آداب الطعام والشراب 21

آداب الطعام والشراب 21

الدرس في آداب الطعام والشراب 21، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

آداب الشرب في الإسلام

الدرس يتناول آداب الشرب في الإسلام، خاصة النهي عن الشرب من ثلمة القدح، ويشرح العلل التي أدت إلى هذا النهي. كما يشير إلى أن هذا النهي يعد من الآداب التعبدية.

فضل سقي الماء وآثاره

سقي الماء من الأعمال الفاضلة التي يحتاج إليها المسلم، وقد وردت أحاديث نبوية تدل على عظم هذه المهمة وعظم أجرها. سقي الماء يعتبر من أفضل الصدقات وله أثر كبير في الأجر ومكارم الأخلاق.

آداب سقيا الماء وتطبيقها

الدرس يبين أهمية تطبيق آداب سقيا الماء، حيث يشير إلى أن ساقي القوم يكون آخرهم شربا، ويعتبر هذا الفعل دليلا على حب المنفعة للغير وتحمّل النقص. كما يروي أن النبي صلى الله عليه وسلم سقى جماعة من الرهط من إناء واحد.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، من المسائل المتعلقة في آداب الشرب أنه من الشرب من الإناء الذي فيه كسر أو خج، كسر أو خج نوع من أنواع الكسور في الآنية خاصة، وهذه مسألة متعلقة بآنية الشرب، وذلك لما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما رواه الإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الشرب من ثلمة القدح»، والثلمة كما سمعت هو الكسر والخج. وهذا تجده أحيانا في بعض الأواني، الكاسات والأكواب المعدة للشرب، فيها كسر، وحديثنا إخواني في الله، كما يقول العلماء، إنما عن الكسر الظاهر البين، كأس فيه أو قدح فيه كسر أو خج ظاهر بين. أما إن كان الخج ليس بظاهر ولا يراه أحد إلا بعد اللتي واللتيا، فهذا ليس عليه حكم، والمسألة لا تدر عليه، وإنما تدر على الأكواب والكؤوس التي فيها مثل هذه الكسور الواضحة البينة، وهذا لا يجوز أن تشرب منها، أي أن تشرب خاصة من هذا المكان، من هذا الموضع الذي فيه الثلمة. وجماهير العلماء على أن النهي للكراهة، النهي للكراهة، ومن أهل العلم من صرح بالتحريم لا يجوز، وذلك لهذا الحديث أن النبي نهى عن الشرب من ثلمة القدح. وذكر العلماء العلل التي من أجلها جاء هذا النهي، وأعظم العلل إخواني في الله في هذا الباب أن هذا الموطن وهذا الموضع خاصة هو محل تجمع الأوصاب، محل تجمع الأوصاب. وقد ذكر شيخ الإسلام الألباني رحمه الله تعالى في السلسلة الصحيحة عند إيراده لهذا الحديث ذكر فائدة، رحمه الله تعالى قال: فقد ثبت الآن مجهريا أن الثلمة صغيرة كانت أو كبيرة مجمع الجراثيم والميكروبات الضارة، وأن غسل الإناء الغسل المعتاد لا يطهرها. هذه المعلومات التي دلت عليها التجارب الحديثة أن أولا هذه الثلمة أنها محل الأوصاب والميكروبات، وهذا الذي دعت إليه الشريعة أنك لا تشرب منها، وهذا علم من أعلام نبوته صلوات ربي وسلامه عليه. وأيضا من العلل في هذا الباب، قال العلماء: أن الشرب من هذه الجهة التي فيها الثلمة هي مظنة لأن يجرح الفم، كان تجرح اللسان أو الفم أو الشفة إذا باشرت هذا المحل المكسور، وهذا فيه أذية، والإسلام يدعو بلا ضرر ولا ضرار. والأمر الثالث، لما يقول العلماء: أنه مظنة أيضا لانسكاب الشراب على الشارب، لأن هذا الكسر إخواني في الله سيجعل لك فجوة، فأنت عندما تشرب سينكب الماء من جهة الفجوة، وهذا كذلك يضر الشارب. فهذه العلل الخاصة أولاها، والأمر قبل هذا وذاك تعبدي، تعبدنا ربنا جل وعلا بأن لا نشرب من ثلمة القدح، فهذه من الآداب في هذا الباب. كذلك من الآداب المتعلقة بالشرب إخواني في