الدرس في شرح رسالة فضل الإسلام 36، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح أهمية التمسك بالجماعة وخطورة الفرقة، مستشهدا بحديث "من فارق الجماعة قيد شبر فمات فميتة جاهلية". يوضح معنى الميتة الجاهلية.
التفرق في الدين يؤدي إلى العداوة والبغضاء والتفرق في الأبدان والتقاتل. بينما يدعو الإسلام إلى الاجتماع في الدين والأبدان.
يؤكد الإسلام على أهمية الاجتماع والوحدة بين المسلمين في العبادات والشعائر الدينية، ويحذر من التفرق والقطيعة ويأمر بالتعاون والمودة.
يدعو الإسلام إلى الاجتماع على دين واحد وكتاب واحد وهدي رسول الله، ويستلزم الالتزام بالاجتماع الجسدي مع الآخرين.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال إمام المؤلف محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في فضل الإسلام: قال وفي الصحيح «من فارق الجماعة قيد شبر فمات فميتة جاهلية». أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث في هذا الباب، باب ما جاء في الخروج عن دعوة الإسلام، ومر معنا معنى الآيات والأحاديث المتعلقة بهذا الباب، وهنا أورد لنا قوله عليه الصلاة والسلام «من فارق الجماعة قيد شبر فمات فميتة جاهلية». وقوله رحمه الله تعالى: وفي الصحيحين في البخاري ومسلم إلا أنه بلفظ «فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات فميتة جاهلية»، بلفظ «فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات فميتة جاهلية»، أي من غير لفظ «قيد شبر»، ليس فيه هذه اللفظة المذكورة، إنما جاء ذلك خارج الصحيح. ومعنى قوله عليه الصلاة والسلام «من فارق الجماعة قيد شبر»: قيد هنا بمعنى مسافة، ولا تنطق قيد قيد شبر، لا القيد آخر معناه آخر، وهو بمعنى التكبيل وبمعنى التوثيق بمعنى الربط، هذا معنى القيد، لكن هنا بمعنى قيد أي بمعنى المسافة «من فارق الجماعة قيد شبر فمات فميتة جاهلية». هذا الحديث إخواني في الله حتى ينبغي أن نفهم فحواه. ومعنى هذا يرجعنا إلى أمر مهم، وهي ما كانت عليه حياة أهل الجاهلية، كان أهل الجاهلية -وأعني بهم كل من كان قبل بعثة رسول الله عليه الصلاة والسلام- كانوا متفرقون، والأمر كما قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: أهل الشرك مفترقون أو متفرقون، وأهل الإخلاص متفقون، أهل الشرك متفرقون وأهل الإخلاص متفقون. فأهل الشرك كانوا على فرقة، ففرقة عظيمة، وفرقتهم يمكن حصرها إلى نوعين اثنين: إلى فرقة في الأديان، وفرقة في الأبدان، هذا وهذا. أما فرقتهم في الأديان فهذا لا يخفى على أحد، فكانوا على فرقة عظيمة، يعبدون أصنافا وأشكالا من المعبودات عندهم من الملل والنحل ما لا يعد ولا يحصى. نبينا صلوات ربي وسلام عليه، ما قال العلماء عندما بعث في زمنه؟ ماذا وجد الناس؟ وجد الناس أنهم على صنفين: إما كتابي وإما أمي، هذا الكتابي إما أنه على كتاب مبدل أو على كتاب منسوخ أو على كتاب مجهول أو على كتاب اندرس واندثر. والطائفة الأخرى وهم الأميون، والأمي إما عربي وإما عجمي، وهؤلاء إنما يعبدون كل ما استحسنوا، كل ما خطر على بالهم عبدوا، فذاك الذي يعبد القبر، وذاك الذي يعبد الشجر، وآخر يعبد الحجر، وذاك الذي يعبد الوسن، وآخر يعبد الصنم، لا يعد ولا تحصى من هذه المعبودات أشكال وألوان بالآلاف. نبي لما فتح مكة صلوات ربي وسلامه عليه، ماذا وجد حول الكعبة؟ وجد الأصنام التي تعبد، كم كانت؟ خمسة؟ تظن أنها عشرة؟ كانت فوق ذلك، أكثر من ثلاثمائة صنم، هذا فقط الذي حول الكعبة، ثلاثمائة صنم وأكثر تعبد من دون الله، وكل طائفة من هؤلاء اختاروا صنما يعبدونه آلهة، فرق في الأديان عظيمة. وكما مر حتى وجد هذا في أهل الكتاب، وهم أعلى مقام من أهل الأوثان، أهل الكتاب أعطاهم ربنا جل وعلا كتبا وأنزل إليهم رسلا، ومع ذلك هم في فرق في أديانهم، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾، وهم أهل كتاب، وهم أهل كتاب، فإذا كان هذا بين أهل كتاب، وكلهم يذم آخر في دينه، فما ظنك بأهل الصنم وأهل الوثن وعباد الشجر والحجر؟ هم من باب أولى في فرق عظيمة. ثم هم ليس فقط الفرق من دين إلى دين، ومن دين إلى آخر، لا، الفرق حتى في الدين الواحد، هنا البلية، في الدين الواحد يقع بين أفراد أسرته وأهله ومن كان متبعا لهذه الملة الضالة، هم في أنفسهم قد تفرقوا، كما قال عليه الصلاة والسلام: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتي وسبعين فرقة»، وهم في ملة واحدة، ومع ذلك وجد الشقاق والنزاع فيما بينهم. وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وهكذا ابن القيم، عند قول الله جل وعلا: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا عَلَيْهِمْ مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾، هذا مما ولد -أي الفرقة التي بينهم- ولد الأمر الثاني، وهي ماذا؟ وهي فرقة الأبدان. وفي قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾، الفرقة التي كانت بين الأديان، بين اليهودية، بين النصرانية، بين عباد الأصنام، بين عباد الأوثان، هم تفرقوا في أديانهم، الأمر لم يقتصر على هذه الفرقة، بل هذه فرقة الأديان ولدت الفرقة الأعظم، وهي الفرقة الأبدان، فكان في أمرهم التقاطع والهجران والعداوة والبغضة. وبهذا نعلم التلازم بين الفرقتين، فمن افترق في دينه، لزم هذا أن يفترق في بدنه، والدليل هذه الآية كما سمعتم: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا عَلَيْهِمْ مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾، فلما كان من تضييعهم لأمر دينهم، ابتلاهم الله جل وعلا بالعداوة والبغضة. فقال شيخ الإسلام ابن القيم: إن البغضة والعداوة إنما كانت نتيجة للتفرق في الدين. وقد علق الإمام السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره عند هذه الآية: أن اليهود وأن النصارى قالوا: كانوا ولا يزالون فيهم من الشقاق والعداوة والبغضة. فافهم هذا يا عبد الله، عندهم بغضة، ولا يغرنك ما تجده من اجتماعهم أو من تحالفهم تحت عدة مسميات، تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى، لا تظن أن الدول الكافرة على قلب رجل واحد، لا والله، أقولها وأحلف بها ولست بحانث، لا والله ليس على قلب رجل واحد، ومن تأمل في حياتهم يعلم ذلك. يذكر العلماء في حق النصارى خاصة أنهم انقسموا في أديانهم إلى كاثوليك وبرستات، مذاهب معروفة عند النصارى، كفروا بعضهم بعضا، حتى صار لهم إنجيل خاص بهم، فرق في الدين، فما الذي ولدت؟ فرق في الأبدان، فكانت تقام بينهم الحروب الضروس، حتى ذكرت في أحد الأزمان في أسبانيا وقعت ملحمة ومعركة بين النصارى بين البرستات مع الكاثوليك، حتى قتل فيها خمسين ألف قتيل منهم، يتقاتلون يتقاتلون. وهكذا قل في أهل الجاهلية، عبد الأصنام، تفرقوا في أديانهم، ولد هذا الفرق في أبدانهم، ما منا من أحد وإلا وسمع بالتاريخ العربي القديم عن حرب البسوس أو داحس والغبراء، حروب قامت بين العرب طويلة الأمد، بلغت إلى أربعين عاما، أربعين سنة، هذا يقتل ذاك، وذاك يقتل ذا، ذا يقتل ذا، وذاك يقتل ذا، أربعين سنة على أمور سخيفة، داحس والغبراء على سباق فرسين، وحرب البسوس على ناقة. ثم وقعت هذه المقاتل العظيمة، هذا مما أتى إخواني في الله، هذا أتى من التفرق في الدين، ولد منهم الأمر الثاني، وهو التفرق في الأبدان، فكان أهل الجاهلية على هذا، كانوا على فرقة في دينهم، وفرقة أيضا في أبدانهم. فلما جاء رسولنا الأمين عليه الصلاة والسلام، بعثه الله بالاجتماع، وكان ينادي صلوات ربي وسلام عليه بالجماعة في أمرين اثنين: الاجتماع في الدين والاجتماع في الدنيا، أي في الأبدان، دعا إلى هذا ودعا إلى هذا، وهما متلازمان، لأن من اجتمع في الدين فإنه سيلتزم أنه لا بد أن يجتمع في البدن. أما الاجتماع في الدين إخواني في الله، أدل عليه كثيرة، فيها الأمر بأن