طريقته وسيرته وأخلاقه التي اعتاد عليها، ويلتزم على المشيع بها، تسمى دين، يؤيد هذا المعنى ما جاء في السنة، قال عليه الصلاة والسلام: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل»، ما معنى قوله عليه الصلاة والسلام: على دين خليله؟ بمعنى يكون يهوديا أو نصرانيا أو غير ذلك، ليس هذا المقصود، دين خليله، بمعنى ما يكون عليه من طريقة، من سيرة، للكزمها. فما من أحد يلتزم شيئا، فمن وقر في قلبه شيئا، فاعتقده، هذا دين، ومن اتخذ عملا وسلكه، يعد هذا دينا، بغض النظر حق كان أو باطل، إذن فقوله سبحانه وتعالى: ﴿إن الدين﴾، أي الشيء الذي أنت تلتزم به، وفي هذا إشارة إلى أن المسلم لم فكاك عنه عن تدينه، يبقى في كل حياتك تكون دائما وأنت تدين لله جل وعلا بهذا الدين الذي اعتنقته. ثم في قوله سبحانه وتعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾، الإسلام، يقول العلماء: أنه مأخوذ من أسلم، أي دخل في السلم، ومعاني السلم والإسلام تدور على الخضوع والانقياد، ومنه: فلان قد استسلم، بمعنى انقاد لغيره، خضع وذل، فتأتي معاني الإسلام تدور حول أسلم وسلم واستسلم، وكلها تدور على هذا المحك، على الخضوع والانقياد. فدل على أن المسلم الذي يرتضي الذي يرتضي دين الإسلام، دين عليه أن يظهر هذه الشعيرة، شعيرة الاستسلام لأوامر الله، لا عناد، لا كبرياء لمعارضة، لا تمرد على شرع الله، هذا ليس من صفات المسلمين، لأنك مستسلم، أظهر يا عبد الله استسلامك. قد مر معنا عبارة الطحاوي، كررناها في هذه المجالس، قال رحمه الله تعالى: ولا تثبتوا قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام، ولا تثبت، ولا تثبت قدم الإسلام، تثبت، تتمكن، إلا على ظهر التسليم والاستسلام، أظهر يا عبد الله الخضوع لشرع الله عز وجل. وتجد أن أحكام الناس، أحكام الناس، تدور على الاستسلام، فمن استسلم لله وحده فهو المسلم، ومن لم يستسلم لله فهو كافر، ومن استسلم لغيره فهو المشرك، من استسلم لله وحده فهو المسلم، ومن لم يستسلم لله فهو كافر، ومن استسلم لغيره فهو مشرك. ولهذا نعلم على أن الإسلام ليست دعوة يدعيها أحدنا بملء فمه، ولا يظهر لها برهان في واقعه، أو بطاقة ديانته مسلم، تنظر في شكله، في تدينه، لا شيء، صفر على الشمال، هذا ما ينفعه، هذا ليس بم سلم، إن لم يكن يبرهن على دينه، لعظم، لعظم مذهب الاستسلام، جعل هذا في تعريف الإسلام الشرعي. وقد مر معنا أن العلماء عرفوا الإسلام بتعريف، وفيه: والانقياد له بالطاعة، هذا من شروط الإسلام، أن ينقاد المسلم لله بالطاعة، إلا أنت لست مسلما، كما قال سبحانه: ﴿وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له﴾، فالمسلم يستسلم لله سبحانه وتعالى، وقبل ذلك الانقياد له بالتوحيد، الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، فلابد من التوحيد، وهو رأس الأمر، وكذلك الطاعة، أن تنقاد لله، وإلا من لم يكن موحدا فليس بمسلم. وقد مر ذلك قديما، وتذكرون حول شرح تعريف الإسلام، ومما يذكر في هذا الباب، من باب الفائدة، ما يذكره أهل السير وأهل المغازي، يحسنه جماع من العلماء، في قصة وفد نجران من النصارى، عندما قدموا على رسول الله، وكان منهم الأحبار والقسيسين، وكان منهم العاقب والسيد، من كبرائهم، فقال لهم نبينا: «أسلما»، قال لهم نبينا: «أسلما»، فقالوا: أسلمنا قبلك، قال: «أسلمنا قبلك»، فقال عليه الصلاة والسلام: «كذبتما، إنما يمنعكما من الإسلام ادعاءكما أن لله ولدا وعبادتكما الصليب»، هذا الشرك يمنعكم من الإسلام، وأنتم في حقيقة واقعكم تدعون أن