شرح رسالة فضل الإسلام 33

شرح رسالة فضل الإسلام 33

الدرس في شرح رسالة فضل الإسلام 33، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في أهمية التسمية بالإسلام

يشرح المؤلف أهمية التسمية باسم الإسلام ويبين تأثير التعصب للقبائل على الفرقة بين الناس، مستشهدًا بحال العرب قبل وبعد الإسلام.

التعصب ودور الشيطان في تفريق المسلمين

يتناول كيف أدى التعصب القبلي والطائفي إلى تفريق المسلمين، ويبين دور الشيطان في التحريش بينهم من خلال النزاعات، ويشير إلى ضرورة الولاء والبراء على أساس الإيمان لا الأسماء المبتدعة.

أهمية الولاء والبراء على أساس الإيمان

يؤكد على أهمية الانتماء إلى الإسلام وعدم التنازل عنه لأسماء أخرى، ويشدد على ضرورة الولاء والبراء على أساس الإيمان، مستشهدًا بقول شيخ الإسلام حول موالاة المؤمن ومعاداة الكافر.

ختام الدرس والدعاء

يتضمن دعاءً بأن ينفع الله بما قيل ويصلي على النبي وآله وصحبه، ويظهر تواضعًا واعترافًا بقدرة الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب ما جاء في الخروج عن دعوة الإسلام. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب في هذه الرسالة التي نحن لا نزال في القراءة فيها والنظر في أبوابها، فبواب لنا هذا الباب، باب ما جاء في الخروج عن دعوة الإسلام. والمؤلف رحمه الله تعالى أورد هذا الباب، إخواني في الله، لعدة احتمالات منها أن المؤلف كما قد مر معنا أن الانتماء للإسلام، إخواني في الله، يكون بالأقوال والأفعال، يكون بالأخلاق والآداب وسائر الأحوال، ويكون أيضًا بالانتساب والانتماء إليه، وذلك بأن يتسمى هذا الذي دخل في الدين أن يتسمى باسم الإسلام، فهو مسلم، وأن يتنادى أهل هذه الملة باسم الإسلام، فنحن مسلمون. إذ أن في قوله: باب ما جاء في الخروج عن دعوة الإسلام، الدعوة تأتي بمعنى المناداة، وتأتي أيضًا بمعنى التسمية، إذن فهذا إراد في محله. فالمؤلف رحمه الله تعالى أراد أننا نتسمى باسم الإسلام أيضًا، كذلك من الاحتمالات الواردة في أن المؤلف رحمه الله تعالى أورد هذا الباب في فضل الإسلام، إشارة منه رحمه الله تعالى إلى أن من أعظم الأسباب التي أوْدت إلى خروج الناس عن التمسك الصحيح بالإسلام وخروجهم عن الجادة، هو ما كان من هذه المسألة، وهو أنهم تركوا التنادي باسم الإسلام، واستجلبوا لأنفسهم أسماء ما أنزل الله بها من سلطان. وهذا المبحث، إخواني في الله، مبحث مهم، مبحث مهم، إذ أن من تأمل في حال النزاعات والصراعات التي وصل إليها الناس، يجد أنها كانت من أعظم أسبابها هذه المسألة، ألا وهي مسألة النداء والتداعي بغير اسم الإسلام، هي التي أدت إلى الفرقة والاختلافات على سائر الأصناف، كما سيأتي معنا. وهذه المسألة، إخواني في الله، قديمًا وحديثًا. فالعرب، مثلًا، قبل بعثة رسول الله عليه الصلاة والسلام، كانوا ما يعترفون بنظام الحكم، أي بجعل أمير أو إمام أو حاكم أو زعيم يستولي عليهم أو يحكمهم، ما كانوا ما يعترفون بهذا النظام، لماذا؟ لأجل هذه الخصلة التي هم عاشوا وترعرعوا عليها، ألا وهو التعصب والانتساب لقبائلهم ولعشائرهم. كيف يتأتى لرجل من آل فلان أن يتزعمهم؟ لا والله، ما كان هذا ولن يكون. ومن هنا أشار نبينا إلى هذه المسألة، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: «من مات وليس في عنقه بيعة، فميتة جاهلية». قال الشراح: معنى ميتة جاهلية، أي أنه يموت كما يموت أهل الجاهلية، إذ أنهم يموتون وليس في أعناقهم بيعة. ما الذي أوصلهم إلى هذا الحد؟ هذه المسألة، هذه الدسيسة، التعصب، التعصب. اخترعوا لأنفسهم أسماء، انتسبوا إلى قبائلهم، إلى عشائرهم، إلى أوطانهم، إلى بلدانهم، إلى رقعة، أو إلى فصل، أو إلى حسب، أو إلى نسب، استماتوا عليه، فعليه كان هذا الأمر حتى أوصلهم إلى هذه الحالة من التشتت والتنازع. ولما بعث نبينا صلى الله عليه وسلم إلى العرب، وأتى بما أتى به من الشرع المنزل بالوحي والقرآن، وأتى بهدي الإسلام، كان من أعظم ما أدى إلى نفور بعض الناس عن دعوته عليه الصلاة والسلام، أسئلة التعصب، التعصب. نحن من آل فلان، كيف لنا أن نتنازل لآل فلان؟ حتى قال قائلهم حينها: إذا كانت السدانة والحجابة في بني هاشم، ثم النبوة، فماذا بقي لنا؟ فماذا بقي لنا؟ أين الشرف؟ يكون الشرف كله لبني هاشم، ونحن ما عندنا شيء؟ لا والله، فأنفوا عن الإسلام. إذا كانت السدانة والحجابة، وهي من أعمال الكعبة في مناسك الحج، إذا كانت السدانة والحجابة في بني هاشم، ثم النبوة، فماذا بقي لنا؟ لا شيء، إذا ما نؤمن. وهكذا وصل بالحال لأصحاب الردة، عندما ظهرت ظاهرة الردة وارتد من ارتد، وكان من ذلك ما خرج به مسيلمة بدعوته. كان من قول بعض أتباعه أنه قال: صادق أو قل كاذب بني يمامة، ولا صادق بني هاشم، كاذب أو كذاب بني يمامة. أي مسيلمة الكذاب كان من أهل يمامة، ويقول أتباعه: نحن نتبع هذا الرجل، نعلم أنه كذاب أشر، نعلم ذلك، لكن ما الحيلة أن نتركه وهو منا وفي أصلنا وفصلنا، ثم نؤمن لرجل آخر؟ لا والله، يقول: كذاب بني يمامة، ولا صادق بني هاشم. هذه دعوة مقيتة، إخواني في الله، التعصب المقيت لأسماء جعلها الناس لأنفسهم. وإن هذا الأمر لم يقف، إخواني، فالتعصب إلى هذه الأسماء التي اخترعها الناس لأنفسهم من عشائر وقبائل، حتى وصل الأمر إلى أهل الإسلام. أجد أن كثيرًا من الناس، والهاءم أعظم ما ظهر بين أهل الإسلام، التعصبات لهذه الأسماء التي اختلقوها واخترعوها لأنفسهم. فذاك اخترع له اسمًا، فتعصب له، قبيلة، عشيرة، ملة، نحلة، فرقة، جماعة، رقعة، بلدة. وهذا الذي حرص عليه الشيطان كل الحرص، يدل على ذلك ما رواه جابر في صحيحه، من حديثه، ما رواه مسلم في صحيحه، من حديث جابر بن عبد الله، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الشيطان يأس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن بالتحريش بينهم». الشيطان يأس، وكاد أن يدخله اليأس، مما راه من تشبث أهل الإسلام بتوحيد الله، هو دخله لأساليبه، لا زال يحاول في إخراجهم، إلا أنه التفت إلى مسألة مهمة، وهي التفريق والتشتيت، ولكن بالتحريش بينهم. ومن أعظم ما استطاع أن يحرش به بين المسلمين، هذه النزاعات الموجودة بين أهل الإسلام، وكلها تقود إلى عدم دعوة الناس باسم الإسلام. أصبح التنادي باسم الإسلام قليلًا قليلًا بين المسلمين. تجد هناك عندنا النزاعات القبلية، والولاءات الحزبية، وعندنا الشعارات الطائفية، حتى المناطقية، بين منطقة ومنطقة، كل يقول: من أين أنت؟ أنا من فلان، إذن لا أبالي بك. ونحن، إخواني في الله، ونحن نتكلم عن الدعوة، وهي الأسماء التي اخترعها الناس وينتسبون إليها. نحن لا نحرمها جملة وتفصيلًا، لا، إن كانت هذه الأسماء التي جعلها الناس لهم من باب التعريف بهم، كانتسابهم لبلدة أو لوطن أو لقرية أو لقبيلة، هذا ليس هناك محذور، فهذه الأسماء من الأسماء المباحة، لأنها جاءت من باب التعريف. فبالأمس قد عرفنا بالإسلام أن سلمان فارسي، وأن بلال حبشي، وأن صهيب رومي، هذا تعريف لأنسابهم، لأوطان، لا شيء في هذا. لكن الإشكال، إخواني في الله، أن يكون عليه الولاء والبراء. يؤتى بأسماء تزاحم لفظ الإسلام، ثم يُعقد عليها الولاء والبراء. الولاء والبراء، فمن كان منطويًا تحت هذا الاسم، فهو منك وإليك، ومن لم ينتم إليه، فهو عدو لك، هكذا حال بعض الناس. الولاء يوالي، يوالي مثلًا من كان من بني جلدته، ومن كان من قومه