الدرس في شرح رسالة فضل الإسلام 25، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح حديث بهز بن حكيم الذي سأل رسول الله عن الإسلام، حيث بين الرسول ركائز الإسلام وأنه يتضمن إسلام القلب والجسد لله تعالى. يُفسر الحديث على أنه يبين أهمية إسلام القلب وتوجيه الوجه لله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.
يشرح أركان الإسلام وضرورة مراعاة كل من الظاهر والباطن في الأعمال، مشددًا على أهمية الإخلاص في القلب والاتباع في الأعمال الظاهرة. يُبين أن تحقيق القبول عند الله يتطلب ذلك.
يؤكد على أهمية الفرائض مثل الصلاة والزكاة، ويبين أن الإيمان الصحيح يظهر على الجوارح. كما يوضح أن الفرائض أعظم عند الله من النوافل، ويجب على المسلم أداؤها أولاً.
يتضمن الدعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الختام بالدعاء والتحية النبوية، ويُنهي بالقول بأن الله تعالى أعلم.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما الإسلام؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أن تسلم قلبك لله، وأن تولي وجهك إلى الله، وأن تصلي الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة. رواه أحمد في مسنده. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث تحت هذا الباب، باب تفسير الإسلام، أي ما هي معاني الإسلام؟ وبماذا يفسر؟ فذكر رحمه الله تعالى، كما مر معنا، الآيات والأحاديث الواردة في الكتاب والسنة. وذكر هاهنا رحمه الله تعالى هذا الحديث؛ لأنه يوضح لنا شيئًا من معاني الإسلام. فقد سئل عليه الصلاة والسلام عن الإسلام، فقال: أن تسلم قلبك لله إلى آخره. وهذا الحديث، كما قال المؤلف رحمه الله تعالى، رواه الإمام أحمد في مسنده، وهو حديث صحيح حسن. وقد حسنه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في عدة من كتبه، كما في الصحيحة، وكذلك في الإرواء. هذا الحديث، إخواني في الله، أولًا، في قوله عليه الصلاة والسلام: الإسلام أن تسلم قلبك لله، وأن تولي وجهك إلى الله، فيه بيان على أن هذا المذكور يعتبر من ركائز الإسلام. والقاعدة التي يذكرها العلماء في هذا الباب أنه إن كان السؤال عن الماهية، ما الأمر الفلاني مثلًا، فإن الجواب سيأتي بذكر الركائز والأركان. إذا كان السؤال سئل وطرح لمعرفة ما هي الشيء، ما هو الأمر الفلاني؟ فاعلم أن الجواب سيأتي بذكر الركائز والأركان. مثاله في حديث جبريل، عندما سئل نبينا صلى الله عليه وسلم: ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله إلى آخره، فهذه المذكورات أركان الإسلام. ولما سئل نبينا صلى الله عليه وسلم: ما الإيمان؟ قال: الإيمان أن تؤمن بالله إلى آخره، فهي أركانه. ولما سئل عليه الصلاة والسلام عن الإحسان؟ قال: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، دل على أن هذه الأمور هي من أركان الإحسان. فأي سؤال فيه سؤال عن ما هي؟ فإن الجواب يأتي بذكر شيء من أركانه وركائزه. كهذا الحديث، فالرسول سئل عن الإسلام، فقال عليه الصلاة والسلام: أن تسلم قلبك ووجهك إلى الله، وأن تصلي الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة. وهاتان الجملتان، إخواني في الله، في قول نبينا: أن تسلم قلبك لله، وأن تولي وجهك إلى الله، هي حقيقة الإسلام، بل هي حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله. تقوم على هاتين الجملتين. ففي قوله عليه الصلاة والسلام: أن تسلم قلبك لله، وذلك بأن يكون القلب متوجها لله، لله سبحانه وتعالى، في أعماله، في أقواله، في الإرادات، وفي المقاصد، وفي النيات. فكل ما يكون في القلب إنما يكون لله جل وعلا. وهو قولهم: أن تسلم قلبك لله، فهذا هو إسلام القلب، بأن يتوجه القلب كلية إلى الله سبحانه وتعالى. وقوله عليه الصلاة والسلام: وأن تولي وجهك إلى الله، مر معنا في دروس ماضية، لو تذكرون، أن لفظ الوجه إنما يذكر إشارة إلى البدن كله، إلى البدن كله. ومن يسلم وجهه إلى الله، أي كلية. وإنما يذكر الوجه على وجه الخصوص؛ لأنه أشرف المواضع، أشرف المواضع، فهو يدل على الجسد. ففي قوله عليه الصلاة والسلام: أن تولي وجهك إلى الله، بمعنى أن تولي بدنك