نجتمع، «واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا»، نعتصم بحبل الله، بالصراط المستقيم، ربنا واحد، كتابنا واحد، نبينا واحد، قبلتنا واحدة، فمن علامات التأشتات والفرقة، فأمر نبينا بالاجتماع في أدياننا. ومن تأمل إلى معظم شعائر الدين الإسلامي تجد أنها تقوم على هيئة اجتماعية، من ذلك الصلاة، حث الشرع أيما ترغيب على ضرورة إقامة صلاة جماعة، وجعل في حقها الفضائل الكثيرة، صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفرد بخمس وعشرين درجة، وفي رواية بسبع وعشرين درجة، ليس فقط هذا في صلاة الجماعة، بل سائر الصلوات حث الشرع على أدائها جماعة، صلاة الكسوف جماعة، الخسوف جماعة، الاستسقاء جماعة، صلاة الجنازة جماعة، صلاة الجمعة تؤدى جماعة. والصيام من أركان الدين، ما يتأتى لواحد أن يصوم إلا في جماعة المسلمين، في جماعة المسلمين، الصوم يوم يصوم الناس، الصوم يوم يفطر الناس، كن مع إخوانك، صوم معهم، لا تشذ يا عبد الله. وهكذا الحج، ما يكون إلا في هيئة جماعية، في زمن واحد، وفي مكان واحد. وهكذا قس سائر العبادات والتعبدات، حتى في الأمور الدنيوية، الطعام والشراب، مر ذلك معنى في دروس سابقة، كيف أن الشرع حث على الأمر الاجتماعي، «اجتمعوا على طعامكم يبارك لكم الله فيه»، اجتماع على الطعام، فقس على ذلك يا عبد الله، كيف أن الشرع يحرص على أن المسلم يكون في هيئة جماعية، لا يجذ، لا يخرج، فإنه من شذ شذ في النار، وإن العبد كلما فارق إخوانه كلما كان لقمة سائغة للشيطان. قال عليه الصلاة والسلام: «الشيطان مع الواحد، وهو مع الاثنين أبعد»، سبحان الله، الشيطان إذا وجد الهيئة الجماعية يضعف، يخاف من اجتماع الناس، وخاصة في دينهم. وكذلك دعا نبينا إلى الاجتماعي في الأبدان، أن نكون على هيئة قلب رجل واحد، وعلى هذا جاءت الأدلة الكثيرة المحذرة والمنذرة من ظهور ظاهرة القطيعة، من عقوق الوالدين، من قطيعة الأرحام، من الهجران بين الجيران، من القطيعة بين المسلم يا أخيه المسلم. فأمر نبينا ونهى عن كل ما يؤدي إلى الشحناء، «لا تحاسدوا، لا تباغضوا، لا تجسسوا»، إلى آخر ذلك. وأمر بالمقابل أن يغض الطرف عن أخيه قدر المستطاع، فأمر بالصفح، أمر بالإحسان مع الآخرين، أمر بالتناسي، أمر بالتجاهل، بالعفو عن الزلات، كل ذلك في سبيل ماذا؟ في سبيل أن يكون المجتمع على هذا الكيان الموحد، ما يكون بينهم قطيعة ولا شحناء. ومن ذلكم أن نجتمع في مجتمع واحد تحت إمام واحد، قال عليه الصلاة والسلام: «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يفرق بينكم فاقتلوه»، سبحانه، أصبحت جريمة، هذه أن يأتي أحد ويفرق بين صفوف المسلمين وقد اجتمع بأبدانهم. «من أتاكم وأمركم جميع على رجل يريد أن يفرق بينكم فاقتلوه»، وبهذا تعلم يا عبد الله حرص الإسلام على أن الناس يجتمعون في دينهم ويجتمعون أيضا في أبدانهم. ولهذا قال المؤلف رحمه الله تعالى بما صح عن رسول الله أنه قال: «من فارق الجماعة قيد شبر فمات فميتة جاهلية». قال العلماء: أي أنك تموت كما يموت أهل الجاهلية. وقد مر معنا في مقدمة الدرس كيف كان أهل الجاهلية كانوا متفرقين، تفرقهم في أبدانهم من العداوة والبغضاء والشحناء والقطيعة والحروب والمهاترات والمهاجرات التي بينهم تدوم، ثم كذلك ما كان من انقطاعهم في أديان وتفرقهم. فقال: فمن مات من فارق الجماعة قيد شبر فمات فميتة جاهلية، أي ليست هذه ميتة الذي يموتها المسلم، وإنما المسلم إخواني في الله ينبغي لمن اعتصم بالإسلام أن يكون حاله كما أمر الله جل وعلا به، وعلى هذا قام الإسلام. يقوم الإسلام على دعوة الاجتماع، اجتماع في الأديان، أن نجتمع على هذا الدين، على صراط واحد، على كتاب واحد، على هدي رسول الله عليه الصلاة والسلام. ومن ثم، وكما قال علماء، فإن الاجتماع في الدين سيلتزم منه صاحبه أن يجتمع معنا في البدن. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.