شرح رسالة فضل الإسلام 40

شرح رسالة فضل الإسلام 40

الدرس في شرح رسالة فضل الإسلام 40، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

وجوب الدخول في الإسلام كاملاً وتفسير الآية الكريمة

استدل المؤلف بآية 'يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة' على وجوب الدخول في الإسلام كله. الآية تشمل جميع المسلمين وتأمرهم بالدخول في شرائع الإسلام كلها.

تفسير السلم وكافة والفوائد المستنبطة من الآية

يناقش المقطع تفسير الآية الكريمة ويبين أن السلم هنا يعني الإسلام، ويشرح معنى كلمة 'كافة'. الفوائد المستنبطة تشمل أهمية التمسك بجميع شرائع الإسلام والنجاة من الشيطان.

خاتمة الفصل والاستدلال النهائي

يختم المؤلف الفصل بالاستدلال بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة﴾ على وجوب الدخول في الإسلام كله، ويتمنى أن ينفع الله تعالى بما قيل.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة﴾. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية لكي يستدل بها على هذا الباب الذي بوابه وعنونه بقوله: باب وجوب الدخول في الإسلام كله وترك ما سواه. باب وجوب الدخول في الإسلام كله وترك ما سواه، فاستدل بهذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة﴾. وقد جاء عن جماعة من السلف، كما ثبت ذلك عن مجاهد وعن قتادة، أنهما قالا: نزلت في المسلمين، يأمرهم الله بالدخول في شرائع الإسلام كلها. وهذا هو الشاهد، ولهذا أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية تحت هذا الباب، إذ أنها وافقت المدلول. نقل عن مجاهد وقتادة أنهما قالا: نزلت -أي هذه الآية- وإن كان هذا من المرسل، لكنه مما يعضد وبه يفهم فهم السلف لهذه الآية، قالا: نزلت في المسلمين، يأمرهم الله بالدخول في شرائع الإسلام كلها. وفي قوله سبحانه وتعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، هذا الخطاب وارد فيه من المسائل أنه يعم أهل الإسلام وأهل الإيمان، فليس هو خاصًا لفئة المؤمنين دون غيرهم. وقد أدمجت معنا القاعدة في أوائل هذه الرسالة على أن لفظ الإسلام والإيمان هما مصطلحان إذا اجتمعا تفرقا، وإذا تفرقا اجتمعا. فقوله سبحانه وتعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ هو خطاب كذلك لأهل الإسلام، فإنهم مخاطبون بهذه المسألة، فهو يشمل الجميع. والثاني من فوائد هذا النص: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، فيه الأثر المترتب على هذه الآية. فقد روى البيهقي رحمه الله تعالى بسند صحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: إذا سمعت ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فأعرها سمعك -أعرها بمعنى أنصت وتمعن- فأعرها سمعك، فإنه خير تؤمر به أو شر تنهى عنه. وهذه تعتبر قاعدة كلية أغلبية على أن الآية القرآنية إذا افتتحت بقوله سبحانه وتعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فإنك ستجد بعدها إما أمرًا يأمرك الله به أو نهيًا ينهاك الله عنه. ﴿يا أيها الذين آمنوا كُتِب عليكم الصيام﴾، ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته﴾، ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا﴾ إلى آخر الآية، فتجد أن السياق على هذا المنوال، ما يأتي هذا النداء إلا وبعده أمر أو نهي. لهذا قال ابن مسعود: إذا سمعت ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فأعرها سمعك. وهذه الآية من هذا الباب، وكذلك في هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فيها أن النداء للجميع، فيشمل ذلك الصغير والكبير والذكر والأنثى والعظيم والحقير والغني والفقير، وهكذا الجن والإنسي، فكلنا ملزمون بحكم هذه الآية. ثم قال سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم﴾، هذه