الدرس في شرح خمسون حديثا في العقيدة 38، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح الحديث الثامن والثلاثون من صحيح مسلم وتوضيح تفسير أهل السنة له، حيث يبين أن المعاصي لا تخرج الفاعل من الإسلام. يوضح الشيخ اختلاف الوعيدية وأهل السنة في تفسير الحديث.
يفسر الحديث النبوي بأن الإيمان يُنفى عن مرتكب المعصية أثناء فعلها، مع إثبات الإيمان قبل وبعد المعصية. يوضح اختلاف أهل السنة في تفسير الحديث بين نفي كمال الإيمان وإبقاء اللفظ على ظاهره.
يشرح تفسير نزع الإيمان عند المعصية، حيث يوضح ابن تيمية أن نزع الإيمان يعني ضعف الإيمان أو غلبة الشهوة، فيصبح الإيمان غير فعال. يبين أن الإيمان لا يُنزع بالكامل بل يضعف في لحظة المعصية.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال شيخنا غفر الله لنا وله وللمؤمنين: الحديث الثامن والثلاثون. قال الإمام مسلم: حدثني محمد بن المثنى، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن سليمان، عن ذكوان، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، والتوبة معروضة بعد». السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. هذا الحديث من الأحاديث التي تتعلق بمبحث الإيمان، وهي مما ينبغي أن يعتني بها طالب العلم خصوصًا، وأنه بمثلها استدل الوعيدية على مذهبهم الباطل الذي به كفروا المسلمين، كفروا أصحاب المعاصي، وهو الفاسق الملي، الفاسق الذي ينتسب إلى ملة الإسلام، كفروه بأدلة ليس فيها ما يدل على ما يذهبون إليه، ومن ذلك ما في هذا الحديث. ولكن تفسير هذا الحديث عند أهل السنة والجماعة لا يعارض الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة التي تدل على أن الفاسق الملي لا يزال في دائرة الإسلام، أي الفاسق الذي فسقه لم يخرجه من دين الإسلام، بل هي معاصٍ، فهذه المعاصي وإن فعلها عمدًا هي لا تخرجه عن دائرة الإسلام، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾، وكما قال كذلك نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هذا الحديث، وفي غيره من الأحاديث الأخرى، بإثبات الإيمان للمؤمن مع وجود المعاصي، ومنها عند القتل، بل قال الله عز وجل: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، فسماهم مؤمنين. والخلاصة أن هذا الحديث فيه نفي الإيمان عن من يفعل المعصية حال فعله للمعصية، وهذا هو الذي دل عليه ظاهر هذا الحديث، وهو الذي يوصف به كذلك هذا الفاسق حال فعله للفسق ولهذه المعصية. فقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن»، فقوله «حين يزني» يفيد نفي مسمى الإيمان عنه في وقت ذلك الفعل خاصة، وفي ضمن هذا إثبات الإيمان قبل حصول المعصية وبعد حصول المعصية، إثبات الإيمان بعد حصول المعصية وقبل حصول المعصية؛ لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان، على ما هو متقرر من القواعد الأصولية التي دلت عليها دلالة الكثيرة من الكتاب والسنة. فقوله: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن»، قوله «حين يزني» ظاهر الدلالة بأن إثبات الإيمان قبل الزنا موجود وباقٍ، وظاهر الدلالة كذلك أن بقاء مسمى الإيمان بعد هذه المعصية كذلك موجود، وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة، والذي دلت عليه الأدلة الكثيرة كما قلنا من الكتاب ومن السنة. ثم ها هنا أمر مؤكد لهذا