كلية إلى الله سبحانه وتعالى. فالبدن يتوجه لله، لا يتوجه إلى غيره. وذلك إشارة إلى ما كان عليه العرب في أيام الجاهلية، كان الواحد منهم إذا ابتلي ببلية أو أصيب بنكبة، كان سرعان ما ييمم وجهه إلى الآلهة، يتجه إلى الآلهة، فيدعوها ويستغفر بها ويستنجد بها، علّ وعسى أن تكشف عنه ما وقع فيه من بلية. فجاء الإسلام وأرشد الخلق جميعًا على أنه من أراد أن يتوجه لشيء، فلا توجه إلا لله سبحانه وتعالى. وأن تولي وجهك إلى الله، فمن خلال هاتين الجملتين، يتضح أن الإسلام، وأن الدين، وأن التوحيد، وأن الشهادة تقوم على أمرين عظيمين، أولهما: الإنقياد والطاعة للقلب، وهو أن تسلم قلبك لله. والطاعة والإنقياد لسائر البدن، في قوله عليه الصلاة والسلام: وأن تولي وجهك إلى الله. فدل ذلك على أن الظاهر والباطن يكون لله سبحانه وتعالى. فباطنك وما يكون في القلب ينبغي أن يكون لله، فينبغي أن يكون في قلبك من التعظيم والإجلال والتوقير والإحترام والتقديس لله سبحانه وتعالى. وكل ما يتعلق بالأعمال الصالحة من التوبة والإنابة، ومن الخضوع والخشوع، ومن التوكل، كل ذلك لله. وهكذا ما يكون في بدنك، لا ينبغي أن يتجه بدنك لغير الله، فلا تيمم وجهك وبدنك، يا عبد الله، إلى آلهة أو إلى صنم أو إلى وثل أو قبر أو إلى قبة أو إلى بريح أو إلى ميت من الأموات، لا، وإنما تولي وجهك إلى الله سبحانه وتعالى. فهذا هو التوحيد، وهذا هو الدين، وهذا هو الإسلام، أن ينصاع القلب، وهو الباطن، مع الجوارح، وهي الظاهر، أن تكون لله سبحانه وتعالى. فقال عليه الصلاة والسلام: أن تسلم قلبك لله، وأن تولي وجهك إلى الله، وأن تصلي الصلاة المكتوبة. مر معنا ما يتعلق بالصلاة، وأنها من أجل الطاعات، ومن أعظم القربات التي أمر الله جل وعلا بها. ودللنا حينها، في دروس ماضية، ما يدل على عظم شأن الصلاة. وهنا قال عليه الصلاة والسلام: أن تصلي الصلاة المكتوبة، أي الواجبة؛ لأن ماذا كتب تدل على الفرض والوجوب واللزوم. فقوله سبحانه وتعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، ما معنى كتب؟ معنى وجب، وفُرض، وخُتم، فهو حتم واجب لازم. فالكتاب والكتاب وما اشتُقّ وما اشتق منها تدل على الوجوب. وكما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾، أي واجبة. فقوله عليه الصلاة والسلام: وأن تصلي الصلاة المكتوبة، فهي ركن من أركان الإسلام. قال: وتؤدي الزكاة المفروضة. وأيضًا مر معنا ما يتعلق بأهمية الزكاة، وأنها من الطاعات والواجبات التي أمر الله جل وعلا بها. وأن من جحدها، ومن تركها جحودًا واستحلالًا في تركها، فإنه كافر قد أخرج من الدين والملة. وهنا، إخواني في الله، نأتي إلى بعض الفوائد المتعلقة بهذا الحديث، وهي في قوله عليه الصلاة والسلام: عندما سئل عن الإسلام، فقال: أن تسلم قلبك لله، وأن تولي وجهك إلى الله، وأن تصلي الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، فيها ما يلي: أولًا: العناية بالظاهر والباطن. ومراعاة ذلك في الشرح، فإن الإسلام، إخواني في الله، لا يقوم إلا بهما، بل إنهما من عمل صالح، إلا وهو يفتقر إلى عمل الظاهر مع عمل الباطن، فهما يتلازمان. ولهذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». الظاهر والباطن، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، ينظر سبحانه وتعالى إلى الظاهر وإلى الباطن؛ لأنها هي الأمور التي ينبغي أن تتوفر في العمل الصالح، بل وفي كل عمل صالح. وقد مر معنا كذلك، في دروس قريبة، أن قبول الأعمال يكون بشرطين اثنين، ما هما؟ الإخلاص والاتباع. الإخلاص أين محله؟ محله القلب. والاتباع أين محله؟ محله في العمل الظاهر. إذن ما من عمل إلا وهو يفتقر لهذين الأمرين، إلى أمر باطني وإلى أمر ظاهر، لابد حتى يصح، وحتى يكون مرضيًا عند الله جل وعلا. ولهذا كان الصحيح في مسألة تعريف الإسلام، وتعريف الإيمان، ما يلي: الإسلام صحيح أنه يقوم على أعمال ظاهرة، أنك تشهد الشهادتين، وأن تقيم الصلاة، وتؤدي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، هي أعمال ظاهرة فقط، الصحيح لا، قال العلماء: فلابد للإسلام من عمل باطني يصحح به الإسلام، لابد. فالإسلام يفتقر إلى عمل باطني، وهو العقيدة والاعتقاد والإيمان، كما أنه فسر بالأعمال الباطنة: وأن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، فهي أعمال أو كل اعتقادات باطنية علمية. إلا أنها، كما قال العلماء، تفتقر إلى عمل ظاهر، لابد حتى يصحح به الإيمان. فلا تفريق، يا عبد الله، في كل عمل، لابد أن يتوفر فيه هذان الأمران: ظاهري وباطني. وفي الحديث أيضًا الإشارة إلى الاهتمام بالباطن قبل الظاهر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم عندما سئل عن الإسلام، أول ما بدأ، بدأ قال: أن تسلم قلبك لله، القلب أولًا. ثم قال عليه الصلاة والسلام: وأن توجه وجهك إلى الله، فالبدن يأتي بعد؛ لأن البدن تبع، والأصل في الأعمال والتدين لله جل وعلا إنما يكون في مكمنه، وهو القلوب. ولهذا قال سبحانه: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، بقلب سليم، فالقلب هو محل نظر الرب سبحانه وتعالى. وهل معنى ذلك أن العبد بإمكانه أن يعبد الله بقلبه دون الظاهر؟ كما مر، لا، لا يمكن هذا، بل إن من لوازم من لوازم إيمان القلب أنه يظهر على الجوارح. ولهذا خطأ وأخطأ بعض الفرق الضالة من فرق المرجئة، من قالوا: أن القلب لربما يعمر بالإيمان دون أن يظهر ذلك على جوارحه، وهذه مقولة باطلة. قال عليه الصلاة والسلام: «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». فالقلب هي المركز، وهي النبض للأعمال، فهي لابد إن نبضت فيظهر ذلك. فقول من يقول: أن الإيمان في القلب، كما يدعي بعض الناس، إن وقع في بعض الخزايا وفي بعض البلايا، وأنكر عليه، قل: أخي الإيمان في القلب، قل: كذبت، لو كان الإيمان قد وقر في قلبك لظهر على جوارحك، ولتركت المعاصي والذنوب، لكن لضعف الإيمان في القلب ظهر ضعفه في الجوارح. الفائدة الثالثة، إخواني في الله، في هذا الحديث، بيان لعظم الفرائض، لعظم الفرائض، فهي من أعظم الأعمال بعد توحيد الله، بعد أن تسلم قلبك لله، وأن توجه وجهك إلى الله، تأتي الفرائض، فهي من أعظم الطاعات التي يحبها الله. و صح عن نبينا صلى الله عليه وسلم، كما جاء في الصحيح، قال الله تعالى: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه». فمن أعظم ما يحبه الله من عباده أن يتقرب إليه بالفرائض. لا العكس، بعض الناس، سبحان الله، بعض الناس عندهم عكس في فهم هذه المنظومة، تجد بعض الناس، صحيح أنه ما يزكي، لكنه محسن، يتصدق على الناس، إذا جاءه صاحب حاجة، صاحب فاقة، صاحب مريض، أراضي، يعطيه هذا مبلغ، وهذا مبلغ، يعين الناس، لكنه إذا جاء وقت الزكاة يبخل بها، ويوم أعظم عند الله، الأعظم عند الله، يعبد الله الزكاة قبل الصدقة. وهكذا يقول في رمضان، عندما يحل على أهل الأمة الإسلامية، تجد أن من الناس من يتوانى عن الصلاة المفروضة، لكنه إذا جاءت التراويح، تجشم لها العناء، اغتسل، وبكر، وابتكر، وأصبح في الصف الأول، بكامل زينته، ويترويح سنة، لكن بالمقابل يهدم ما لا يدرك من الفرائض، وهذا من الفهم المعكوس، والرأي المنكوس في فهم دين الله. فالفرائض أجل وأعظم عند الله جل وعلا من أي نافلة. وأعظم الفرائض، كما جاء ذكره في هذا الحديث، الصلاة والزكاة، قال: أن تؤدي، أن تصلي الصلاة المفروضة، وأن تؤدي الزكاة المفروضة. أشار نبينا إلى هاتين العبادتين، وهما من أركان الإسلام ومباديه العظام. ولهذا قل، يا عبد الله، أن تجد آية فيها ذكر الصلاة إلا وأتبعت بذكر الزكاة: «أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ»، لماذا؟ قال العلماء: لأمور، الأمر الأول: أن الصلاة تعتبر من أجل العبادات العملية، وأن الزكاة من أجل العبادات المالية، ولهذا قورنت مع بعض. فالصلاة عمل، والزكاة مال. والأمر الثاني، كما يقول العلماء: أن في الصلاة آداء لحقوق الله، فالصلاة صلة بين العبد وربه. وأما في الزكاة فهي آداء لحقوق العباد، في إعطاء المال لمستحقيها. وقد مر معنا على أن الإسلام يقوم على هذين الأمرين: على آداء حقوق الله، وعلى آداء حقوق العباد. ولهذا تجمع الصلاة والزكاة دائمًا، إشارة إلى هذا الأمر العظيم. فهذا، إخواني في الله، ما يذكر في هذا الباب من مباحث ومسائل. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.