الدرس في شرح رسالة فضل الإسلام 32، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح هذا الفصل أهمية الاكتفاء بالكتاب والسنة في الإسلام، ويبين أن شريعة الإسلام ناسخة لجميع الشرائع السابقة، وأن الأنبياء والأولياء ملزمون باتباعها.
يتناول هذا الفصل تحريم الخروج عن شريعة الإسلام واتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحرم النظر إلى التوراة والإنجيل إلا للراسخين في العلم.
يحذر هذا الفصل من النظر في كتب الكفار والأمم السابقة لاحتوائها على الباطل والتحريف، ولأنها قد تثير الشك في الدين وتسبب الفتنة.
يختتم هذا الفصل بالتأكيد على أن الله تعالى هو الأعلم، مما يشير إلى نهاية مناقشة أو توضيح لمسألة معينة مع الاعتراف بأن العلم الكامل عند الله تعالى.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، لازلنا في هذا الباب من رسالة فضل الإسلام، والذي عنونه المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: باب وجود الاستغناء بمتابعة الكتاب عن كل ما سواه. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى بعدما أورد تلك الأدلة والتي قد مرت معنا، قال رحمه الله تعالى: وروى النسائي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى في يد عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ورقة من التوراة، فقال: «أمتهوكون يا ابن الخطاب؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لو كان موسى حيا واتبعتموه وتركتموني لضللتم». وفي رواية: «لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي». فقال عمر: رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث تحت ذلكم الباب: باب وجوب الاستغناء بمتابعة الكتاب. وهذا الحديث أولا فيما يتعلق بمسألة تخريجه وتحقيقه، فقد رواه النسائي وأيضا رواه أحمد في مسنده، والدارمي. إلا أن هذا الحديث قد جاء بطرق معلة، فأكثرها تدور على مجالد بن سعيد، وهو كما قال الحافظ رحمه الله تعالى ليس بالقوي، وقد تغير في آخره. إلا أن الشيخ الألباني رحمه الله تعالى له بحث موسع في كتابه الإرواء، وذكر أن لهذا الحديث شواهد كثيرة تدل على صحته. لهذا فهذا الحديث لا ينزل عن درجة الحسن. في هذا الحديث، إخواني في الله، أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كانت عنده ورقة من التوراة، والتوراة هو الكتاب المنزل على موسى عليه السلام، وهو من أعظم الكتب السماوية. فلما رآه نبينا صلى الله عليه وسلم قال: «أمتهوكون يا ابن الخطاب؟» أي: أمتحيرون؟ أفي شك؟ أفي ريب أنت عندما رأى تلكم الأوراق بيده؟ ثم قال عليه الصلاة والسلام: «لقد جئتكم بها بيضاء نقية»، أي: لا لبس فيها، لا غموض فيها، لا تحتاج إلى إضاح بعد هذا الإضاح، لأنها بياض، وهل البياض يحتاج إلى لون آخر؟ فهو القمة في النصاعة، وقمة في النقاء. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي»، لو قدر لو قدر أن موسى عليه السلام وجد وكان حيا في زمني، ما كان له سبيل سوى أن يتبعني، لماذا؟ لأنه عليه الصلاة والسلام خاتم الأنبياء والرسل، فلا معقب عليه، ولا مستدرك عليه. وأيضا فإن كتابه هو آخر الكتب، ورسالته وشريعته هي آخر الشرائع والرسائل. لهذا ما بقي هناك أحد على أن يتقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلو كان موسى حيا ما وسعه إلا أن يتبعني. والشاهد من هذا الحديث، إخواني في الله، ظاهر. إذا كان عمر رضي الله تعالى عنه أراد أن يستأنس بماذا؟ يستأنس بالتوراة، بأوراق من التوراة، علها تنفعه مع هذا الدين الذي جاء به رسولنا الكريم. ينتفع بها وهو التوراة كتاب مقدس. ومع ذلك، زجر عليه الصلاة والسلام وسمعا، توجد مثل هذه الأوراق، ولو كانت من التوراة، ولو كانت، فإن لا مقام لها ولا قبول لها في هذا الدين بعد نزول الإسلام، فألغاها عليه الصلاة والسلام. إذن وجب أن نستغني، وأن نكتفي بما جاء به ربنا في هذه الشريعة السمحة، بما جاء في كتاب ربنا، وفي سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. وهنا إخواني في الله، بعد هذا الإضاح، ومعرفة الشاهد من إيراد هذا الحديث، تأتي لنا عدة مسائل نوضحها على التالي. أولى هذه المسائل: عدم الخروج على شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أي أحد، من أي أحد. فلو كان عمر قد وبخ لفعله، ولو أن موسى قدر أن يوجد، ما كان له أن يخرج عن شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فدل ذلك على عدم خروج أحد، كائنا من كان، عن شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، سواء كان نبيا أو كان وليا. فالأنبياء ما يخرجون. وانظر مثلاً عيسى عليه السلام في عقيدة أهل الإسلام، فإنه ينزل في آخر الزمان، إذ أن في عقيدتنا أنه ما قتل، وإنما رفعه الله إليه، إلى أن تأتي يأتي حينه، وهو قرب قيام الساعة، ينزل من السماء. لكن إذا نزل، ينزل بشريعة من؟ هل ينزل بشريعة الإنجيل؟ لا، ما هناك أحد سيعقب على شريعة الإسلام. ولهذا إنما ينزل عيسى عليه السلام فيحكم بشريعة الإسلام، فيكسر الصليب، ويضع الجزية، فلا يقبل من الناس كافة إلا الإسلام فقط. لعلم عيسى عليه السلام أنه ملزم باتباع شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهؤلاء الأنبياء، ومثلهم الأولياء، فمن زعم مثلا أن للأولياء لهم القدرة ولهم السبيل على الخروج عن شريعة الإسلام، فقد كفر. من ظن واعتقد ذلك، فقد كفر. من يجوز لأحد أن يخرج عن شريعة الإسلام؟ هذه الفائدة الأولى. الفائدة الثانية: كذلك إذا كان موسى عليه السلام، وهو من هو؟ نبي كليم، ومع ذلك يلزم باتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن وجد في زمنه، فمن دونه من باب أولى. فالعلماء والأخيار والعباد، كلهم ينبغي أن ينطو تحت لواء متابعته عليه الصلاة والسلام. حالهم اعتصام بموسى، لو قدر، عن نوحي لكان خلف رسول الله، متبعا له. وأنتم كذلك خلف رسول الله، اتبعوا له. فما بقي هناك شيء يسمى استحسانات، أو من يأتي لنا بابتكار البدع والمحدثات، لأنه لا سبيل لأحد بعد هذا، وإنما الكل عليه أن يتبع. فأنت متبع، لا أنك مشرع. وقد قال الله جل وعلا: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾. فهذا القول، وإن كان لموسى عليه السلام فرضًا وتنزيلا، إن وجد، وهو قول لجميع أمته، من يدعي أنه من أتباعه، وجب عليه أن ينتمي تحت لوائه، أي لواء متابعته عليه الصلاة والسلام. وفي هذا الحديث أيضا تحريم النظر إلى التوراة والإنجيل. لا يجوز أنك تنظر، تتصفح، تقلب صفحات التوراة والإنجيل. لما قد سمعتم نبينا عاتب ووبخ وغضب على عمر عندما كان بيده هذه الأوراق من التوراة. فالعلماء على التحريم. وهنا اختلف العلماء على مسألة التحريم على قولين. من أهل العلم من يرى أن هذه الكتب السماوية ما يجوز لأحد، كائنا من كان، أن يقرأها، ينظر إليها، يتصفح فيها. ما يجوز. ما يترك المجال لأحد. وإنما مقامها التلف، تحرق، تمزق، تبعد عن أيادي المسلمين، تبعد. وقول آخر لجماعة من أهل العلم قالوا: نعم، الكتب المقدسة السماوية المنزلة، التوراة والإنجيل، يحرم قراءتها، إلا استثنوا من قال: إلا من كان من الراسخين في العلم، الذي له القدرة على النظر، وعلى التعقب، وعلى الرد عليها، وعلى تفنيد أصحابها. هذا يترك لهم المقام لهذا العمل. وهذا الذي يرجحه جماعة من المحققين. وهذا قول وجيه له نظر. فيكون شخص عنده إلمام، وخاصة الذي يتصدى للرد على الغرب، على اليهود والنصارى، يكون عنده إلمام بهم، بما هم عليه من ديانة، حتى يرد عليهم. وانظر مثلا شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ألف