المعنى، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «والتوبة معروضة بعد»، كما في هذه الرواية في رواية مسلم. وجاء في رواية يحسنها بعض أهل العلم ويرفعها أفرون: «أن الإيمان يرتفع فوق رأسه كالظلة»، أن الإيمان يرتفع فوق رأس العاصي حال معصيته كالظلة، فإنه لا يجتمع إيمان ومعصية في حال المعصية، لا يجتمع إيمان ومعصية في حال معصية، ولكن بالجملة مسمى الإيمان الذي ينافي الكفر لا ينتزع منه، أما مسمى الإيمان الذي يلحقه بمرتبة الإيمان من مراتب هذا الدين فهو الذي ينتزع منه. وقد اختلف أهل السنة في تفسير هذا الحديث على تفسيرين، ومنهم من فسره بأنه: «لا يزني زانٍ حين يزني وهو مؤمن» أي كامل الإيمان، وهذا الذي عليه أكثر أهل العلم أهل السنة. وذهب بعض أهل السنة، ورأى ذلك على إمام أحمد والثوري وجماعة: أنه أنهم لا يرضون بهذا التعبير، بل يبقون هذا اللفظ على ظاهره. ومع ذلك والكل متفقون يبقون على ظاهره، يعني يقولون: لا نقول المراد بمؤمن أي كمال الإيمان، لا، وهو مؤمن على ظاهره، ينتزع منه الإيمان، ولا نقول ينتزع منه كمال الإيمان، لا، بل نبقى على ظاهره. ومع هذا فالكل متفقون أنه لم يقع منه ما هو كفر، فليست هذه المعاصي كفرًا، ولا يوصف بأنه كافر أبدًا، ولا يوصف بأنه منزل بين منزلتين كما يقول المعتزلة، لا، ولكنه ينتزع منه هذا الاسم هذا مرادهم حال معصيته، ينتزع منه هذا الاسم حال معصيته. فإن قيل: كيف تفسيره؟ الجواب: فسره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بأحد التفاسير الثلاثة. أما التفسير الأول، ففسره رحمه الله تعالى بأن المراد بنزع الإيمان ها هنا هو ضعفه، إذ أن هذا العاصي الذي يعصي ويقع في هذه المعصية، حال معصيته تخلخل إيمانه بالله جل وعلا، فغلب الرجاء على الخوف، ومن غلب الرجاء على الخوف فإن إيمانه ليس هو الإيمان الشرعي الكامل أو الإيمان الشرعي الصحيح الذي أراده الله جل وعلا. والتفسير الثاني: أن المراد بنزع الإيمان حال المعصية هو أن الشهوة غلبت على هذا العاصي في معصيته حتى صار، حتى صار هذا الإيمان كالعقل عند النائم، كالعقل عند النائم، النائم الذي تراه بعينك وهو نائم، هل تصفه بأنه مجنون؟ الجواب: لا، ليس بمجنون. وهل تصفه بأنه عنده عقل بمعنى كالرجل المستيقظ؟ الجواب: لا، ليس هو كالرجل المستيقظ، فهو إن تكلم كلامه لا يؤخذ عليه، وإن فعل شيء بيده ففعله لا يؤخذ عليه بأنه ليس عنده في ذاك الوقت العقل، فالعقل ليس ملابسًا له في ذاك الوقت الذي هو نائم، فيقول شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله: وهذا معنى الحديث، فتفسير الحديث «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن»: أن يكون إيمانه كالعقل عند النائم بسبب غلبة الشهوة عليه، يضيع أثر الإيمان عنده حين فعله لهذه المعصية. وذكر التفسير الثالث رحمه الله تعالى: أن المراد به الغفلة، الغفلة عن الإيمان وحقيقة الإيمان، والذي به غلب باعث الشهوة والهوى في قلبه، ففعل ما فعل من المعصية، فما فعل من المعصية حال فعلها لم يكن معه حقيقة الإيمان الذي أمره الله جل وعلا به، والذي هو عليه في دين الله جل وعلا. هذه ثلاثة تفسير لأهل السنة لهذا الحديث، وبه نعرف أنه لا حجة للوعيدية من الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم بمثل هذا الحديث. وقد مر معنا الكلام على هذا في دروس سابقة في العقيدة، ولعل في هذا القدر كفاية، وبه نكتفي، والحمد لله رب العالمين.