الله اتخذ ولدا، وأنكم تعبدون الصليب. قال: «كذبتما، يمنعكما من الإسلام إدعاءكما أن لله ولدا وعبادتكما للصليب»، فهذا الأثر يحسن جماعي العلماء. الفائدة الثالثة والأخيرة في هذه الآية، أخواني في الله، نستفيد من قوله تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾، الحصر هنا حصر، وهذا من أعظم أساليب الحصر استخدام إن المؤكدة، ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾، فالدين الذي ارتضاه الله للبشرية جمعا هو دين الإسلام، أي إسلام العام، من لدن آدم عليه السلام إلى آخر نبي، وهو نبينا صلى الله عليه وسلم. فما أرسل ربنا نبيا إلا بالإسلام، ما أرسل ربنا نبيا إلا بالإسلام، فهذا نوح عليه السلام يقول عن نفسه: ﴿وأنا أول المسلمين﴾، وهذا يوسف عليه السلام يقول عن نفسه: ﴿توفني مسلما وألحقني بالصالحين﴾، وهذا عيسى عليه السلام يقول: ﴿فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله وأشهد بأننا مسلمون﴾، وهكذا قول موسى عليه السلام: ﴿إن آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين﴾. وهكذا في قصة، أو في ما ذكر ربنا جل وعلا عن إبراهيم عليه السلام وإسماعيل: ﴿ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك﴾، وهكذا يعقوب عندما جاءته منيته، قال لذريته وأبنائه: ﴿ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون﴾، إلى أن قالوا: ﴿واشهد بأننا مسلمون﴾. فجميع الملل التي بعث فيها رسل وأنبياء، كلهم دعوا الناس إلى الإسلام، فهو دين الله سبحانه وتعالى، فما هناك دين غيره، وبهذا نعلم بطلان وكذب وافتراء من يتصور أو يقرر، كحال بعض المتكلمة وبعض المفكرين، ممن يدلل مثلا على أن هناك دين ارتضاه الله وليس دين الإسلام، كنظرية من يقول بتطور العقائد، بأن العقائد قد تطورت، يقرر بعض هذا القاعدة، يقول: بأن الدين أول ما ظهر، عبارة عن تعدد، ما معنى التعدد؟ أي تعدد الآلهة، كان هكذا اعتقاد الناس، ثم جاء قضية التثليث، ثم كانت قضية الثنوية، ثم جاءت قضية التوحيد، فهذا كذب، أين هذه العقائد؟ ما الذي قررها ربنا؟ حاشا سبحانه، ربنا ما قرر إلا الإسلام، ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾، والإسلام ما يقوم إلا على التوحيد، هو أساسه، وهو ركيزته. لهذا يقول العلماء، كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى، عند هذه الآية، قال: دل، أي في قوله تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾، قال: دل على أنه دين أنبيائه ورسله وأتباعه، من أولهم إلى آخرهم، وأنه لم يكن قط، ولا يكون، له دين سوى هو، دين الإسلام، دين الإسلام. ولهذا يقول ابن القيم رحمه الله تعالى، قال: والأديان ستة، دين للرحمن، وخمسة للشيطان، دين للرحمن، وخمسة للشيطان، قال: فدين الرحمن هو الإسلام، هو دينه، لا دين سواه، وقال: وأما دين الشيطان، فهي اليهودية والنصرانية والمجوسية والصابئة، وأديان المشركين، أي على كافة صورهم، من الملاحدة وغير ذلك، من عباد الأوثان، قال: ودين الشيطان خمسة: اليهودية والنصرانية والمجوسية والصابئة، ودين المشركين. فهذا، إخوانا في الله، وهذا يتعلق بهذا الباب، وإيراد المؤلف رحمه الله تعالى لهذه الآية في هذا الباب، واضح الدلالة، فقوله: باب وجوب الدخول في الإسلام، ذكر مما ذكر الأدلة، قوله تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾، إذن ماذا بقي؟ إذن ليس هناك دين مرضي إلا دين الإسلام، فوجب على جميع الخلق أن يعتنقوا هذا الدين. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.