كتابه البديع «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح». فألف هذا الكتاب، وكان يقتبس من نصوصهم، من نصوص الإنجيل، وكان يأخذ من النصوص ما فيه رد عليهم. ورد عليهم. وهكذا فعل ابن القيم في كتابه «هداية الحيارى». كذلك كان يستدل بنصوص اليهود، التوراة والإنجيل، في الرد عليهم. فإن شاء الله يحتاج لهذا، عنده معرفة. وانظر لتلكم الحادثة التي وقعت في زمنه عليه الصلاة والسلام، عندما رأى أن اليهود تركوا قضية الرجم في عقوبة الزنا، والنبي يعلم أن في شريعة موسى الرجم. فقال وسأل عن هذا الرجم: أليس الرجم في كتابهم؟ قالوا: لا. قال: «فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين». فجئ بالتوراة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر نبينا قارئا منهم أن يقرأ، لأن النبي أمي ما يقرأ المكتوب. فإذا بالقارئ يقرأ، لكنه هذا اليهودي وضع يده أو أصبعه على آية الرجم، ووضع على آية الرجم ويقرأ. عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه كان ممن حضر المشهد، قال: يا رسول الله، مره أن يرفع يده. مره أن يرفع يده. فلما رفع، فإذا بآية الرجم موجودة. فأقام الحجة عليهم بكتابهم، بنصوصهم. فهذا إشعار، إخواني في الله، الذي عنده قدرة وفهم على ما في الكتب، يستطيع أن يرد عليهم. إذن إخواني في الله، فهذا المسألة على هذا المنحى، أن المجال مجال النظر والقراءة في كتبهم، ما يكون لأي أحد. عامة الناس، عامة الناس، يحرم عليهم. فإن ظفرت بكتاب من الإنجيل، يتلف. يوجد أذكر فترة وقع عليهم إنجيل، نسخة من الإنجيل في بعض المكاتب، وجود إنجيل في كتب بعض البيوت، فهذا يتلف، لا تبقي. لكن من كان من أهل العلم، ويستفيد حتى يرد عليهم، وعنده قدم راسخة وثبات، يقرأ ويرد عليهم، ويفند. لهذه المصلحة العظيمة. تتفرع من هذه المسألة المسألة الرابعة، وهي: إذا كان النظر يحرم في كتبهم لما اجتمعت عليه من الضلال، فكذلك النظر إلى قنواتهم، قنواتهم يحرم. يا عبد الله، ما هناك فرق. ما هناك فرق. وهذه بلية، بلية عظيمة، وخاصة مع وجود هذه الأجهزة وأجهزة التلفاز والدش والقنوات الفضائية. تجد أجعلك العالم بأسره تحت أصبعك، تحت هذا الريموت. قناة بعد قناة، قناة تنتقل من دولة إلى دولة، من عالم إلى عالم. فتمر عليك، وهذا قد يعرفه أصحابه. يعني هناك قنوات خاصة تدعو للنصرانية. قناة خاصة من أول ما تبدأ إلى أن تنتقل، أو ما تبدأ قراءات من الإنجيل، قراءات. ثم سرد لبعض القصائد، قصائد مريم العذراء، قصائد المسيح عيسى، قصائد حول أو خطب، محاضرة حول اليسوع المخلص، قضايا حول الصليب، أو ما يسمى بالتعميد، أو إبداء لبعض ما يسمى بالقديس، أو ببعض الاحتفالات لأعياد، أو بعض المراسيم المناسبة. يقع هذا. قنوات خاصة، ليست واحدة، بل عشرات القنوات. وأصحاب القنوات يعرفون هذا. فمثل هذه القنوات، يا عبد الله، حكمها كحكم النظر إلى التوراة والإنجيل. لا يجوز. ما يجوز أنك أن تنظر إليها. من باب الفضول، يقرأ ثم يرى. يرى واحد هذا اليهودي بلحيته الكبيرة وعمامته والصليب المرفوع والكنيسة، وملأها بالناس، وينشدون الأناشيد، يتمهل. سأرى الذي عندهم. ما الذي سترى؟ سترى الكفر. هؤلاء عباد الصليب. قد قال ربنا جل وعلا: ﴿وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره﴾. دع عنك هذه القنوات. ألغيها. امسحها. ألق هذا من الجهاز كله. لا يجوز أن تبقيها، لأن هذه مضرة. ثم بعد ذلك يأتينا من يأتينا من بعض المسلمين الذي ضعف إيمانه، أصبح يتشكك، يتردد. أو ذاك الذي يفتح على قنوات القنوات الرفض والتشيع، الذي يذيعون السب والصحابة، ولعن الصحابة، والطعن في عرض أم المؤمنين، وأمهات المؤمنين، واللمز والغمز في دين الإسلام، أو القدح في القرآن. بعضهم يسمع، يعجبه مثل هذه الأيام. المولد