اللفظة هي على قراءتين: على قراءتنا -قراءة حفص عن عاصم- نقرأها بالكسر: ﴿في السلم﴾، وفي قراءة غيرنا تنطق بالفتح: ﴿في السلم﴾. ونحن في قراءتنا: ﴿بالسلم﴾. ومعنى قوله عز وجل: ﴿أدخلوا في السلم﴾ بمعنى الإسلام، فالإسلام سلم. ذكرنا كذلك في بداية شرح الرسالة فضل الإسلام، وما يتعلق بتفسير الإسلام، وقلنا: إن الإسلام مأخوذ من عدة معاني، فهو مأخوذ من الاستسلام؛ لأن المسلم يكون مستسلمًا: ﴿وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له﴾، فأنت مسلم، وهذا هو أمر الإسلام. وأيضًا من معاني الإسلام المسالمة؛ أن تكون سلما لغيرك، كما في الحديث: «والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده». فإذا فمعاني الإسلام تقوم على الاستسلام وعلى المسالمة، فالإسلام مأخوذ من السلم. ولهذا قال الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم﴾ أي ادخلوا في الإسلام، فهذا هو المعنى. ومن العجب العجاب أو قل من العبث الذي أتى به المبتدعة كالرافضة أن تلاعبوا بتفسير القرآن، حتى إن بعضهم أخذ يفسر هذه الآية، ففسر السلم بمعنى الولاية: ﴿يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم﴾ قالوا: ادخلوا في الولاية، أي ادخلوا في ولاية علي. ما هذا اللعب وهذا العبث؟ هذا ليس بتفسير وليس بتأويل، بل يعبر عنه العلماء: هذا عبث بكتاب الله، عبث بكتاب الله عز وجل أن يفسر هكذا من غير أسس صحيحة، لا بدلالة شرعية ولا بدلالة لغوية، فهذا من التلاعب بكتاب الله. فالسلم هنا بمعنى الإسلام: ﴿ادخلوا في الإسلام﴾. وفي قوله سبحانه وتعالى: ﴿كافة﴾، ﴿يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة﴾، كافة قال العلماء: هي كلمة تأتي بمعنى من يكف غيره، هي اسم فاعل: كاف، أي يكف غيره، يعترض على غيره، يكف. وهذا المعنى فسر فيه قول الله عز وجل: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس﴾، أي بمعنى كافًا، والتاء قيل: هنا للمبالغة، جئ بها للمبالغة. وفسر على هذا المعنى: أي أنك يا محمد ما أرسلت إلا لكي تكف الناس عما يضرهم، بعثتك للبشرية أنك تكفهم عما يضرهم. ولهذا كان من أسباب بعثته أن يخرج الناس من الظلمات إلى النور، فهذا هو المعنى لكلمة كاف: هو الذي يكف غيره. وتأتي كاف أيضًا بمعنى الجميع، تأتي كافة بمعنى الجميع، مثل لفظة عامة: كافة بمعنى عامة، أي بمعنى الجميع. وعلى هذا كما في قولي عليه الصلاة والسلام: «وكان النبي يبعث في قومي خاصة، وبعثت للناس كافة»، وبعثت للناس كافة، إذن كافة تأتي في المعنى الأصلي بمعنى الذي يكف الغير، ومن معانيها أن تأتي بمعنى الجميع. وهل هناك ارتباط بين المعنيين؟ قال علماء: نعم، هناك ارتباط. وجه الارتباط -إخواني في الله- بين المعنيين: على أن الإنسان إذا كان في جماعة فإنه بجماعتهم يكف، يكف الضرر عن أنفسهم. الإنسان إذا كان في جماعة يكون له شوكة، يكون له حشد، يكون له جمع، بهذه الجموع يكف، سيكف عن أنفسهم الضرر. ولهذا: «يد الله مع الجماعة»، و«القوة مع الجماعة»، فهذا الارتباط بين معنى الكاف. ثم تأتي مسألة، فقوله سبحانه وتعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة﴾، كافة تعود على ماذا؟ هنا اختلف العلماء من المفسرين. كافة هي حال عن من؟ قيل: هو حال عن المخاطبين، بمعنى: يا أيها الذين آمنوا ادخلوا جميعًا في الإسلام. ادخلوا جميعًا في الإسلام، كافة تعود إلى المخاطب وهم أهل الإيمان، يخاطبهم ربنا بكليتهم: يا أيها الذين آمنوا ادخلوا جميعًا في الإسلام. هذا القول، القول الثاني: أن كافة تعود للإسلام، للسلم، ويكون المعنى حينها: يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في جميع الإسلام. ادخلوا في جميع الإسلام، فإما أن تعود للضمير إلى جميع المؤمنين يدخلون في الإسلام، أو أن المؤمنين يدخلون في جميع الإسلام، في جميع شرائعه. هذا قول، وهذا قول. والراجح -والله تعالى أعلم- والذي عليه جماعة من المحققين: الثاني، وأن معنى الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة﴾ أي ادخلوا في جميع الإسلام، ادخلوا في الإسلام جميعه. هذا المعنى هو الأوضح والأصرح وهو الأقرب للصواب. لماذا؟ لعدة أمور، الأمر الأول: لو قلنا على المعنى الأول: بأن ﴿يا أيها الذين آمنوا ادخلوا جميعًا في الإسلام﴾ دل هذا الكلام على أن من أهل الإسلام -من المؤمنين- من لم يدخل في الإسلام أصلا، من لم يدخل في الإسلام أصلا، فندعو الجميع أن يدخل. إذا كان كذلك، فهل نسمي هؤلاء أهل إيمان وهم ما دخلوا؟ يا أيها الناس ادخلوا في الإسلام، إذا ما دخلوا في الإسلام، هل نسمي هؤلاء أهل إيمان؟ ما يصح هذا المعنى. ولهذا يرجح جماعة من العلماء القول الثاني: بأن كاف حال عن الإسلام، بمعنى: يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في جميع الإسلام، ولا تتركوا منه شيئًا. وهذا المعنى، ويزداد على ذلك ما مر معنا من تفسير السلف كمجاهد وقتادة رحمهم الله تعالى. فهذا المعنى الإجمالي لهذه الآية الذي استدل بها المؤلف: ﴿يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة﴾. وهنا ناسب أن نذكر فوائد من هذه الآية، ونقف على فائدتين اثنتين، ولا نزيد على ذلك. الفائدة الأولى: فيها أن من مقتضى الإيمان أن المسلم يستمسك بجميع الإسلام، يستمسك بجميع الإسلام بكل ما جاء به الرب جل وعلا في دينه وملته، بأقواله وأفعاله وأحواله، بالظاهر والباطن، ما كان من تعامل عبد مع ربه، وتعامل عبد مع خلقه، مع كل شيء تدخل وتستمسك بكل شيء. حتى إن من العلماء من لربما يعيب على بعض الناس أنه يسأل: هذا واجب ولا مستحب؟ إذا كان واجبًا عمل به، وإن كان مستحبًا زهد فيه. قال: ما ينبغي هذا السؤال، إلا إذا كان من باب البحث العلمي، وكونك تريد أن تعرف الحكم الشرعي هذا أمر آخر. لكن كونك تسأل عن ذلك: هذا واجب ولا مستحب، فإن كان واجبًا وخلاص أنا سأضطر إليه، وإن كان مستحبًا تزهد فيه، فمن أهل العلم من يرى أن هذا ما ينبغي؛ لأن الله قال: ﴿أدخلوا في السلم كافة﴾ أي في جميعه، كل شيء من الدين خذه يا عبد الله، ولا تتهاون بشيء من أحكامه. إذن هذه الفائدة الأولى: أن من مقتضى الإيمان أن تأخذ بجميع شرائع الإسلام. الفائدة الثانية: أن من فضيلة التمسك بجميع شرائع الإسلام أنها تقيك من الشيطان. والدلالة على ذلك في تتمة الآية، حيث قال ربنا جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان﴾. قال العلماء: فيه إشارة لهذه الفائدة على أن من تمسك بكل شرائع الإسلام لن يقع في خطوات الشيطان، وأن العكس بالعكس، وأن من لم يستمسك بالإسلام وبشرائعه فهو مظنة لأن يقع في حبائل الشيطان. قال العلماء: فإذا كان الصف صفوف المصلين، إذا كان فيها خلل، فإن الشيطان يتحلل بين المصلين، كما صح عن رسول الله حيث قال: «تراصوا وصفوا الصفوف، والذي نفسي بيده إني لأرى شياطين خلال صفوفكم، تراصوا وصفوا الصفوف، فإن والذي نفسي بيده إني لأرى الشياطين خلال صفوفكم». أي: لما يجد الشيطان خللًا بين مصل ومصل يدخل. قال العلماء: إذا كان هذا في حق الذي يراخي بين الصف، فكيف الذي يتراخى في أحكام الإسلام؟ فإن الشيطان سيدخل عليه. لكن متى ما وجدك الشيطان مستمسكًا بالإسلام كله، فإن حيلته تضعف: ﴿يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان﴾. فنختم بهاتين الفائدتين اللتين في هذه الآية، والشاهد من هذا كله أن المؤلف رحمه الله تعالى عندما بواب على هذا الفصل الذي بين أيدينا: باب وجوب الدخول في الإسلام كله، استدل بهذه الآية الواضحة الدلالة في قول سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة﴾. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.