الله مسائل عامة متعلقة بسقيا الغير، بسقيا الغير، فإن تحت هذه المسائل مسائل، وهذه العملية كثيرا ما تكون في عملية الشرب أن يكون هناك ساقي يسقي لغيره. ومن أهم مسائل سقيا الغير ما تعلق أولا بفضيلة هذه المسألة أن يتولى أحد من الناس أن يسقي غيره، وقد جاءت أدلة فاضلة تدل على عظم هذه المهمة، فمن ذلك ما جاء عند الترمذي وأحمد من حديث أبي سعيد الخدري قال عليه الصلاة والسلام: «أيما مؤمن سقى مؤمنا شربة ماء على ضمأ سقاه الله يوم القيامة من الرحيق المختوم»، وهذا فيه دلالة على أن الجزاء من جنس العمل، فمن سقى غيره سقاه الله سبحانه وتعالى. وانظر ما الذي يسقيك الرب، لن يسقيك ماء كما سقيت غيرك، بل ما هو أعظم من الماء، يسقيك ربنا من الرحيق المختوم. وهذا الحديث إخواني في الله اختلف العلماء في رفعه ووقفه، وجماعة من الحفاظ يرون أن هذا الحديث موقوف على أبي سعيد الخدري، كما صرح بذلك الإمام الترمذي رحمه الله، وهكذا أبو حاتم. ومن أهل العلم من يرى أن الحديث صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرفوعا. فالشاهد من هذا الباب إخواني في الله أن سقي الماء من الأعمال الفاضلة التي يحتاج إلى أن يتعنى لها المسلم، يتعنى لها. وأيضا فيمن سقي الماء من فضله، وخاصة إذا كانت من باب الصدقات، فهي من أعظم الصدقات ومن أنفع الصدقات ومن أحسن الصدقات، يدل على ذلك ما جاء من حديث سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنه قال: قلت يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟ قال: «سقي الماء». فسقاية الماء إخواني في الله من أفضل الصدقات، ولهذا تجد بعض الناس يسأل يريد أن يعمل مشروعا خيريا، أن عنده مالا يريد صدقة إما عن نفسه أو عن والديه أو عن أحدهما، فيسأل ما أفضل صدقة؟ دله على الماء. ولله الحمد تجد مثل هذه المشاريع الموجودة الآن، تجد برادات معدة جاهزة فقط تشترى ثم تركب وانتهى الأمر، فإذا بك يا عبد الله تحوز على أفضل الصدقة. فالماء لا أحد يستغني عنه، لا أحد يستغني عنه، فمن استطاع أن يتصدق بالماء فنعم الصدقة هو، أفضل الصدقة سقي الماء كما قال عليه الصلاة والسلام. وليست هذه الفضيلة إخواني في الله متعلقة بأن تسقي أهل الإسلام أو تسقي الآدمي، لا، حتى الحيوان لك أجر فيه، تؤجر على سقي الحيوان. فمن ذلك ما جاء من حديث سراقة، قلت يا رسول الله أضل له -أي الحيوان- أضل له ترد علي الحوض، فهل لي فيها أجر إن سقيتها؟ قال عليه الصلاة والسلام: «اسقها، فإن لك في كل كبد رطبة أجر»، بشكل عام، سواء كان إنسي أو حيوان أو بهيمة، فكل من سقى أحدا من الخلق من مخلوقات الله فإن لك في ذلك أجر. كأن تجد حيوانا، سواء مما تربيه أو لا تربيه، تجعل له ماء من الحيوان الذي تأتي وتروح هنا وهنا، فتحتس بالأجر أن هذا الماء أعددته للحيوان، فلك أجر فيه. ولا يخفاكم إخواني في الله مسألة أو حديثة تلك المرأة البغي، امرأة، انظر أين بلغ من تعديها وتفريطها في شرع الله، أن أصبحت بغي من بغايا بني إسرائيل، لكن عندما رأت ذلك كلبا يلهث من شدة العطش، قامت وسقته، فلما سقته غفر الله لها. فما ظنك بهذا الأجر العظيم؟ وهذا إخواني في الله مسلك تربوي لنا جميعا، إلى أن نعرف سقي الماء له هذه الخصيصة، وهذا له صور كثيرة، وخاصة في بيوتنا الآن، بعض الناس مثلا في الثلاجة تجد هذه الدبان أو العلب أو القوارير المعدة بالماء، تجد بعض أفراد الأسرة يهرب منها حتى لا يبتلى بأن يملأها. املأها يا عبد الله، هذه سقية تحتسب أنك بهذه القوارير تمليها وتعبيها، أن غيرك من إخوانك ومن والدك اسقوا منها أجر. أو البرادات مثل برادات المسجد أو أماكن معدة للماء، اسقيها فلك أجر في كل كبد رطبة، تؤجر على ذلك. وهكذا إخواني في الله، فهذا المجال واسع جدا، لكن الناس حرموا التوفيق، والموفق من وفقه الله سبحانه وتعالى لهذا الأمر المهم. وكذلك مما يتعلق من المسائل العامة بسقيا الغير ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: بأن ساقي القوم آخرهم شربا، الذي يسقي غيره، وهذا السقي عام، هنا يكون سقيا الماء، سقيا شراب، أو ما يكون في مجتمعاتنا من سقيا الشاي والقهوة، هذا كله سقية، فمن سقى غيره شيئا من الأشربة، فينبغي أن يكون هذا الذي فعل السقية لغيره يكون من آخرهم شربا، لا أنه يبادر لهذا الشراب. وقد ثبت هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا من مكارم الأخلاق، ليس في ذلك شيء يضر أنك تتولى أنت بنفسك أن تسقي غيرك، فليس في ذلك مذلة أو مهانة، من يصوره بعض الناس: أنا أسقي الناس ليش أسقيهم؟ أنا من أنا؟ لا، ما أسقي أحدا، لا أسقي. يا عبد الله، فيقول العلماء: أن هذا الفعل منك يدل على عدة أمور، يدل على حبك لمنفعة الغير، إذ لو لم يكن هذه المحبة في المنفعة لما سقيت غيرك، كذلك فيه أنك تؤثر غيرك على نفسك، بأنك تبدأ بهم قبل أن تبدأ بنفسك، هذا من مكارم الأخلاق. وفيه كذلك أنك تتحمل النقص، تتحمل النقص، عندك شراب تقسم على المجموعة وعلى الغرفة، فإذا بذلك شراب انتهى عند آخر واحد وأنت لم تجد شيئا، فهذا يدلك على أنك راض بهذا، وأنك تتحمل النقص، وهي من مكارم الأخلاق. والأولى والأجدر أن يقوم بهذا صاحب البيت إن نزل عليه ضيوف، سيأتي هذا في مسألة الضيافة بإذن الله، لكن يقول العلماء: أن الذي يقوم بسقي الغير من كان صاحب المنزل، صاحب البيت، صاحب المحل، والذي يقوم بسقي الغير، كما ذكر ذلك ربنا سبحانه وتعالى في قصة إبراهيم عليه السلام: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ﴾، فهو الذي يقرب، وهو معنى النبي كريم جليل، ومع ذلك قرب لغيره. وهكذا صاحب البيت أو من ينوب منزله من أبنائه أو من يشير عليهم، فهؤلاء يقومون بالتناوب. والدليل على هذا الحديث، وعلى هذه المسألة أن ساقي القوم هو آخرهم شربة، ما رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه من حديث أبي قتادة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل منزلا، فقل عندهم الماء، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لميضأة -والميضأة هو وعاء صغير يتوضأ منه- يستخدم في الوضوء، فجئ بميضأة، فتوضأ منه نبينا صلى الله عليه وسلم، ثم أخذ يصب، وأبو قتادة يسقي القوم يسقي القوم. وهذا فيه بركة من بركاته عليه الصلاة والسلام، جماعات من الرجال يسقيهم، ربنا واحد يسقيهم، نبينا واحدا واحدا من خلال هذا الإناء، لكن المكان يصب ويجعل أبو قتادة الذي يدور على الناس بهذه السقية، قال أبو قتادة: حتى ما بقي غيري وغير رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ثم صب رسول الله فقال لي: «اشرب»، فقلت: لا أشرب حتى تشرب يا رسول الله، تأدبا مع مقامه السامي عليه الصلاة والسلام، لا أشرب حتى تشرب. فقال عليه الصلاة والسلام: «إن ساقي القوم آخرهم شربا»، قال: فشربت، وشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا فيه بيان لهذا الأدب من آداب سقيا الغير، أن من تولى عملية السقيا فإنه يكون من آخرهم شربا. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.