من المولد، فيفتح قنوات الترويج، ثم يبثون يبثون. ثم إذ بصاحبنا في اليوم الثاني يسألك عن حكم عدالة الصحابة، وعما جرى من الفتنة بين الصحابة، ويسأ. يسأل: أجرى أنك خطفت عبد الله في الحرام، ونظرت في هذه القنوات. ما يجوز. فهذه مما يحرم. حكمها كله حكم تحريم النظر إلى التوراة والإنجيل. كذلك يا عبد الله. مما يذكر من هذه المسألة: مسألة التوراة والإنجيل، يحرم النظر فيهما لما قاله علماء الصحيح: أن النظر في التوراة والإنجيل يحرم النظر فيها لأمرين اثنين. أولاهما: لوجود النسخ، لأنها منسوخة، فهي كتب ملغية. فما الفائدة من كتاب ملغى أصلا؟ ملغي ما له صلاحية، ليس له صلاحية. فالنظر فيها، قراءة عبث أصلا. لن تستفيد من قراءتها أجرا، ولن تستفيد حكما، لأنها ملغية منسوخة. هذا الوجه الأول. الوجه الثاني: أنها غيرت، بدلت، قورفت، صحفت. فما تدري أين الحق من الباطل؟ يترك هذا. فالوجود الخلط فيها، والصحيح والذي عليه قول الجماعة من المحققين: أن التغيير والتبديل في التوراة والإنجيل وقع في بابين اثنين: في باب الألفاظ والمباني، وفي باب المعاني. الكل غير. حتى ألفاظ التوراة والإنجيل قد غيرت، حذفت. آيات حذفت، نصوص. عندهم قال عيسى: ومبشرا برسول يأتي من بعد اسمه أحمد. هذا موجود في الإنجيل. لكن هل انظر في الأناجيل الأربعة؟ إنجيل يوحنا، وبولص، ولوقا. انظر هل فيها ذكر المحمد؟ نسخ، وبدل، وحذف. وحذف. وكذا تجد فيها، وخاصة في التوراة، فيها النقائص على أنبياء الله، الطعن والغمز في حق سليمان عليه السلام، وفي حق داود عليه السلام، والطعن في أعراضهما. هذا ليس من كتاب الله المنزل، هذا من إضافة الأحبار، من يهود المغضوب عليهم. فالتوراة والإنجيل غيرت. فما هي محل ثقة؟ فإذن هذا وذاك هو السبب في أماذا؟ في تحريم النظر إلى الإنجيل والتوراة. وأخيرا إخواني في الله، في هذا الحديث أيضا: أن النظر في كتب الأمم السابقة، وفي كتب أهل البدع والضلال، وفي كتب الكفار، فيها إثارة للشك بالدين. ولهذا نبينا لما رأى التوراة، قال لابن الخاص: «أمتهوكون؟» أي: متحيرون؟ أفي شك أنتم؟ لأن هذه الكتب هي مدعاة للشك، مدعاة للريب. فإذا كان هذا في حكم التوراة والإنجيل، الذي فيها خلط، فيها حق، لكن خلط بباطل، فتترك. فما ظنك بالكتب هي أصالة ضلال، أصالة ضلال؟ ككتب مثلا الفلاسفة واليونان، هذه ضلالة. ما يجوز النظر فيها. ومما يذكر في كتب التاريخ ما ذكره المقريزي رحمه الله تعالى وغيره: على أن المأمون في زمنه طلب من أحد ملوك النصارى، ملك جزيرة قبرص، طلب منه أن يرسل له بكتب اليونان. وكانت كتب اليونان عنده، أولئك موجودة في خزانة مغلق عليها، لا أحد يقرأها، ولا أحد يطلع بما فيها. فالمأمون طمع بكتب اليونان، فقام هذا الملك وجمع الحاشية والرؤساء والكبراء، وذكر لهم طلب المأمون، وأنه يريد هذه الكتب أن ترسل إليه. الكل عارض. ما يمكن هذا. تراثنا، وهذا مجهود بشر عظيم لعلمائنا وكبرائنا، ما نعطي لأحد. إلا أن أحد كبرائهم تفطن لأمر عظيم. قال: يا ملك، ارسلها. جهزها وارسلها إليهم. ثم علل. قال: إن هذه الكتب ما دخلت دولة شرعية إلا أفسدتها، ولا جمعت بين علمائها إلا فرقتهم. وكان الأمر كما كان. لما نقلت هذه الكتب اليونانية، كتب الفلاسفة، إلى زمن المأمون، ثم عربت وأصبحت عربية، كان منها البلايا. فظهرت أول فتنة عظيمة، وهي فتنة خلق القرآن، الذي مزقت الأمة، وفرقت بين العلماء، وقت المحنة العظيمة الذي الكل يعلم بها. كانت هذه البذرة كتب الفلاسفة عندما عربت. فهذا الدليل، إخواني في الله، على أن كتب الضلال، وألحق العلماء كتب المبتدعة، فلا يجوز النظر فيها، لأنه قد اجتمعت على الباطل، وصاحبها لا يأمن على نفسه. فسرعان ما يأتيه العطب، ويأتيه كذلك الشك والريب. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.