وعشيرته، بغض النظر عن دينه وديانته، بغض النظر عن فجوره ومجونه، يعطيه كامل حقوقه. بالمقابل، من لم ينتمي لهذا الاسم الذي وضع له، من لم ينتمي إليه، فهو عدو له، ما يبالبه في أي واد هلك، ولو كان مؤمنًا مسلمًا تقيًا نقيًا وليًا. هذا بلاء، هذا بلاء، إخواني في الله، قد وجد في هذه الأزمان. والقاعدة في هذا الباب، ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، ولله دره، قال: وليعلم أن المؤمن تجب موالاته، وإن ظلمك واعتدى عليك، والكافر تجب معاداته، وإن أعطاك وأحسن إليك. هذا المقياس، المقياس، اسم الإيمان، اسم الإسلام، هذا الذي عليه عقد الولاء والبراء. المؤمن مؤمن، هو أهلك، هو منك وإليك، قال: وإن ظلمك واعتدى عليك، هو مؤمن تجب موالاته على قدر إيمانه. والكافر كافر، عدو لك، تجب معاداته، وإن أعطاك وأحسن إليك، أحسن إليك. فالولاء والبراء، إخواني، فإنما على هذه المصطلحات الشرعية، على هذه الدعوة التي أمرنا الله جل وعلا أن نتنادى بها، باسم الإسلام والإيمان، باسم الإسلام والإيمان. فنحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزة بغيره، أذلنا الله. وإن من أعظم الاعتزاز، يا عبد الله، كما أنك تعتز بالتمسك بهذا الدين، اعتز بهذا الاسم الذي سمى الله جل وعلا به، كما سيأتي. فنحن أهل الإسلام نعتز بهذا الاسم، أما أننا نتبرأ أو نتهرب من هذا الاسم، ونأتي بأسماء أخرى نوالي ونعادي عليها، كاسم القومية أو الوطنية أو الحزبية أو القبلية، لا، يا عبد الله، هذه من مداخل الشيطان، ما وراءها عزة، هذه ما وراءها عزة، إن من وراءها المهانة والمذلة. وتأمل، يا عبد الله، إلى حال من علامات قرب الساعة، ما يكون من قتال المسلم مع اليهود، مع اليهود في آخر الزمان، مقتلة عظيمة، حتى أن اليهود يختبئون خلف الشجر والحجر، جبنًا وخوفًا من أهل الإسلام، يختبئ، علّ وعسى أن ينجو، فإذا بالحجر والشجر ينطقهم الله، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهودي خلفي، تعالى فاقتله. لكن الشاهد من هذه الآية العظيمة، بماذا يناديك؟ ما يناديك بقبيلتك، ولا بعشيرتك، إنما يناديك بهذا الاسم المعظم، اسم الإسلام، يا مسلم، يا مسلم، هذه دعوة الإسلام، إخواني في الله، الذي أمرنا أن نتداعى وأن نتنادى بها. فإن الله جل وعلا جعل بين أهل الإسلام رابطة عظيمة، هي رابطة الإيمان، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، ما هناك رابطة تعادلها، ولا تساويها، ولا توازيها أبدًا، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. فحوى هذه الرابطة أن كل من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولًا، فهو أخ لي، أخ لي، مهما تناءت بنا الديار، واختلفت عنا الأبشار واللغات والعادات والثقافات. وحيثما ذكر اسم الله في بلد، أعددت أرجاءه من لب أوطاني، في أي بلد، ولو كان في شرق الدنيا، في غربها، أو في شرقها، أو شمالها، أو جنوبها، كل من يذكر اسم الله جل وعلا، فهذا مسلم، أخ لي، بغض النظر، لا مبالين بحدود، ولا مكترثين بسدود. فهكذا، إخواني في الله، ينبغي أن يفهم هذا الموضوع. ولهذا أشار المؤلف رحمه الله تعالى لهذا المبحث المهم، فقال رحمه الله تعالى: باب ما جاء في الخروج عن دعوة الإسلام. وسيذكر رحمه الله تعالى الآيات والأحاديث بهذا الصدد، الدالة على ضرورة أن ينتمي المسلم إلى هذه التسمية، والأسماء التي أتى بها شرعنا، اسم الإسلام، واسم الإيمان. وسنذكر كذلك حينها، إخواني في الله، ما يذكره العلماء من أقوال في هذه المسألة، حتى نتعرف إلى ما هو المذموم الممنوع، وما هو المشروع الذي أذن بالانتساب إليه بشروطه. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.